السعودية تصنع الحدث.. متى وكيف؟

الأربعاء 2017/07/19

تَسير المملكة العربية السعودية بخطى حثيثة نحو مستقبل تتشكل معالمه على مختلف الأصعدة، فيه ما يُغْري إقليميا على تجاوز المتابعة والانتظار إلى المشاركة أو التقليد، وتجاوز الخوف من مواجهة محتملة لجهة فك زعامة المنطقة من أيدي من وجدوا في الوضع الحالي للدول العربية مدخلا للتدخل والتحكم والتقسيم. وهي باختصار تصنع الفعل السياسي والاقتصادي والثقافي محليا وعربيا وعالميا، بغض النظر عن ردود الأفعال عن ذلك، سواء أكانت تأييدا أو رفضا، أم اعتبار ما يحدث حالة عابرة تحول دون تحقيقها جملة من التحديات.

مهما تكن القراءة الحالية لراهن السعودية والتفاعل مع تجربتها التي هي محط أنظار الدول والجماعات والأفراد، تتناولها الكثير من وسائل الإعلام بالإعجاب والتشجيع فيما تراها وسائل إعلام أخرى بسوداوية خائنة الأعين وما تخفي الصدور.

وبالنظر في عمق التغيرات واسعة النطاق في المملكة تظهر أمامنا صناعة سعودية، غير وجلة ولا مغامرة، للحدث، تتجسد ضمن ثلاثة مستويات، يمكن ذكرها على النحو التالي:

* مستوى سياسي ـ رسمي: بلغ ذروته في إصدار قرارات تخص الحرب (الحرب على الحوثيين في اليمن مثلا) وتشكيل تحالفات عسكرية (التحالف العربي، والتحالف الإسلامي)، وتنظيم قمم لاتخاذ مواقف جماعية -عربية وإسلامية- من الإرهاب، (قمم الرياض الثلاث عند زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب)، والموقف الحازم من تدخل إيران في الدول العربية، ومقاطعة قطر (رفقة كل من الإمارات والبحرين ومصر).

* مستوى اقتصادي: قمّته السلطة وما أصدرته من قرارات وخطط واستراتيجيات على غرار رؤية السعودية 2030. وتجاوبت معها مؤسسات الدولة ورجال المال والأعمال، وهي تمثل رهانا حقيقياّ لمعظم المواطنين، أي أنها تجمع بين كل الأطراف الفاعلة، بما يمكن أن نعتبره نوعا من الشراكة.

تمثل هذه الرؤية مستقبل السعودية، لأنها تخصّ مرحلة ما بعد النفط، وما يصحبها من إجراءات عمليّة من أجل المستقبل. ومن المتوقع أن يتم التحرر من النفط، بحلول عام 2020، وذلك من خلال زيادة الإيرادات غير النفطية بستة أضعاف من نحو 43.5 مليار دولار سنويا إلى 267 مليار دولار سنويا، كما تهدف الخطة إلى زيادة حصة الصادرات غير النفطية من 16 بالمئة من الناتج المحلي حاليا إلى 50 بالمئة من الناتج، وطرح جزء من شركة أرامكو للاكتتاب يقدر مبدئيا بـ5 بالمئة.

وضمن رؤية 2030 تسعى السعودية إلى تحويل صندوق الاستثمارات العامة إلى صندوق سيادي بأصول تقدر قيمتها بتريليوني دولار إلى 2.5 تريليون دولار، ليصبح بذلك أضخم الصناديق السيادية عالميا. وأشارت البيانات الأولية إلى أن هذا الصندوق سوف يسيطر على أكثر من 10 بالمئة من القدرة الاستثمارية في الكرة الأرضية. ويًقدر حجم ممتلكاته بأكثر من 3 بالمئة من الأصول العالمية.

هناك مجالات أخرى تنوي السعودية الاستثمار فيها من ذلك مجال السياحة، وتطبيق البطاقة الخضراء لجهة تمكين العرب والمسلمين من العيش طويلا في السعودية والتخطيط لزيادة عدد المعتمرين سنويا من ثمانية ملايين إلى ثلاثين مليونا بحلول عام 2030، وزيادة مشاركة النساء في سوق العمل من 22 بالمئة إلى 30 بالمئة، وخفض نسبة البطالة بين السعوديين من 11.6 بالمئة إلى 7 بالمئة، وإنشاء صناعة عسكرية، وهَيْكَلة قطاع الإسكان للمساهمة في رفع نسب تملّك السعوديين، وتعزيز مكافحة الفساد.

* مستوى ثقافي: تكشف كل المعطيات على نهضة حقيقية على المستوى الفكري في السعودية، إذْ تشهد البلاد حركة تشي بتغير واعد، يتوقع أن يتردد صداه في كل الدول العربية الأخرى، ويمكن لنا أن نستشف ذلك من مستوى التعليم الجامعي والمكانة العالمية التي وصلت إليها الجامعات السعودية في الحقل الأكاديمي، حيث تعدُّ بعض جامعاتها الأرقى ضمن التَّصنيف العالمي، وهي الأولى على المستوى العربي، وكذلك الأمر بالنسبة للدراسات والأبحاث والترجمات، تضاف إلى ذلك مجالات الإبداع الأخرى، وهو ما يشهد عليه المنجز السعودي، ناهيك على الوجود الإعلامي السعودي سواء من خلال العمل القيادي والإشراف، أو المساهمة كتابة ومن خلال التحليل، أو الدعم المالي، بل إن السعودية في الفترة الأخيرة، أصبحت تصدّر خبرتها في مجال الإعلام للدول الخليجية.

وإذا ما نظرنا إلى المسألة الثقافية من خلال رؤية 2030، فسنجدها حاضرة من خلال التأكيد على إنشاء أكثر من 450 نادياهواة مسجلا يقدم أنشطة ثقافية متنوعة وفعاليات ترفيهية وفق منهجية منظّمة وعمل احترافي بحلول 2020، ورفع عدد المواقع الأثرية المسجّلة في اليونسكو إلى الضعف على الأقل، وتصنيف ثلاث مدن سعودية بين أفضل 100 مدينة في العالم، ورفع إنفاق الأسر على الثقافة والترفيه داخل المملكة من 2.9 بالمئة إلى 6 بالمئة، ورفع نسبة ممارسي الرياضة مرّة على الأقل أسبوعيا من 13 بالمئة إلى 40 بالمئة بحلول 2030.

وتزامنا مع تنفيذ رؤيتها، فإن مسعى السعودية من خلال التطورات الحاصلة فيها وفي المنطقة، يبرهن على أنها صانعة للأحداث، وأنها قادرة على قيادة العالم العربي في هذه المرحلة الصعبة من تاريخه، نظرا لما تتمتع به من استقرار نسبي، مقارنة بالكثير من الدول العربية الفاعلة في الماضي، وأنها تنفذ بعزيمة وإصرار التأثير في الأوضاع من حولها، بدلا من أن تتأثر بها.

غير أن هذا التقييم للموقف السعودي يرى فيه البعض نوعا من المبالغة التي تحاول تقديم صورة ورديّة لواقع يزداد تأزما في منطقة تتواجد فيها السعودية، صحيح أنها قد لا تكون مسؤولة عن كل الأحداث لكنها طرف فيها، وأن تكلفة التغيير قد تكون باهظة، وأنها لن تكون بديلا عن العراق في مواجهة إيران، ولا سوريا في مواجهة تركيا، لذلك عليها التفكير بجدية في إشراك العرب الآخرين في المواجهة، ليس فقط من أجل استقرارها واستقرار المنطقة، ولكن لتخيف الأعباء عنها، أعباء الحرب والسلم.

كاتب وصحافي جزائري

6