السعودية تنظم إيقاع التحالف في المنطقة لمواجهة إيران والإرهاب

يظهر إيقاع الدبلوماسية السعودية في الأيام الأخيرة منتظما وفق منهج واضح الأهداف في ما يتعلق بأمن منطقة الشرق الأوسط والمجال العربي بشكل عام. فبالتوازي مع زيارة الملك سلمان بن عبدالعزيز لمصر وتركيا والتي بعثت برسائل عديدة للقوى الإقليمية والدولية، تأتي زيارة ولي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان للأردن والإمارات ليكون المشهد متناسقا وفق محور يكون قادرا على حماية المجال الإقليمي من التهديدات الإيرانية ومواصلة المعركة ضد الإرهاب، وكذلك تحسين الظروف في ما يخص الملف الفلسطيني.
الأربعاء 2016/04/13
الملك عبدالله الثاني والأمير محمد بن سلمان من العقبة: المجال العربي سيكون أكثر قوة وتنسيقا

عمان - بالتزامن مع زيارة العاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز لمصر -ومنها سافر إلى تركيا-، زار ولي ولي العهد وزير الدفاع السعودي الأمير محمد بن سلمان الأردن، وبعدها توجّه إلى أبوظبي، في إطار تعزيز التعاون العسكري والاقتصادي مع محور البلدان الثلاثة "مصر، الأردن، الإمارات".

ولئن كانت زيارة الأمير محمد بن سلمان إلى الأردن سريعة، إلا أنها حملت دلالات أعمق من توقيع الاتفاقات التي تم الإعلان عنها في البيان المشترك بين الجانبين.

مكّن موقع المملكة الأردنية الاستراتيجي الأردنيين من أن يكونوا طرفا رئيسيا في محاور عديدة ضمن السياسة العربية الموحّدة التي بدأت خطوطها العريضة في البروز بوضوح، والتي ترتكز أساسا على مقاومة الإرهاب، بكل أنواعه، من جهة والوصول إلى حلول عملية وجدية للقضية الفلسطينية، وحماية المجال العربي من محاولات القوى الإقليمية التغلغل داخل نسيجه، خاصة الطرف الإيراني من جهة أخرى.

نشاط دبلوماسي مكثف

يؤكد مراقبون أن سلسلة الزيارات التي يقوم بها كبار المسؤولين السعوديين في الفترة الأخيرة، تعكس نشاطا دبلوماسيا سعوديا مكثفا من أجل إعادة توازن القوة في منطقة الشرق الأوسط التي أصبحت منذ غزو العراق مجالا لقوى إقليمية ودولية أخرى لاستغلالها، في ظل غياب القوة العربية ذاتها.

وتعد زيارة الأمير محمد بن سلمان للأردن حسب مراقبين ضمن ذلك النشاط الذي يهدف إلى تأمين المجال العربي بشكل يضمن سلامة واستقرار المنطقة، وهو ما أكّد عليه أيضا الأمير محمد أثناء الزيارة.

ولعل البيان المشترك بين الجانب الأردني والجانب السعودي الصادر في ختام الزيارة يؤكد تطابق وجهات النظر بين الطرفين حول جوهرية استقرار منطقة الشرق الأوسط عبر “أهمية تعزيز التشاور السياسي بين البلدين تجاه القضايا والأزمات الإقليمية، والأخذ بخيار الحل السياسي لها، والمحافظة على وحدة أراضي دول المنطقة وسيادتها واستقرارها، ورفض التدخل في شؤونها الداخلية”.

سلسلة زيارات السعوديين تعكس نشاطا دبلوماسيا مكثفا من أجل إعادة توازن القوة في المنطقة

هذه الزيارة تكتسب أهميتها، في بعدها الزمني بتقابلها مع زيارة الملك سلمان بن عبدالعزيز لمصر وتركيا، وفي بعدها الاستراتيجي من الدور الجيوسياسي للأردن الذي يعد نقطة ارتكاز مهمة لكل التحركات التي يبدو أنها أصبحت معدلة وفق العنوان الشامل “المصلحة العربية الكبرى”، بعد أن بعثت زيارة الملك سلمان لمصر بالرسائل اللازمة لكل الأطراف الإقليمية والدولية بأن المجال العربي سوف يكون أكثر قوة وتنسيقا، فموقع الأردن القريب من كل الأحداث الإقليمية يؤهل البلد لأن يكون رمانة الميزان التي تضبط إيقاع التطورات من حولها.

وتعكس زيارة ولي ولي العهد السعودي رغبة واضحة في أن تكون المملكة الأردنية طرفا في الترتيبات التي تشمل البحر الأحمر، كما أنّها إشارة إلى أنّ للأردن دورا لا يمكن تجاهله على صعيد الأمن الخليجي، خصوصا أن هناك اتفاقات في هذا المجال بين دول مجلس التعاون وكل من الأردن والمغرب.

كما أن الزيارة، والتي سبقتها زيارة أخرى للأمير محمد بن سلمان في أغسطس 2015، إلى الأردن وأيضا مصر، فتحت موضوع مساعدة الأردن في تجاوز الصعوبات الاقتصادية التي يعاني منها، خصوصا في ظل خفض قيمة المساعدات التي كانت يحصل عليها في الماضي من دول مجلس التعاون.

وفي كل الأحوال، لا يمكن تجاوز دور الأردن في مقاومة الإرهاب على عدة جبهات، خاصة الجبهة العراقية والجبهة السورية. وقد عبرت تصريحات رئيس أركان الجيش الأردني الفريق الأول محمد الزبن أثناء زيارته السابقة للعراق عن حرص العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني على مساعدة الجيش العراقي في حربه ضد تنظيم الدولة الإسلامية، هذا ويعتبر الدور الأردني محوريا في الحملة العسكرية العربية والدولية ضد تنظيم داعش في سوريا.

في المقابل، يضيف انسجام الموقف الأردني في مكافحة الإرهاب مع الموقف العربي والأوروبي والأميركي أعباء جديدة على القطاع الأمني والدفاعي في البلاد، حيث وضع المؤسسة الأمنية والدفاعية في حالة مواجهة مع الإرهاب الذي تطور ونما في منطقة الشرق الأوسط عقب حروب الخليج وغزو كل من أفغانستان والعراق، والذي عاد إلى المنطقة بفاعلية جديدة بعد الربيع العربي، وهو ما يعكس حرص السعودية على الدعم الاقتصادي والعسكري للأردن ليواصل القيام بدوره بالكفاءة ذاتها، وفي هذا الإطار تأتي الاتفاقات الأخيرة التي تتعلق بالطاقة والنقل والتعدين، فضلا عن تعزيز التبادل التجاري بين البلدين والاستثمارات المشتركة عبر إنشاء صندوق استثماري مشترك.

ويحوز الأردن على دور محوري في التنسيق الإقليمي ضد المجموعات المتشددة وخاصة داعش والقاعدة، ودارت لقاءات ومشاورات خلال السنتين الماضيتين بين السعودية والأردن من أجل توحيد الصف ضد التطرف والتعاون لحماية حدود البلدين خاصة أنهما يواجهان نفس العدو.

زيارة ولي ولي العهد السعودي تعكس رغبة واضحة في أن يكون الأردن طرفا في الترتيبات التي تشمل البحر الأحمر

وفي الملف السوري أيضا، تمتلك عمّان مفاتيح التأثير، سواء من ناحية تسهيل العلاقة مع المعارضة ومع العشائر السنية، أو من ناحية خنق المجموعات المتطرفة التي تسللت إلى سوريا.

التفاوض مع الإسرائيليين

في سياق المحاور التي يمكن للأردن أن يلعب دورا هاما فيها، فإن تاريخ علاقة المملكة الاردنية بالقضية الفلسطينية وكونها طرفا مهما في كل العمليات السياسية التي تحدث، مكنها من أن تكون في مقدمة الدول العربية التي تستطيع إدارة أي خلاف قد يؤدي إلى تقويض عملية السلام في الشرق الأوسط. إذ لم تخف الصحف الإسرائيلية، مؤخرا، انزعاج الإسرائيليين من التقارب المصري السعودي غير المسبوق، خاصة في ما يتعلق بإعادة ترسيم الحدود بين البلدين وإعادة جزيرتي صنافير وتيران للسعودية. وبذلك فإن قدرة الأردنيين على البعث برسائل طمأنة للجانبين الإسرائيلي والفلسطيني في ما يخص مواصلة التفاوض والبحث عن حلول سلمية للجانبين خارج أي تطورات تخص الدول العربية في ما بينها تعد مهمة أكيدة يتقنها الأردنيون بشكل جيد لوجود قنوات التواصل بين كل الأطراف.

ولم يخل البيان الختامي لزيارة الأمير محمد بن سلمان للأردن ولقائه بالعاهل الأردني الملك عبدالله الثاني من طرح مشكلة التهديدات الإيرانية للأمن العربي عبر محاولاتها التغلغل في المجتمعات والأنسجة السياسية العربية. فقد ورد في البيان تأكيد الجانبين على “رفضهما لسياسة التدخل التي تنتهجها إيران في المنطقة، والتي تشعل الفتن الطائفية وتنمي الإرهاب، وحذرا إيران من استمرار نهجها الحالي الذي يعمق النزاعات والصراعات في المنطقة”.

العقيدة، التي بني عليها الأردن بكل مؤسساته، تجعل من البلد جدار صد منيعا ضد أي محاولات إيرانية للاختراق، إذ يجب الوقوف مرارا عند خطابات العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني، خاصة المتعلقة بالأمن العربي، وفيها كانت لهجته واضحة إزاء دور الأردن في الأمن العربي، حيث يردّد أن “أمن الأردن جزء من أمن أشقائه العرب، وسيظل الجيش العربي ورفاقه في الأجهزة الأمنية كما كان على الدوام، مستعدا للتصدي لكل ما يمكن أن يهدد أمنه الوطني أو أمن أشقائه في الجوار. فالأمن العربي كل لا يتجزأ”.

وهذه العبارة الأخيرة باتت تتكرّر على لسان رؤساء دول كثر، من بينهم الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي الذي أكّد بدوره في أكثر من مناسبة أن “أمن مصر من أمن الخليج”، ونفس العقيدة تسير عليها جهود دول الخليج العربي، بقيادة السعودية، من أجل إعادة توازن القوة في الشرق الأوسط بعد أن كانت نتائج الاتفاق النووي الإيراني مع الغرب على حساب أمن المنطقة عند عدم تضمين بند في الاتفاق ينص على عدم مس إيران من أمن المنطقة.

7