السعودية تغيرت كثيرا

الجمعة 2017/06/23

رغم فارق السن الذي كان 59 سنة تقريبا بين الملك الراحل عبدالله بن عبدالعزيز وابن أخيه الأمير الشاب محمد بن سلمان، إلا أنهما يشتركان في فكرة مهمة وهي أن على السعودية أن تتغير جوهريا أو أنها ستتعرض للخطر في عالم يحاول أن يضع النفط خلف ظهره.

لعامين كاملين وبتشجيع من الملك الراحل كان الأمير محمد بن سلمان يفكر في إعادة النظر في أولويات الحكومة السعودية واقتصادها محاولا تلبية ما كان يسمّيه “حلم الشباب السعودي” في حياة المملكة ما بعد النفط.

ومنذ توليه منصب وزير الدفاع وإدارة شركة أرامكو صار الدبلوماسيون الغربيون في الرياض يسمّونه “السيد كل شيء”، فهو موهوب ويمتلك صلاحيات كبيرة. وفي لقاءاته الأولى مع الصحافيين الأجانب كان يجعلهم يكتشفون أنهم أمام مسؤول عربي من جيل مختلف، فهو معجب بعبقرية ستيف جوبز مبتكر الآيفون كما أنه معجب بالسياسي ورجل الحرب البريطاني ونستون تشرشل. أي أننا أمام أمير شاب محارب وخلاق. يمكننا أن نقول إنه يمتلك ميل الملك عبدالله بن عبدالعزيز للإصلاح وفِي نفس الوقت يمتلك حزم أبيه الملك سلمان بن عبدالعزيز.

أمير يعمل 16 ساعة في اليوم دون تعب لإصراره على جعل بلاده أقوى وأفضل. وهو صاحب فكرة بيع 5 بالمئة من شركة أرامكو في الأسواق العالمية بمبلغ 2 تريليون دولار لاستثماره في مسائل اقتصادية متنوعة غير النفط. يقول إن هذه الفكرة ستقود المملكة خلال عشرين عاما إلى التحول الصناعي والاستثماري بحيث لا تعتمد على النفط في 90 بالمئة من مواردها كما جرى خلال 80 عاما.

في لقاءاته، كان الأمير محمد يقول دائما إن المرأة نصف المجتمع السعودي، وهو بحاجة إلى منحها حقوقها الطبيعية التي أقرها لها الإسلام لتشارك في النهضة الاقتصادية ومستقبل المملكة. ويؤكد إذا كانت المرأة تركب الجمل في عهد النبي لماذا لا يحق لها قيادة السيارة في العصر الحديث؟ أو لماذا لا يحق لها السفر إلا بموافقة رسمية من ولي أمرها؟

المسألة الأخرى التي جذبت اهتمام الأمير هي “الشباب”، حيث أن أكثر من نصف المجتمع السعودي شباب دون الثلاثين عاما ولا يجدون لهم دورا كبيرا في قيادة البلاد. كان الأمير مدركا تماما إلى أن الاقتصاد وحده لا يكفي. لا بد من إصلاحات اجتماعية لأنها هي التي تفسر لماذا يفضّل المستثمرون والمصرفيون الكبار الاستقرار مع عوائلهم في دبي وليس في الرياض.

لا نستطيع الإحاطة بشخصية كبيرة كالأمير محمد في سطور قليلة. رجل أصبح موضع اهتمام قادة كبار مثل الرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين. الجميع نظر إليه بإعجاب كملك المستقبل.

بعد المرسوم الملكي الأخير بإعلان الأمير محمد بن سلمان وليا للعهد قال برنارد سفاكياناكيس مدير مركز الخليج للأبحاث “التغيير الأخير يعطي دفعة هائلة لبرنامج الإصلاح الاقتصادي (رؤية المملكة 2030) ونموذج التحول بأكمله الذي تسعى المملكة إلى تطبيقه والأمير محمد بن سلمان مهندسه”.

قرار مصيري آخر تتخذه المملكة دون علم الولايات المتحدة، فقد ذكر مسؤول أميركي كبير أن الرياض لم تبلغ واشنطن مسبقا بترقية الأمير. ومع هذا فإن الخبر أثار ارتياح الرئيس دونالد ترامب وهنّأه بحرارة، فترامب لا يخفي إعجابه بالأمير.

المهم في هذه الورقة أن نتحدث عن سياسة السعودية التي أخذت تتبدّلْ على يد الأمير. لقد رأينا قراره الشجاع في حرب اليمن وقيادة الجنرالات فيها التي منعت سيطرة إيران على باب المندب، ورأينا قبضته العربية الحازمة بوجه قطر التي قادت سياسة تآمرية تسعى إلى تفكيك المملكة وإغراقها في الأزمات، واليوم نستشعر الرعب لدى الصفويين في بغداد من صعود هذا الأمير الحازم إلى ولاية العهد.

موقف ولي العهد الجديد من إيران واضح، فهو يقول لا حوار ممكن مع طهران. ويقول بيتير جاكوب من مؤسسة عالمية للاستشارات النفطية “السؤال ليس إن كان الأمير سيبدأ تصعيدا مع إيران بل السؤال متى؟” ويتفق معه محللون كثيرون.

أين سيقع التصعيد الجديد مع إيران؟ بعد اليمن وقطر هل يعتبر العراق هو المكان التالي؟ فالعراق بلد عربي احتلته إيران ووضعت فيه حكومة تجميلية رغم أن الجنرال قاسم سليماني يقود في البلاد السليبة ميليشيا منظمة تعدادها 30 ألف مسلح. لن تسكت السعودية على التوسع الإيراني في الأراضي العربية وبوجود الأمير محمد ملهم الشباب العرب ليس ميليشيات العراق خائفة فقط، بل طهران نفسها ترتعد من كلمته قبل أسابيع حيث قال إذا لم ترعو طهران وتتوقف عن سياستها العدوانية نحو العرب فإنه مستعد لنقل المعركة داخل أراضيها.

وتقف جيوش عربية كبيرة تحت راية التحالف الذي تقوده السعودية الجديد. كما فهمت القاهرة جدية ولي العهد وأعلنت تيران وصنافير جزيرتين سعوديتين وأنهت جدلا لا قيمة له أمام المشروع العربي القادم وحجمه. وقالها السفير الإماراتي في واشنطن يوسف العتيبة بكل وضوح إن التحالف العربي يقاتل في سبيل “شرق أوسط جديد” خال من الإرهاب والتطرف الديني والتوسع الإيراني والتركي على حساب العرب.

الذي اكتشفه الأمير محمد بن سلمان هو أن إيران لا حدود لطموحها. تعطيها العراق تريد سوريا، تعطيها سوريا تريد اليمن، تعطيها اليمن تريد لبنان، تعطيها لبنان تريد البحرين، تعطيها البحرين تريد السعودية. لا فائدة من التنازل والتراجع. صحيح لا نريد الإسلام السياسي والتطرف لكن لا بأس بالأساس القومي والعروبة كما حدث في اليمن. إن الدفاع عن العراق لن يكون تدخلا خارجيا بل سيكون دفاعا عن السعودية نفسها.

كان يتم ذبح السنة في العراق فيلجأون إلى السلاح، ولعدم تدخل العرب يقعون فريسة التنظيمات الإرهابية المحظورة عالميا ومشاريع الإخوان وأردوغان ثم يتم هدم مدنهم بالطائرات. ينقم السنة على المملكة لعدم مساعدتهم وينقم الشيعة على المملكة لأنها تمثل السنة، ثم يتهم العالم السعودية ظلما بدعم الإرهاب. لهذا ثار الأمير الشاب محمد بن سلمان على سياسة الانتظار والتراجع ورأينا ذلك في اليمن وفِي التعامل مع بيت الفجور الإخواني قطر. الأفضل أن تقتحم المملكة الميدان وتدعم العرب والسنة علنا ضد إيران. عندها ستكسب بالحرب أكثر بكثير من السلام.

تعلمت السعودية التحرك بتنسيق إقليمي وعالمي وستقاتل كتحالف عربي من عدة دول وبموافقة أميركية دولية وستقود التحالف. ترقية الأمير محمد لا تعتبر خبرا جيّدا للإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية في المملكة فقط بل هي قيامة عربية بعد هذا الذل والهوان اللذين مررنا بهما. أول صاروخ عربي على الميليشيات سينهض معه الملايين من العرب. لوعة 14 عاما من الخذلان والهزيمة والعذاب ستنفجر مع أولى الطلعات الجوية العربية فوق المعتدين في اليمن وفِي كل مكان.

ما أتوقعه ليس مراقبة تمويل الإرهاب السني فقط، بل مراقبة شديدة لأموال بعض شيعة الخليج الذين يتبرّعون للميليشيات ومراجع إيران. هناك مشروع إخواني إيراني قد انكشف ولسوء طالعهم عليهم التعامل مع وزير الدفاع وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان.

كاتب عراقي

6