السعودية تغير تسلسل السلطة بدخول الجيل الثالث

الأحد 2015/01/25
جيل جديد يوازن بين المستجدات العصرية وخصوصيات المجتمع السعودي

الرياض – حاز تعيين الأمير محمد بن نايف وليا لولي العهد والأمير محمد بن سلمان، وزيرا للدفاع ومستشارا للعاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز، على اهتمام الخبراء وإشادة السعوديين، الذين بايعوا الملك سلمان بن عبدالعزيز وباركوا قراراته التي ضمنت انتقالا سلسا وهادئا للسلطة في المملكة العربية السعودية، وفي نفس الوقت تفتح أبواب المناصب الهامة وتمهد الطريق نحو العرش السعودي، أمام جيل جديد، متعلّم وواع وشاب، يجمع بين متغيرات العصر ومتمسّك بالحفاظ على الشخصية السعودية بكل تقاليدها وخصوصيتها.

يتوافد المواطنون في السعودية، منذ مساء الجمعة، على قصر الحكم في الرياض، لتقديم بيعة ثلاثية، لكلّ من الملك سلمان بن عبدالعزيز ملكا للبلاد، وأخيه الأمير مقرن وليّا للعهد، وابن أخيهما الأمير محمد بن نايف وليّا لوليّ العهد. وفي أعقاب وفاة العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبدالعزيز، أعلن الديوان الملكي، أول أمس الجمعة، مبايعته الأمير سلمان بن عبدالعزيز وليّ العهد، ملكا للبلاد، والأمير مقرن وليّا للعهد.

في وقت لاحق، من نفس اليوم، أصدر العاهل السعودي الجديد الملك سلمان بن عبدالعزيز أمرا ملكيا بتعيين وزير الداخلية الأمير محمد بن نايف وليّا لوليّ العهد، مع احتفاظه بمنصبه. وفي قرار ملكيّ آخر، لا يقلّ أهمية عن سابقه، عيّن العاهل السعودي نجله الأمير محمد بن سلمان وزيرا للدفاع، ورئيسا للديوان الملكي ومستشارا خاصا للملك.

أدهشت سرعة القرارات والتعيينات، التي اتخذها الملك سلمان، السعوديين الذين اعتادوا على تأخير يصل إلى شهور قبل شغل المناصب الكبرى عقب وفاة ملوكهم.

الأمير مقرن بن عبدالعزيز، ولي عهد السعودية

بينما اعتبرها المراقبون خطوات ذكيّة وواعية أدخلت تغييرا سلسا في تسلسل السلطة، وفتحت باب الحكم بهدوء للجيل الثاني والثالث؛ وبعثت برسالة طمأنة واضحة وبسيطة إلى مراكز القرار في العالم مفادها أن عائلة آل سعود أدرى بكيفية تسيير حكم المملكة العربية السعودية.

وقد عبرت عن ذلك الأميرة بسمة، ابنة العاهل السعودي الراحل الملك عبدالله، بتصريح لها قالت فيه إن: “انتقال السلطة في المملكة العربية السعودية ووصول الجيل الثالث للقيادة صدم الغوغائيين”؛ فيما باركت هيئة كبار العلماء السعودية ورحبت باستمرار سياسة المملكة العربية السعودية الداخلية والخارجية والمحافظة على ثوابتها الدينية.

وقد أكّد مراقبون أن هذه التعيينات ما كانت لتتم دون وجود قدر كبير من الوفاق داخل الأسرة الحاكمة، غير مستبعدين أن أصحاب الطموح للمنصب تنازلوا ليسهّلوا طريق الانتقال السلس للسلطة.

جاء تعيين وليّ العهد ووليّ وليّ العهد، الذي بقي في منصبه وزيرا للداخلية، بالإضافة إلى تسمية الأمير محمد بن سلمان وزيرا للدفاع، ليضع حدا للتكهنات بشأن مسار الخلافة الملكية وبشأن وجود انقسامات في الأسرة الحاكمة في السعودية، أكبر مصدّر للنفط في العالم، في وقت تواجه فيه المملكة تحديات داخلية وخارجية نتيجة تداعيات الاضطرابات في المنطقة.

وقال خبراء ومطّلعون على الشأن الداخلي السعودي إن هذه التحديات، والوقت الحسّاس الذي توفّي فيه الملك عبدالله، ساهما بشكل كبير في سرعة اتخاذ القرارات الملكية، التي بايعها السعوديون، مشيرين إلى أنه مثلما كان قرار تعيين الأمير مقرن بن عبدالعزيز، من قبل الملك عبدالله، في شهر مارس الماضي، قرارا سياديا لا يمكن فصله عمّا يجري في المنطقة اليوم، فإن تعيين الأمير محمد بن نايف وليّا لوليّ العهد، والأمير محمد بن سلمان وزيرا للدفاع، ومستشارا خاصا للملك لا يقلّ أهمية على مستوى الداخل وعلى مستوى الملفات الخارجية.

الأمير محمد بن نايف، ولي ولي العهد

التغييرات الأخيرة تكتسي أهميتها في أنها وضعت الجيل الثاني والجيل الثالث -لأول مرة- على عتبة السلطة؛ فالأمير محمد بن نايف أول من يتولى منصب وليّ لوليّ العهد من أحفاد الملك عبدالعزيز آل سعود، كما أن الأمير محمد بن سلمان أول حفيد من أحفاد الملك عبدالعزيز يتولى منصب وزير الدفاع منذ عام 1962. ويأتي هذا التعيين ليرسّخ رغبة العائلة الحاكمة في السعودية في تولي جيل جديد من الأمراء، من أحفاد الملك عبدالعزيز، المناصب المهمة في المملكة التي تأسست عام 1932.

أما الخبراء الاستراتيجيون والمحللون السعوديون، فإنهم ولئن أيّدوا هذا التفسير في جانب أول فإنهم ربطوا من جانب ثان، تعيين الأمير محمد بن نايف والأمير محمد بن سلمان بما يجري في الداخل السعودي الذي أصبح يتوق أكثر لإصلاحات لقيت معارضات من قبل رجال الدين المتشدّدين والنافذين، وكانت دوما ذريعة المنظمات الدولية لحقوق الإنسان. وأيضا ربط هؤلاء الخبراء، من جانب ثالث، هذين التعيينين بالذات، بأحداث المنطقة وما يجري في اليمن والخلافات مع واشنطن بشأن الملف السوري إلى جانب النووي الإيراني.

وبالنظر إلى السيرة الذاتية لكلّ من الأمير محمد بن نايف والأمير محمد بن سلمان، تستشفّ الفطنة والقصد في التعيين، فلكل واحد منهما ميزته وخصوصيته في منصبه؛ فإمساك مقتلع جذور الخلايا الإرهابية في السعودية وزير الداخلية ووليّ وليّ العهد محمد بن نايف بالملف الأمني بالغ الأهمية ومواقفه المتشدّدة من الجار الإيراني المستفزّ يجعل منه «مشروع ملك» ناجح مستقبلا، ويعطي الثقة في قدرة الجيل الجديد على تولّي المسؤوليات الاستراتيجية.

وبتولّي الأمير محمد بن نايف، الذي وصفته مجلة «فوربس» الأميركية بـ«العقل المفكر للمباحث السعودية»، يكون الانتقال إلى الجيل الثاني قد حسم، وقد رحّبت النخب الشابة في السعودية بهذا التعيين؛ وبالمثل قابلته القوى الغربية نظرا لدوره الجادّ في الحرب على الإرهاب وخبرته في التصدّي للمتشددين الإسلاميين؛ ووصوله إلى هذا المنصب يعنى أن الملك الحالي ووليّ عهده ووليّ وليّ عهده سيولون مهمة الأمن أولوية قصوى، خصوصا فيما يخص المخاطر التي تحيط بالمملكة من كل الجهات وأهمها خطر تنظيم الدولة الإسلامية الذي تشارك الرياض في الحرب الدولية ضده، بالإضافة إلى الوضع في اليمن ومخاطره على الداخل السعودي.

الأمير محمد بن سلمان، وزير الدفاع

بالمثل تولّى الأمير محمد بن سلمان وزارة الدفاع في فترة حساسة جدا على جميع المستويات سواء الاقتصادية أو السياسية وحتى الأمنية، في ظلّ ما يشهده قطاع النفط من تغيرات كبرى نزل معها سعر البرميل إلى أدنى مستوياته من جهة، وتنامي الخطر الإرهابي في المنطقة عموما، إلى جانب المحاولات الخارجية لتحريض الشيعة في السعودية ن جهة، ودفع المعارضة والمطالبين بإصلاحات، لا تتماشى وطبيعة المجتمع السعودي من جهة أخرى.

وينظر إلى الأمير محمد بن سلمان باعتباره جسر التقارب بين الشباب، الذين درس معهم في مدارس الرياض وجامعة الملك سعود، وبين مركز القرار السعودي وأيضا رجال الدين.

ويصف مقرّبون، أصغر وزير دفاع في السعودية، بأنه سياسي يعمل بروح شابة، يمتاز بحيوية ودقة وإنجاز، وعُرفت عنه الجدية التامة في أداء المهام وعزوفه عن الأضواء، وهو متعطش لتقديم الأفضل لوطنه.

والأمير محمد بن سلمان، رغم صغر سنّه، وانفتاحه على الخارج فإنه شخصية معروفة بالالتزام والصرامة، ويقدّم بذلك نموذج الشخصية السعودية المنفتحة لكنها في نفس الوقت تراعي ثقافة مجتمعها المحافظ؛ واختياره يعكس نظرة الملك سلمان الذي لم يكتف باختيار شخصيات من الجيل الثالث، بل إنه اختار الشباب منهم.

ورغم أن ولي العهد الأمير مقرن بن عبدالعزيز، يعتبر من الجيل الأول، ومتقدّم في السن نسبيا مقارنة بالأمير محمد بن نايف والأمير محمد بن سلمان، إلا أنه معروف عنه أنه ينتهج نوعا من الليبرالية في المسائل الاجتماعية. ويقول مقرّبون من القصر الملكي إنه كان يدير القصر بشكل جيد ويهتم بضمان سير العمل اليومي للحكومة مع المحافظة على توازن مراكز القوى المتباينة في العائلة المالكة ويحرص أن تكون في ارتباط وثيق بالنظام الأساسي للنظام الحاكم.

لا يحيد الأمراء الثلاثة، الأمير مقرن بن عبدالعزيز والأمير محمد بن نايف والأمير محمد بن سلمان، عن السياسة الحالية للأسرة الحاكمة وقيادتها، وهم يجمعون بين فهم متغيرات العصر ومعنى الحفاظ على القيم والأساسيات التي قامت عليها الدولة السعودية الحديثة، ما يجعلهم، وفق الخبراء رجال المرحلة السعودية الجديدة.

5