السعودية تسرّع إعادة صياغة علاقاتها الإقليمية مسايرة للمتغيرات

الرياض تسعى إلى تقوية موقف المملكة في الحوار مع إيران وعمل على ملء الفراغ الناجم عن تراجع الاهتمام الأميركي بالمنطقة.
الثلاثاء 2021/05/11
العلاقات السعودية القطرية الأكثر تسارعا في تغيرها

الرياض - استقبلت المملكة العربية السعودية في ظرف أقل من أسبوع كلاّ من أمير قطر ورئيس الوزراء الباكستاني ووزير خارجية تركيا، في ما بدا أنّها أكبر عملية إعادة صياغة للعلاقات الإقليمية تُقدم عليها الرياض استجابة لتغييرات في المشهدين الإقليمي والدولي، أبرزها
تضاؤل حماس الولايات المتحدة في عهد الرئيس جو بايدن لمواصلة الحفاظ على العلاقة المتميّزة مع المملكة.

ولاحت خلال الأيام الأخيرة بوادر تحوّل طفيف في علاقة السعودية بإيران غريمتها الأولى في الإقليم، وذلك مع إجراء اتصالات بين مسؤولين أمنيين من البلدين لاستكشاف فرص الحوار، رافقتها إشارات سعودية بشأن الانفتاح على حوار مع إيران.

ورأى متابعون لزخم الزيارات المتّجهة صوب السعودية انعكاسا لرغبة الأخيرة في تشكيل جدار إقليمي جديد يقوّي موقفها في أي حوار قادم مع إيران، ويساعدها أيضا على ملء الفراغ الذي من شأن الانسحاب التدريجي للولايات المتّحدة من ملفات المنطقة وقضاياها، أن يخلّفه.

وجاءت زيارة أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني للسعودية وهي الثانية منذ يناير الماضي لترسيخ مسار المصالحة بين الرياض والدوحة والذي بدأ مع قمّة العلا الخليجية، ولتجاوز جميع مخلّفات مرحلة المقاطعة لقطر التي كانت اشتركت فيها السعودية مع كل من الإمارات ومصر والبحرين.

وأعلن الاثنين في قطر، عن توجّه أمير البلاد إلى مدينة جدة في زيارة رسمية للمملكة العربية السعودية تلبية لدعوة من العاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز “يجري خلالها مباحثات مع ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع حول العلاقات الأخوية التي تجمع البلدين”، بحسب ما أوردته وكالة الأنباء القطرية.

أما زيارة رئيس الوزراء الباكستاني عمران خان إلى المملكة آخر الأسبوع الماضي فجاءت لتقطع مع مرحلة الفتور الذي خيّم على علاقات البلدين الحليفين التقليديين والذي ترتّب على محاولة إسلام آباد البحث عن تحالفات جديدة في المنطقة مخالفة لمصالح السعودية، وهو ما ترجمته تحرّكات خان صوب كلّ من إيران وتركيا، من دون أن يتمكّن من تحقيق الأهداف الاقتصادية والمالية الرئيسية في تحرّكاته.

واستقبل رئيس الوزراء الباكستاني الجمعة الماضية في مدينة جدّة من قبل ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان حيث “عقدا جلسة مباحثات لتعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين، كما وقّعا على اتفاق إنشاء مجلس التنسيق الأعلى السعودي الباكستاني”.

وتطرّق الجانبان إلى قضايا إقليمية من بينها الملف اليمني وسبل حل الصراع المسلّح الدائر هناك، كما توافقا على ضرورة تضافر جهود العالم الإسلامي لمواجهة التطرف والعنف ونبذ الطائفية.

أمّا زيارة وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو الاثنين إلى السعودية، فمثّلت أبرز قفزة في تصفية المملكة لخلافاتها الإقليمية مستغلّة في ذلك الرغبة التركية القوية في تجاوز الخلافات، التي كانت قد أثارتها أنقرة مع الرياض طيلة السنوات الماضية.

Thumbnail

وجاءت زيارة أوغلو بعد أيام من تلقي العاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز اتصالا هاتفيا من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان جرى خلاله “بحث العلاقات الثنائية بين البلدين” وتلقى خلاله الملك سلمان تهنئة أردوغان بمناسبة حلول عيد الفطر، بحسب ما أوردته وكالة الأنباء السعودية.

وأظهرت القيادة التركية على مدى سنوات متواصلة عدائية واضحة تجاه بلدان عربية في مقدمتها مصر والسعودية، حيث طالت إساءاتها قيادة المملكة عندما حاولت ربط عملية اغتيال الصحافي السعودي جمال خاشقجي في قنصلية بلاده بإسطنبول سنة 2018 باسم ولي العهد السعودي، لكنّها قامت مؤخرا بانعطافة حادّة في مواقفها عارضة الحوار والمصالحة على القاهرة والرياض، في خطوة فسّرها مراقبون بالأوضاع الاقتصادية الصعبة في تركيا والمسببة لهشاشة موقفها السياسي وعدم قدرتها على مواصلة الصراع وتوسيع دائرة الأعداء، وأيضا بتصاعد الضغوط الأميركية على أنقرة في عهد الرئيس بايدن ما يجعلها بأمسّ الحاجة للعودة إلى سياسة “صفر مشاكل” التي ظل حزب أردوغان، العدالة التنمية، ينظّر لها طويلا لكن حكومة الرئيس التركي طبّقت عكسها تماما.

ولا تغيب الدوافع الاقتصادية عن خطوات المصالحة التركية مع السعودية، وذلك بعد أن تراجعت عائدات تجارتها مع المملكة بشكل حادّ، إثر حملة مقاطعة شعبية للبضائع التركية احتجاجا على عدوانية أنقرة وإساءاتها.

ويقول متابعون للشأن السعودي إنّ عملية طي الملفّات الخلافية التي بدأتها المملكة بهدف التفرّغ بشكل كامل لاستكمال برنامجها الإصلاحي والتنموي الضخم، يشمل أيضا الملف اليمني، حيث أظهرت الرياض مرونة في التعاون مع الجهود الأممية والأميركية الهادفة لإنهاء الحرب في اليمن، عارضة على جماعة الحوثي الموالية لإيران وقفا للعمليات العسكرية ترافقه عمليات إمداد بالمساعدات الإنسانية ورفع جزئي لإغلاق المنافذ البحرية والجوية للمناطق الخاضعة لسيطرة المتمرّدين.

غير أنّ الحوثيين أبدوا موقفا سلبيا من المبادرة السعودية أرجعه مراقبون لارتباطهم الشديد بدائرة القرار الإيراني، معتبرين أنّ الحوار بين السعودية وإيران إذ تمّ بالفعل سيؤثر بشكل مؤكّد على الوضع في اليمن وقد يساعد على إنهاء الحرب المتواصلة في البلد منذ قرابة السبع سنوات.

3