السعودية تواجه تحديات شاقة في تنفيذ اصلاحات اقتصادية مؤلمة

الأربعاء 2014/02/05
إصلاح سوق العمل أزال الكثير من الترهل من جسد الاقتصاد السعودي

لندن – تواجه السلطات السعودية تحديات كبيرة في السنوات المقبلة، لتوسيع الفرص الاقتصادية لسكان البلاد الذين يصل عددهم الى 28 مليون نسمة، نصفهم تحت سن 25 عاما، وبينهم أكثر من 8 ملايين من المقيمين الأجانب.

لكن الاصلاحات المطلوبة لإرساء الاقتصاد على أسس متينة، تتطلّب ايقاف ثقافة المنح المالية والدعم السخي التي دأبت عليها العائلة المالكة لضمان ولاء السكان.

ولجأت السلطات بالتزامن مع تفجر أحداث الربيع العربي في عام 2011 الى رفع أجور العاملين في الوظائف الحكومية، وخصصت 130 مليار دولار للإنفاق، في مسعى لإرضاء الرأي العام.

ونتيجة كل ذلك اتسعت فقاعة الانفاق الحكومي، وارتفع السعر المطلوب لبرميل النفط من أجل تمويل الانفاق الى 85 دولارا للبرميل. ويمكن أن يؤدي أي انخفاض كبير في الأسعار الى تحديات اقتصادية كبيرة.

وفي وقت ارتفعت فيه البطالة الى نحو 30 بالمئة بين الشباب، تراجع المعدل العام للبطالة في العام الماضي الى 11.7 بالمئة، مقارنة بنحو 12.2 بالمئة في عام 2012. لكن محللين يقدرون نسبة غير العاملين، ممن هم في سن العمل بنحو 40 بالمئة، جانب كبير منهم لا يرغب بالعمل ولا يحتاج اليه.

24 بالمئة من الانتاج النفطي السعودي يلتهمه الاستهلاك المرتفع للكهرباء والوقود، الذي يعد من أعلى معدلات الاستهلاك في العالم

واستأثر القطاع الحكومي بنسبة 41 بالمئة من الوظائف الجديدة منذ عام 2011. وبلغت نسبة النمو في القطاع الخاص غير النفطي نحو 5.5 بالمئة، وهي تقل عن نسبة 6.5 بالمئة المطلوبة لخلق ما يكفي من فرص العمل.

وتحاول الحكومة زيادة مشاركة السعوديين في وظائف القطاع الخاص، بعد سنوات طويلة كانت فيها ثلاثة أرباع الوظائف تذهب للعمالة الأجنبية.

وبحسب تصريحات لوزير العمل عادل فقيه في منتدى التنافسية العالمي الذي عقد في الرياض الشهر الماضي، فإن عدد العاملين السعوديين في القطاع الخاص تضاعف الى 1.5 مليون شخص خلال ثلاثين شهرا.

ويشكك المحللون في أن تكون الزيادة قد حدثت بتلك الوتيرة العالية، لكنهم يقولون إن زيادة توظيف السعوديين في القطاع الخاص يمكن ملاحظتها، ويقدرون ارتفاعها الى نحو 16 بالمئة في العام الماضي، من نحو 11 بالمئة في عام 2011.

وقادت الحكومة في الآونة الأخيرة ثورة لإصلاح سوق العمل وتنظيف الاقتصاد من العمالة السائبة وغير القانونية، إضافة الى فرض رسوم بقيمة 640 دولار على تشغيل كل عامل أجنبي يزيد على نصف العاملين في شركات القطاع الخاص.

وتخطط وزارة العمل لرفع الحد الأدنى لأجور السعوديين بنحو الثلث، ومكافأة الشركات التي ترفع أجورهم.

وأدت حملة واسعة لتصحيح أوضاع العمالة الأجنبية الى مغادرة نحو مليون عامل أجنبي، وتنظيم سجلات 3 ملايين عامل آخر.

سفاكياناكيس: القطاع الخاص لا يمكنه توقع استمرار المنافع التي تعود عليها طوال 45 عام

ويشكو القطاع الخاص من الأعباء المالية الاضافية على الشركات بسبب القوانين الجديدة، لكن محللين يقولون إن التأثيرات السلبية مؤقتة، وأن الاقتصاد سيتمكن من استيعابها على المدى البعيد.

ولا يزال قطاع البناء هو الأكبر في المنطقة، حيث حصل الى صفقات جديدة بقيمة 61 مليار دولار في العام الماضي. كما سجلت سوق الأسهم ارتفاعا بلغ نحو 80 بالمئة خلال السنوات الخمس الماضية.

لكن قوانين العمل الجديدة جعلت الكثير من مواقع البناء خالية من العمال، وعطلت الكثير من خطط التوسع وفتح فروع جديدة لشركات مبيعات التجزئة، بسبب عدم اكتمال المباني الجديدة.

ويقول مصرفيون إن إصلاح سوق العمل أدى لتأخير جديد في موعد اكتمال مشروع مدينة الملك عبدالله المالية الى وقت لاحق من العام الحالي بسبب قلة الأيدي العاملة.

وتشكو الشركات أيضا من بطء إصلاحات قطاع التعليم، وأن العمال السعوديين تنقصهم المهارات التي يحتاجها القطاع الخاص. كما أنهم يعتقدون أن من حقهم رفض تأدية بعض الوظائف التي يرون أنها لا تتناسب مع مكانتهم الاجتماعية.

ويقول جون سفاكياناكيس المحلل في مؤسسة ماسك لإدارة الأصول، إنه “في البداية ستكون هناك معوقات بوجه الانتاجية، لكن لا بد أن تبدأ من نقطة ما… القطاع الخاص لا يمكنه أن يتوقع استمرار المنافع التي تعود عليها طوال 45 عاما، وهي الوقود والعمالة الرخيصة ومنح الاراضي وعدم دفع ضرائب… لن يستمر الوضع كما كان عليه في الماضي”.

إرساء الاقتصاد على أسس متينة، يتطلب ايقاف ثقافة المنح المالية والدعم السخي التي دأبت عليها العائلة المالكة لضمان ولاء السكان

وبحسب صحيفة فايننشال تايمز فإن الحكومة السعودية بدأت أخيرا السيطرة على سوق العمل، لكنها بحاجة لإصلاحات أخرى بينها خفض الدعم الحكومي الباذخ، والذي قد يكون تطبيقه أكثر صعوبة.

ويسهم الدعم الحكومي في زيادة استهلاك الكهرباء والوقود، الذي يلتهم نحو 24 بالمئة من الانتاج النفطي في السعودية. وقد يؤدي استمرار هذه الوتيرة الى تحول البلاد الى مستورد للنفط بحلول عام 2027.

وفي وقت يقول فيه محللون إن الرياض ستكون مجبرة على خفض الدعم الحكومي، يعتقد دبلوماسيون أن العائلة المالكة لن تجرؤ على خطوات كبيرة في هذا الاتجاه، لأنها يمكن أن تثير انقسامات كبيرة في شعب تعود على الوقود الرخيص وأجهزة التبريد.

ويقول محللون أن حكام السعودية من أبناء الملك عبدالعزيز قد يترددون في إجراء إصلاحات قاسية، وأن الأجيال اللاحقة، التي يمكن أن تصل الى الحكم في السنوات المقبلة، ستكون أكثر قدرة على تطبيق الاصلاحات المطلوبة.

ويقول مراقب غربي إن “الوقت ينفد أمام ضرورة إجراء بعض الاصلاحات المؤلمة… هناك حدود لحجم الأموال التي يمكن تنثرها على المشاكل لتهدئتها”.

11