السعودية تدشن مسرحها الوطني

مسرحيون أبدعوا وانتصروا للجمال يرحبون بالخطوة الثقافية الكبيرة في المملكة.
الجمعة 2020/01/31
صفحة جديدة في تاريخ المسرح السعودي

دشنت السعودية في 28 من يناير، مبادرة المسرح الوطني في مركز الملك فهد الثقافي بالرياض، والتي ستعمل على دعم إبداعات المسرحيين السعوديين، وتعزيز إمكانياتهم في الفنون الأدائية، وتطوير المخرجات المسرحية السعودية، وذلك باستلهام رؤية المملكة 2030 للتراث والثقافة المحلية.

دشنت وزارة الثقافة السعودية أخيرا المسرح الوطني، وتضمن حفل التدشين عرضا لمسرحية “درايش النور” التي تعد أول إنتاجات المسرح الوطني، حيث تعرض على مدى يومين، وهي تروي حكاية المجتمع السعودي في أزمنة مختلفة، من تأليف الشاعر صالح زمانان وإخراج فطيّس بقنة ومن بطولة إبراهيم الحساوي ونايف خلف وعبدالعزيز المبدل وشافي الحارثي وخالد صقر وشجاع نشاط إلى جانب مجموعة من المواهب الشابة.

وتأتي مبادرة المسرح الوطني في سياق الاهتمام بالمسرح ودعم الناشطين فيه، باعتباره أحد القطاعات الثقافية التي تدعمها الوزارة ضمن مشروعها للنهوض بالنشاط الثقافي السعودي بكل اتجاهاته الإبداعية. وتعد مبادرة المسرح الوطني خطوة عملية أولى نحو تأسيس منظومة مسرحية متكاملة تدعم الإنتاج المسرحي بجودة أعلى، وتوفر للمسرحيين فرصا أكبر لممارسة النشاط المسرحي بمعايير فنية عالية، كما توفر للمهتمين بالمسرح أعمالا مسرحية نوعية تعكس ثراء الثقافة السعودية وتنوّع مساراتها الجمالية.

حق التفاؤل

في هذا الشأن بيّن الكاتب المسرحي عباس الحايك أنه لأول مرة منذ سنوات طويلة، يتفشى التفاؤل عند المسرحيين السعوديين كما هو الحال الآن وهم يدشنون خطة المسرح الوطني. يقول الحايك “من حق المسرحيين الفرح، ومن حقهم التفاؤل، وإن تدشين المسرح الوطني مناسبة انتظرها المسرحيون طويلا، فالمسرح منذ سنوات يواجه عدم القبول وعدم الاهتمام الرسمي، ففتح الباب للأشكال المسرحية التي اعتمدت التهريج، واستقدام نجوم خليجيين وعرب، وهذا الشكل المسرحي كان مسؤولا عن توجيه ذائقة الجمهور المسرحي السعودي نحو بوصلة الكوميديا، ليلتصق المسرح بهذا الشكل وحده”.

ويضيف “طالب المسرحيون دعم المسرح، لكنهم واجهوا حالة التقشف وغابت العروض والمهرجانات المسرحية، وطالبوا بتطوير الكوادر المسرحية، ولكن ظل المسرحيون يلاحقون شغفهم بالتدرب بشكل شخصي، بعيدا عن دعم الجهات الرسمية المنوط بها الدعم، وظلوا ينفذون أعمالا مسرحية بلا موازنات.

ويضيف “المسرحيون يأملون بخطة شاملة لتطوير المسرح، وتطوير الكوادر المسرحية عبر التدريب والابتعاث القصير، وإقامة مهرجانات مسرحية محلية ودولية، وتقنين عملية المشاركات الخارجية، وفتح الباب للنشر المسرحي، نشر النصوص والأبحاث المسرحية. وتجسير العلاقة بين المسرحيين السعوديين والمسرحيين في العالم، عبر التبادل الثقافي والمسرحي، وغيرها من المشاريع المنتظرة التي نأمل أن يحققها المسرح الوطني ويعلن عنها ليلة التدشين”.

المسرح على المستوى الإبداعي سيكون خلاقا، وسيكون قريبا من الاطلاع على التجارب الفنية المهمة دوليا وعربيا

من جهتها قالت الكاتبة حليمة مظفر الحاصلة على ماجستير في الأدب والنقد المسرحي “لا شك أنه ليس المسرحيون فقط من أسعدهم تدشين المسرح الوطني كمشروع ثقافي تحت إشراف وإدارة وزارة الثقافة، بل كل مهتم بالفنون على أطيافها، فالمسرح أبو الفنون واليوم نحن في 2020 ليس مسرحا عاديا بل ذكي تقنيا يهتم بالسنوغرافيا والفضاء المسرحي والصورة الفنية البصرية بكامل تقنياتها مع متانة النص وتأثير الأداء حتما وكل ما يتصل به، وقد أسعدني حضور حفل تدشين الوزارة للمسرح الوطني وعرض الرؤية من خلال كلمات قدمها وزير الثقافة ورئيس مبادرة المسرح الوطني عبدالعزيز السماعيل تاركين ترجمة الرؤية والاستراتيجية الفنية من خلال عرض مسرحية غنائية ‘درايش النور’ والتي قدمت ماذا سيكون عليه المسرح السعودي مستقبلا، حيث الجمع بين الأصالة والمعاصرة والعنصر النسائي أساسي فيه، فلم يعد مسرحا للرجل فقط“.

ويوضح الكاتب المسرحي إبراهيم الحارثي أن كل ما كان يحتاجه المسرح السعودي “خلق حالة حراك مستمرة”، وهذه، في رأيه، لا تأتي إلا من خلال التخطيط الجيّد، يقول “أعتقد أن المسرح سيأخذ حقه، وستكون هناك تعددية فنية وأشكال مختلفة، فالمسرح السعودي في الثلاثة عقود الماضية، يسير ضمن حالة تصاعدية تتحرك ببطء”.

ويضيف “رغم الإضاءات التي شكلت ارتفاعات حقيقية في مؤشرات العطاء المسرحي. الآن مع هذه القفزة المسرحية عاليا، وبعد كل هذا الجهد سنرى على أرض الواقع ما يجعل المسرح موردا هاما جدا من موارد الناتج المحلي، هذا هو الاتجاه الحقيقي الذي يجب أن يسير فيه المسرح، سيكون لدينا ‘مجتمع فني‘ يُرتب عمله وتُجمع له كل إمكانات الأفراد التي تنتثر في الوطن ليكون جزءا من تقديم ثقافتنا المحلية لهذا العالم”. ويؤكد الحارثي أن المسرح على المستوى الإبداعي سيكون خلاقا، وسيكون قريبا من الاطلاع على التجارب الفنية المهمة دوليا وعربيا. يقول “هذا ما نشاهد إرهاصاته من العروض المسرحية الحالية التي تقدمها لنا هيئتا الترفيه والثقافة. سيتجه المسرح نحو إنتاج عروض أكثر جودة، عروض تبنى بشكل متزن ومدروس، وسيزداد حجم الحالة الفنية هنا، فقط لأن المسرحيين سيتجهون بسرعة ليكونوا أذرعا مهمة في بناء الأرض. كلي أمنيات كثيرة أكتبها ربما بنوع من التفاؤل، وربما المبالغة، ولكن من يعلم؟!”.

جوائز وإنجازات

احتفاء بالمسرح في المملكة
احتفاء بالمسرح في المملكة

على أعتاب تدشين المبادرة، كتب المسرحي سامي الجمعان عن أهم الجوائز التي نالها المسرح السعودي خلال السنوات الماضية قائلا “حصد المسرح السعودي في مسيرته التاريخية 88 جائزة دولية عبر 60 مهرجانا خليجيا وعربيا ودوليا، منذ العام 1987 حتى العام 2014، القائمة تم تحديثها حتى 2017 في كتاب الأستاذ علي السعيد عن جمعية الثقافة والفنون، وأتمنى أن يستمر الرصد لها والمتابعة من قبل أي مهتم بالجانب التوثيقي. وأعتقد أن الصديقين سلطان النوة وعلي السعيد لديهما القائمة كاملة”.

ويضيف “أيها المسرحي السعودي، استشعر نكهة منجزك، فمنذ سنوات طوال ونحن ننتظر حراكا مغايرا لمسرحنا السعودي، بعد أن أفنينا على خشبته، وفي كواليسه، وتحت حرقة أضوائه، خيباته، ونجاحاته السنوات والسنوات”.

ويتابع “على المستوى الشخصي، أعتز بما أمضيته من سنين وسنين، وما حققته من إنجازات، سواء كانت الجوائز أو النصوص، التجارب الإخراجية، المؤلفات النقدية، وتمثيل السعودية في المحافل الدولية. الآن فقط أستشعر نكهة هذا العناء الطويل، وأنا وزملائي ندشن المسرح الوطني السعودي، وقرب تأسيس هيئة خاصة بالمسرح، وتحقق برنامج الابتعاث، والكثير من التطلعات التي بدأت تعطي بشائرها. فقط نعترف بجهود بعضنا البعض، ونثق بأن كل من وضع لبنة في هذا الكيان يحق له أن يعتز به، ويذوق حلاوته اليوم”.

وفي السياق نفسه يقول الكاتب غانم أبورشيدة “احتفاء بغنى وتنوع الفنون الأدائية في المملكة، ولكونها تعكس جزءا من تراثنا الأصيل ودورا هاما في إثراء المحتوى الثقافي، تدشن وزارة الثقافة أعمال المسرح الوطني بالمملكة ليكون حجر الأساس في تطور الإبداع المسرحي والمساهمة في ازدهار الفنون الأدائية”.

تاريخ المسرح

أول العروض في السعودية
أول العروض المسرحية في السعودية

شهد المسرح السعودي إبان الثمانينات والتسعينات اختطافا من قبل تيار الصحوة، الذي هيمن على المسرح الجامعي والمدرسي، وألبسه لباسا دينيا وعظيا، بعد أن أبعد الرواد عن خشبته، وأفرغ محتواه من مضامينه الفنية والأدائية والرمزية، محرما الموسيقى، ومستبعدا حضور المرأة، ومجيشا الشباب ضد المجتمع والدولة، الأمر الذي جعل المسرح الجامعي والمدرسي مسرحا بلا مسرح ضمن اشتراطات تعجيزية جعلت من المخرجين ينأون بأنفسهم عنه، باحثين عن بدائل غير مؤسساتية لإخراج أعمالهم.

وكانت أي محاولة للعودة إلى المسرح هي مجازفة للدخول في حقل من الألغام، وهذا ما حصل عام 2006، حين هجمت مجموعة من الشباب المتشددين على الممثلين، وهم يعرضون مسرحية “وسطي بلا وسطية” في رحاب جامعة اليمامة، وهي من تأليف وزير التعليم السابق أحمد محمد العيسى، ومن إخراج رجاء غازي العتيبي، ومن بطولة الفنان حبيب الحبيب والفنان إبراهيم الحساوي والفنان محسن الشهري وعدد من الطلاب.

مؤخرا، واستكمالا للمبادرات التي أعلنت عنها وزارة الثقافة في حفل تدشين نشاطها في مارس 2019، أصدر وزير الثقافة، في مطلع أبريل الماضي، قراره بتعيين المسرحي عبدالعزيز السماعيل رئيسا للفرقة الوطنية للمسرح، وذلك لامتلاكه الخبرة المميزة في إدارة النشاط الفني، حيث سبق له أن شغل عدة مناصب إدارية متعلقة بالمسرح والفنون الأدائية، كان أهمها منصب المدير العام للجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون، كما يمتلك تجربة ثرية في المسرح السعودي والعربي أثمرت اختياره.

ويأتي تدشين المسرح تحت إدارته علامة فارقة في تاريخ المسرح السعودي الذي كان ينتظر هذا التدشين منذ عقود متتالية قضاها المسرحيون دون دعم أو مسرح. غير أن تاريخ المسرح في السعودية يعود في الحقيقة إلى حوالي قرن من الزمان، حيث بدأ المسرح السعودي مع بداية تأسيس السعودية، فقد شهد العام 1932 أول نص مسرحي مكتوب، وفي العام 1943 قدّمت مسرحية “جميل بثينة” الشعرية، وفي عام 1952 شهد الجمهور مسرحية “غرام ولّادة”، وبين العامين 1960 و1961 شهدت المملكة أول نص مسرحي نثري حمل عنوان “الدوامة”، وفي نفس العام تأسست بعض الفرق المسرحية في المملكة، حيث شهدت مدينة مكة المكرمة أول فرقة مسرحية ومدرسة تمثيل، ثم في عام 1970 تأسست جمعية الفنون الشعبية التي اعتنت بالمسرح بصورة شعبية بسيطة، كما شهدت الأعوام 1973 – 1988 انطلاق مجموعة مسرحيات عرضت في التلفزيون السعودي، وجمعيات الثقافة والفنون في مناطق مختلفة من المملكة، وفي عام 1974 تم تدشين قسم الفنون المسرحية بالرعاية العامة للشباب. وقبلها بعام تولت الجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون المجالات الأدبية والفنية متبنية المسرح والمسرحيين، والتي استمرت حتى يومنا هذا من دون دعم.

14