السعودية تنأى بمنابرها الدينية عن التوظيف السياسي

الجمعة 2014/01/03
الخطابة والإمامة رأسمال رمزي جامع لا يجب أن يزجّ بهما في أتون السياسة

السعودية ـ تعلو الأصوات في كل أنحاء العالم العربي والإسلامي، منادية بضرورة النأي بالمساجد عن الخصومات السياسية، وابتعاد الأئمة والخطباء عن الخوض في شؤون السياسة أو الانتصار لطرف دون غيره. الدعوة مشروعة أينما رفعت لكنها تتخذُ وجاهة أقوى في المملكة العربية السعودية، لما تمثله الأخيرة من أهمية بوصفها العاصمة الروحية والدينية للعالم العربي الإسلامي برمته.

في هذا الصدد تشهد المملكة منذ أعوام صراعا من أجل إعادة الاعتبار لقطاع المساجد والدعاة والخطباء، وإعادتهم إلى حيث يجبُ أن يكونوا؛ دعاة للإسلام دون غيره وحراسا لسماحته، لأنهم إن تصدوا للدفاع عن خط سياسي معيّن، أو تقدموا لترويج مقولات سياسوية بمسوغات دينية، فإنهم يلبسون الحق بالباطل ويعتدون على سماحة الدين ونقائه، ويوظفون مواقعهم ومنابرهم من أجل غايات في أنفسهم أو في نفس من ورائهم.

وفي هذا السياق تندرج التصريحات الأخيرة التي أدلى بها الشيخ صالح بن عبدالعزيز آل الشيخ وزير الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد السعودي، وكان مفادها أن وزارته ترصد «بشكل مستمرّ خطباء يتخذون المنابر لأمور سياسية» وأن «الوزارة رصدت متجاوزين بشكل مستمر وأكثرهم عن اجتهاد وحسن نيّة، ودائما يناصحون من خلال اللجان الشرعية من استجاب وعرف المنهج الشرعي والتزم به يستمرّ، أما الذي يقول «لا أنا مقتنع» نقول له رأيك له احترامه ويبقى اجتهادك لنفسك لا يصلح أن يكون على المنبر».

تصدّر منبر ما في مسجد معيّن، يفترضُ في الخطيب أو الإمام أن يكونَ متوجها إلى عامة المسلمين بخطاب موحّد جامع، لا أن يتوجه إليهم بخطاب تسويقي أو دعائي لفريق سياسي معيّن، لأنه إن فعل ذلك سيتحوّلُ رأسا إلى ناشط سياسي يفترضُ- أيضا- أن يكون مجال عمله ساحات العمل السياسي لا منابر في بيوت الله.

وهذا ما يحيلنا إلى تصريح الشيخ صالح بن عبدالعزيز آل الشيخ حيث أكد على أن «السياسة تخضع للكليات الشرعية وليست الكليات الشرعية تخضع للسياسة، مشيراً إلى أنه يجب على الخطيب أن يقول ما أمر به الله وما يحقق الفائدة للناس، وأن الخوض في الشأن السياسي لا تقره الوزارة لأن ذلك يخضع لاجتهادات الناس وما يخضع لاجتهادات الناس لا يجب أن يكون على المنابر، إنما ما يقال على المنبر يحمل القواعد الكلية المجمع عليها أو التي عليها أغلب أهل العلم».

للقضية بعدان متلازمان بعد متعلق بطبيعة الخطاب الديني الواجب توفره، وبعد ثان مرتبط بالدواعي السياسية للمسألة.

أما البعد الأول فإنه يطرحُ ارتباطا بسؤال قديم متجدد جوهره: أي خطاب ديني نريد خاصة في ظل المتغيرات المتسارعة التي قدمت مشهدا مركبا تداخلت فيه أبعاد السياسة بالدين، وظهرت على خلفيته مفاسد عظيمة أنتج أغلبها بمسوّغات دينية والدين منها براء.

يجب على الخطيب أن يقول ما أمر به الله وما يحقق الفائدة للناس، فالخوض في الشأن السياسي لا تقره الوزارة لأن ذلك يخضع لاجتهادات الناس وما يخضع لاجتهادات الناس لا يجب أن يكون على المنابر

نستحضر هنا المؤتمر الذي انعقد في المملكة العربية السعودية أيام 16 و17 سبتمبر 2013، وطرح قضية «الوحدة الوطنية.. ثوابت وقيم»، والذي دعا في خاتمة أشغاله إلى ضرورة ضبط الخطاب الديني وتفعيل دور الأئمة والخطباء والدعاة في طرح كل ما يخدم قضايا الوحدة الوطنية، وحذر من الفرقة والنزاع.

ولاشك أن المؤتمر أثناء انتباهه إلى ضرورة ضبط الخطاب الديني بوصفه دعامة من دعائم الوحدة كان يشير إلى بعض الأصوات الناشزة داخل المملكة أو خارجها والتي تجاسرت على تلويث منابر بيوت الله للدعوة لجماعة سياسية أو دعاو سياسوية معروفة بتلبيسها للحق بالباطل. فالمنبر- على حدّ تعبير الشيخ صالح بن عبدالعزيز آل الشيخ «لابد أن يبعد على كل ما يثير الفرقة والاختلاف والأحقاد ومن ذلك الأمور التي تتعلق بالسياسية كونها خاضعة لاجتهادات» والخطيب «يجب أن لا يكون مسيساً ينصر هذا أو يضاد هذا، لكن يجب أن ينصر ويؤيد ويبث ما أمر به الله جل وعلا».

ولتوضيح الحدود بين السياسة والدين أشار صالح بن عبدالعزيز آل الشيخ إلى أن «السياسة تخضع للكليات الشرعية وليست الكليات الشرعية هي التي تخضع للسياسة» وهو توضيح أسلفنا إيراده، لكنه يرسم بدقة حدود ومجال العمل السياسي وضرورة أن يلتزم بضوابط محددة، لا علاقة لها بالقيم الدينية.

هذا يصل بنا إلى البعد الثاني للقضية وهو البعد السياسي الذي يطرحُ في غير موقع عربي وإسلامي خاصة في ظل استتباعات الربيع العربي الذي أنتج صعودا إسلامويا لافتا وهو ما سمح للتيارات الإسلامية بأن تتصوّر أنها قيّمة على الدين أو محتكرة له، وهو ما جعلها لاحقا لا ترى ضيرا في توظيف المساجد والمنابر في المعارك السياسية، حيث رأينا وسمعنا خطبا دينية تحثّ على التصويت لجماعة الإخوان مثلا أو تدعو للموافقة على مشروع للدستور وغير ذلك من أمثلة الزجّ بالدين في العمل السياسي، هنا نشير إلى أن استغلال المنابر والمساجد في الدعاية السياسية ظاهرة لا تقتصر على المملكة السعودية، بل تطال أغلب الدول العربية أو كل الدول التي وصلتها آلة الدعاية الإخوانية الضالعة دائما في هذا الشأن، لكن منسوب مقاومة الظاهرة والتصدّي لها يتفاوت من قطرإلى آخر، حسب درجة قرب النظام السياسي القائم من الإسلام السياسي في مذاقه الإخواني، فلا نتصوّر مثلا أن تقاوم حركة إسلامية وصلت إلى الحكم هنا أو هناك هذه الظاهرة لأنها لاشك مستفيدة منها.

لكن مقاومة توظيف المساجد والمنابر تتخذ لها أهمية مزدوجة في المملكة السعودية- أرض الحرمين- أولا لأن الدعاوى السياسوية المتسربة إلى المساجد تهدد السلم الأهلي فيها وفي غيرها من أقطار الخليج التي أقامت مصدّا قويا للرياح الإخوانية العاتية متعددة المصادر، وثانيا لأن المملكة تحرص- كدأبها- على تقديم خطاب إسلامي معتدل ومتسامح وجامع وموحّد للضمير الجمعي الإسلامي. لكل ذلك نفهم الحرص السعودي على إبقاء بيوت الله في مدارها الطبيعي، والنأي بالمنابر عن التوظيف السياسوي، والحيلولة دون هياج دعاة استغلوا مواقعهم الدينية واستثمروا الموقع الأثير الذي يحظى به المنبر لدى كل الناس بأن بطّنوا داخله مقولاتهم السياسية الدفينة.

نخلصُ إلى القول بأن للسياسة مجالها وفضاءاتها، وللدين قداسته واحترامه ولا يجب خلط الفضائين، فالبون شاسع بين الرأي السياسي والقيم الدينية، فالرأي له احترامه لكنه يظل اجتهادا و«لا يصلح أن يكون على المنبر».

13