السعودية تدقق في استخدام الأحاديث النبوية بهدف مواجهة التطرف

حين تشكل السعودية هيئة عليا لحماية مدونة الحديث النبوي من استخدامه في تفسيرات تخدم الإرهاب، فإنها تؤكد من جديد أنها تمضي في سياسة التطوير والتحديث دون توقف أو تردد، وتسير بخطى ثابتة ومدروسة تعتمد التعقل وتتسلح بالمنطق والمحاججة المقرونة بالأدلة العلمية والشرعية مع مراعاة للخصوصية المجتمعية ومكانة السعودية المحورية في قلب العالم الإسلامي.
الجمعة 2017/10/20
إرادة سياسية تقطع الطريق أمام ثقافة الغلو

الرياض - في بادرة يتوقعها الكثير من المناصرين والمدافعين عن الخط التحديثي الذي تنتهجه السياسة السعودية، قالت وزارة الثقافة والإعلام إن المملكة ستراقب تفسير الأحاديث النبوية لكي لا تستخدم في تبرير العنف أو الإرهاب، وقد أمر العاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز في مرسوم، بإنشاء هيئة للتدقيق في استخدامات الأحاديث النبوية.

تدرك المملكة العربية السعودية، ومن خلال هذا الإجراء الذي وصفه جميع المراقبين بالجريء والشجاع، أنّ الجماعات الإسلامية المتطرفة استطاعت إيجاد ثغرات كثيرة تتسرب منها لتنفث سمومها التكفيرية في البلاد العربية والإسلامية، وأول وأوسع هذه الثغرات هو الإرث الهائل من الأحاديث والسنن النبوية؛ الصحيح منها والموضوع، الثابت والملفق، السليم والمدلس، المتسلسل منها والمنقطع، وذلك لما يمثله وقعها في نفوس الناس، وخاصة البسطاء منهم.

وقالت الوزارة في وقت متأخر من مساء الثلاثاء الماضي إن هدف الهيئة المكلفة بالتدقيق في استخدامات الأحاديث النبوية هو القضاء على النصوص الكاذبة والمتطرفة وأي نصوص أخرى ملفقة تتعارض مع تعاليم الإسلام وروحه التسامحية، وتبرر ارتكاب الجرائم والقتل وأعمال الإرهاب كما هو الحال لدى الجماعات الإسلامية التي استخدمت تفسيرات لأحاديث قصد تبرير العنف وحث أنصارها على تنفيذ هجمات إرهابية كما تفعل القاعدة وداعش وغيرهما من العصابات التكفيرية.

المتتبع لخطاب الجماعات التكفيرية عبر منابرها الإعلامية، يلحظ أنها تزج بكمّ هائل من الأحاديث والروايات المنسوبة إلى النبي، وبلغة إنشائية تعتمد الابتزاز العاطفي تارة وإثارة مشاعر الغضب والغيرة تارة أخرى. ويوظف هذا الأسلوب للمزيد من التجييش والتعبئة دون أن يسأل البسطاء من العامة أنفسهم: متى وأين وكيف ولماذا قال النبي هذه الأحاديث؟

ليس أسهل على قادة الإسلام السياسي من تدليس وتزوير السيرة النبوية لصالحهم، وليس أصعب على السلطات المكافحة للإرهاب من أن تنتشل هذه النصوص الملفقة من أذهان العامة إلا بالعمل الوقائي عبر جهود منظمة وبإشراف متخصصين وعلماء أجلاء يتحمّلون مسؤولياتهم في أمر خطير وهو انزلاقات التديّن المزيف الذي بني على أدوات إقناع مزيفة.

خير مثال على تحريف الجماعات التكفيرية للنصوص تفسيرهم لمفهوم الجهاد وما أدى إليه من مجازر دموية وكوارث

ومؤازرة لهذا الإجراء الوقائي الذي يخدم الدين الصحيح أولا، ويكافح التطرف ثانيا، يشير رجال دين أكفاء ومتخصصون في علوم الحديث والقرآن، إلى أنه وحتى في صورة إذا ما سلّمنا بالأحاديث المتفق عليها في كتب السنن الشهيرة، فإن هناك معضلة أكثر تعقيدا من عمليات الفرز والتصنيف والتحقيق وهي التفسير ـ وما أدراك ما التفسيرـ الذي يحمل الأثر النبوي الواحد عدة أوجه وسيختار المتطرفون عندئذ الوجه الأنسب لأوهامهم والقراءة الأقرب لنزعاتهم القمعية والدموية.

هيئة مجمع خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود للحديث النبوي الشريف، ستتخذ من المدينة المنورة مقرا لها وسيشرف عليها مجلس من كبار رجال الدين الإسلامي من مختلف أنحاء العالم وفق آلية عمل تتوخى الدقة والتحقيق والتحرّي، وهو ما سيقطع بالتأكيد الطريق على المتطفلين والمندسين والدعاة المزيفين.

تؤكد السعودية بعد هذه الإجراءات الحاسمة أن لا مجال للتراخي مع بعض المحرضين على العنف والتطرف من أولئك الذين يعتلون المنابر ويخطبون في الناس مستدرجينهم نحو التشدد والغلو باسم الوعظ والإرشاد أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وبادرت السلطات السعودية إلى اتخاذ إجراءات ميدانية صارمة وذلك بإقالة وإعفاء ومعاقبة كل من ثبت تورطه في زرع بذور الفتنة وتلويث أذهان الشباب بأفكار التطرف والعنف والكراهية.

وزير الخارجية عادل الجبير، أكد أن الآلاف من رجال الدين المتطرفين جرى فصلهم في إطار الحملة على جيوب التطرف والأوكار التي تمهد وتطبخ لأعمال العنف والإرهاب في بعض المساجد بالمملكة والتي يوجد فيها قرابة 70 ألف مسجد. وساند علماء ورجال دين هذه الإجراءات حماية للمجتمع السعودي من مخاطر الفتنة والعنف.

وزارة الثقافة والإعلام السعودية قالت إن الهيئة سيرأسها الشيخ محمد بن حسن آل الشيخ عضو هيئة كبار العلماء ستخدم الإسلام بإقامة “مرجعية أصيلة للحديث النبوي الشريف وعلومه جمعا وتصنيفا وتحقيقا ودراسة” أي أن لا مجال بعد اليوم للدخلاء وأشباه الوعاظ وأنصاف المفسرين والمؤولين للسنن والأحاديث. كما أن هناك اتجاها من الحكومة نحو دعم رؤية جديدة، واضحة وحاسمة بشأن الهوية السعودية تبقي على الوهابية كمحور ارتكاز، لما لها من دور تاريخي في تأسيس الدولة وكذلك بعض المواقف الحميدة في محاربة البدع، لكنها ستسمح بوجود أفكار علمانية ورؤى ثقافية تكرس البعدين الوطني والقومي للدولة.

الآلاف من رجال الدين المتطرفين جرى فصلهم في إطار الحملة على جيوب التطرف والأوكار التي تمهد لأعمال العنف

وبهذه الخطوات التي وصفت بالثورية يكون قد أسقط في يد المتعصبين والمتشددين والمنتقدين، ذلك أن التحديث والتطوير سُنة من سُنن الله في الكون، ولا يمكن للحياة أن تبقى على حال واحدة؛ لأنها إن بقيت فسدت لذلك أدرك العقلاء في كل عصر هذه الحقيقة؛ وسعوا إلى التطوير والتحديث في كل مناحي الحياة، وفق ثوابت كل أمة وثقافتها ومرجعيتها.

وتؤكد شخصيات دينية وسياسية وإعلامية سعودية أن الدولة قد نهجت نهجًا شرعيًّا للتحديث والتطوير، لا يتعارض مع أصول الدين بل يخدمها ويعززها ويحميها من التشويه والتشويش كما هو الأمر بالنسبة إلى هذه المراجعة والتقييم وإعادة الضبط لمدونة الحديث النبوي خشية عليها من التحريف والتزييف، وجعلها مشجعا على التطرف على عكس أصلها المؤسس لقيم المحبة والتعايش.

وفي هذا الصدد يقول نائب وزير الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد في السعودية، توفيق بن عبدالعزيز السديري “الدولة في العصر النبوي تختلف عنها في العصر الراشدي، وكذلك في ما تلاها من العصور، ولم يعارض العقلاء في كل عصر من عصور المسلمين هذه التطورات والتحديثات التي تتعلق بحياة الناس وتصريف شؤونهم” ويضيف السديري “لذلك لم نجد من صحابة رسول الله من عارض عمر بن الخطاب الخليفة الثاني حينما قام بتحديث الدولة وإنشاء دواوين الإدارة والحكم وتثبيت التاريخ الهجري”.

ويساند هذا الرأي أغلب العلماء ورجال الدين في السعودية مستشهدين بتاريخ تطور الدولة في العالم العربي والعالم الإسلامي فبعد العصرَيْن الأموي والعباسي وفي عهد الدولة الأموية بالأندلس وعهود الدول المتتابعة نجد العلماء والفقهاء كانوا يسيرون جنبًا إلى جنب مع مسيرة التحديث في عصورهم.

الخطوة التي أقدمت عليها السعودية من شأنها أن توقف الإسفاف الذي يلجأ إليه أشباه الوعاظ والدعاة على المنابر الإعلامية المشبوهة، مستعينين بأحاديث ضعيفة وغير متواترة بقصد تجييرها لمآربهم وتوجيهها نحو مخططات إرهابية. هذا بالإضافة إلى التفسيرات التي تأخذ الحديث نحو اتجاه نقيضه في أحيان كثيرة، وخير مثال على ذلك تفسيرهم لمفهوم الجهاد وما أدّى إليه من مجازر وكوارث.

13