السعودية تعزز خيار ما بعد أميركا

الأربعاء 2015/10/14
مصالح الرياض تقتضي تنويع الحلفاء

الرياض - خرج تلويح السعوديين بخيار تنويع الحلفاء الاقتصاديين والعسكريين، من مجرد تصريحات ظرفية ناجمة عن برود العلاقة مع الولايات المتحدة، إلى التنفيذ، وهو ما تجسم في عقود واتفاقيات بقيمة عشرة مليارات يورو مع فرنسا تم الإعلان عنها أمس.

ومن الواضح أن القيادة السعودية حسمت أمرها، وشرعت في تعزيز خيار ما بعد الشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة التي أعطت سياستها في الشرق الأوسط مبررات كافية للمسؤولين الخليجيين كي يحسموا أمرهم في اتجاه توظيف دورهم الاقتصادي والمالي في بناء علاقات متوازنة.

وتقوم استراتيجية السعودية في تنويع الحلفاء على قاعدة المنافع المتبادلة حتى وإن كانت هناك خلافات سياسية تجاه ملف من الملفات مثلما هو الأمر مع روسيا التي تدخلت عسكريا لدعم الرئيس السوري بشار الأسد، وهو الأمر الذي ترفضه الرياض.

وعكست زيارة الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، ولي ولي العهد السعودي الأخيرة إلى موسكو، والتي تزامنت مع بدء الغارات الروسية على مواقع المعارضة السورية، براغماتية سعودية جديدة تفصل بين المصالح الدائمة والأحداث المتغيرة وإن تميزت بالخلاف في وجهات النظر.

وسبق لروسيا أن دعمت قرار مجلس الأمن 2216 حول اليمن، والذي يفرض على المجموعات المرتبطة بإيران الانسحاب من المدن التي سيطرت عليها بالقوة بما في ذلك العاصمة صنعاء.

واعتبر مسؤولون سعوديون أن موقف روسيا من القرار وعدم استعمال الفيتو ضده راعى مصالح بلادهم وأمنها القومي، ووقف ضد مطامع إيران في التمدد الإقليمي رغم ما يبدو من تحالف بين البلدين.

وقال محللون إن استراتيجية السعودية تريد أن تتخلص من عبء التحالف الاستراتيجي مع الولايات المتحدة الذي كلف دول المنطقة أعباء مالية وأمنية كبيرة، ومثال ذلك غزو العراق في 2003 الذي خلط الأوراق الأمنية في المنطقة، وفتح الباب واسعا أمام توافد التيارات المتشددة، ومكن إيران من أن تسيطر على العراق وتوسع من دائرة تدخلها لتشمل سوريا ولبنان واليمن.

ونجحت فرنسا بدورها في الاقتراب من الموقف السعودي من خلال مواقفها خاصة خلال مفاوضات النووي الإيراني، ومطالبتها بأن يضمن أي اتفاق مع طهران أمن دول الخليج، ووضع آليات رقابية متشددة لمنع تحول هذا البرنامج إلى عامل تهديد للأمن الإقليمي.

وخلال زيارة إلى الرياض في مايو الماضي، أعلن الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند دعم بلاده بشكل واضح لموقف السعودية من اليمن، وهي مواقف سرعت في بناء علاقات ثقة ومشاريع اقتصادية لفرنسا ليس فقط مع السعودية بل مع دول إقليمية أخرى مثل مصر.

وأعلن رئيس الوزراء الفرنسي مانويل فالس الثلاثاء أثناء زيارته للرياض توقيع سلسلة من الاتفاقيات والعقود ومذكرات التفاهم مع المملكة العربية السعودية بقيمة عشرة مليارات يورو.

وأعلنت رئاسة الوزراء الفرنسية أن الاتفاقيات المختلفة هي في مجال الطاقة والصحة والزراعة والصناعة الغذائية، وفي مجال الملاحة والتسليح والأقمار الاصطناعية والبنى التحتية.

وقال فالس في المنتدى الاقتصادي السعودي الفرنسي في الرياض “تعالوا استثمروا في فرنسا، إنه الوقت المناسب أكثر من أي وقت مضى”.

ولفت إلى أن بلاده هي المستثمر الثالث في السعودية، وأن فرنسا تقدم للشركات السعودية عروضا وإمكانيات كبيرة للاستثمار.

وينص اتفاق تم توقيعه أمس في الرياض على إنشاء صندوق سعودي للاستثمار في الشركات الفرنسية الصغيرة والمتوسطة، لا سيما الشركات العاملة في مجال المعلوماتية والطاقة المتجددة، وهو صندوق بقيمة ملياري يورو.

وتم توقيع مذكرة تفاهم بين الصندوق السيادي السعودي والمختبر الفرنسي “ال اف بي” للتقنية الحيوية، من أجل إنشاء معمل في المملكة بقيمة 900 مليون يورو.

وفي مجال التسليح، ذكرت المصادر القريبة من فالس أن المملكة ستطلب قبل نهاية العام شراء 30 طرادا بحريا فرنسيا، مع فتح مفاوضات حصرية في مجال الأقمار الصناعية والاتصالات والمراقبة.

وأعلن عن عزم الرياض بدء مفاوضات مع الشركات الفرنسية “فيوليا” و”الستوم” و”انجي” من أجل مشاريع في مجال البنى التحتية، لا سيما في ما يخص مشروع إدارة شبكة المياه في الرياض (3 مليارات يورو) وتوزيع الطاقة في جدة (مليار يورو).

وعقدت مراسم توقيع الاتفاقيات بالتزامن مع ختام المنتدى الاقتصادي السعودي الفرنسي الثاني بمشاركة مئتي شركة فرنسية.

وزيارة رئيس الوزراء هي ثالث زيارة لكبار المسؤولين الفرنسيين للسعودية في تسعة أشهر. والسعودية هي المحطة الثالثة والأخيرة من جولة فالس في الشرق الأوسط، والتي شملت مصر والأردن. وكان رئيس الوزراء الفرنسي شهد السبت في القاهرة توقيع عقد شراء مصر لسفينتي ميسترال فرنسيتين.

1