السعودية تواجه خطر الشح المائي

تأتي السعودية في المرتبة التاسعة على قائمة دول العالم المعرّضة للفقر المائي خلال الـ25 سنة القادمة؛ لكن المشاريع والأفكار المطروحة ضمن “رؤية السعودية 2030" تؤكد أن هناك خططا لتجاوز هذه الأزمة، سواء عن طريق ترشيد الاستهلاك أو عن طريق الاستثمار في مجال المياه.
الجمعة 2017/01/13
ترشيد الاستهلاك

الرياض- على الرغم من أن دول الخليج العربي تقع في قلب الصحراء مباشرة، إلا أنها تضم متنزهات عامة ونوافير وحدائق خضراء زاهية؛ ولكن، وكما تقول الصحافية في شبكة الأنباء الإنسانية لو ديل بيلو، “ليس كل ما يلمع ذهبا، إذ تلوح في الأفق أزمة مياه في دول مثل المملكة العربية السعودية”. ومع أن التكنولوجيا يمكن أن تخفف من أزمة نقص المياه وندرتها، بالإضافة إلى المشاريع المطروحة في سياق الأهداف الطموحة والضخمة لرؤية 2030، التي ستشكل الوجه الجديد للسعودية في عصر ما بعد الاعتماد التام على النفط، إلا أن الاستمرار بنفس نسق الاستهلاك وغياب ثقافة الترشيد يظلان التحدي الأكبر.

وجاء في “رؤية السعودية 2030" أنه سيتم العمل على مقاومة ظاهرة التصحّر والاستثمار الأمثل للثورة المائية عبر الترشيد واستخدام المياه المعالجة والمتجددّة، وذلك من خلال مشروعات تموّلها الصناديق الحكومية والقطاع الخاص. وأكّدت هذه الرؤية أنه سيتم ترشيد استخدام المياه في المجال الزراعي، بما يقلل من قيمة التحذيرات التي أطلقها تقرير صدر منذ أيام قليلة عن مركز ستراتفور الأميركي للأبحاث بشأن أزمة المياه التي تلوح في الأفق بالسعودية؛ إلا أنه في نفس الوقت أشاد برؤية السعودية 2030 كونها لم تغفل هذا التحدي الذي قد يكون سبابا في تعطيل تنفيذها.

إفراط في الاستهلاك

للتجاوب مع ارتفاع الاستهلاك للمياه، تسعى الرياض إلى توسيع عمليات تحليل المياه الموجودة، إضافة إلى إنشاء وبعث مشاريع جديدة

الإفراط المتواصل في استخدام المياه وتصاعد الضغوط الديموغرافية والاقتصادية خلال العقود القادمة، يضعان إمدادات المياه في السعودية على حافة الانهيار، حيث تدفع المياه السطحية المحدودة في معظم أنحاء البلاد وتزايد عدد السكان السعوديين إلى الاعتماد على المياه الجوفية. وبالكاد تكفي المدخرات المائية الراهنة لتوفير 76 مترا مكعبا لكل سعودي في السنة، وهذا معدل بعيد عن المعدل المقبول عالميا، والذي يقدر بحوالي 500 متر مكعب لكل فرد سنويا، وهو مؤشّر يكشف بدوره عن شح المياه في السعودية. وحتى مع وجود أكبر محطة لتحلية مياه البحر في العالم، فإن الاستهلاك السعودي لا يزال يتجاوز بكثير مقدراتها الطبيعية من المياه المتجددة.

وتعدّ السياسات الزراعية التي اتّبعتها المملكة خلال الخمسين عاما الأخيرة سببا رئيسيا إلى حد كبير في ما آل إليه الوضع. وتظهر الإحصائيات بوضوح مدى هيمنة الزراعة على استخدام المياه السعودية بشكل عام. ففي السبعينات والثمانينات من القرن الماضي أصبحت السعودية السادسة عالميا في تصدير القمح. لا يزال قطاع الزراعة حتّى الآن أكبر مستهلك للمياه في البلاد، مع أنّ الاستهلاك المحلي والصناعي للمياه في تزايد أيضا. وارتفع الطلب على المياه الصناعية بمعدل 7.5 بالمئة في السنة خلال السنوات الأخيرة. ومن المتوقّع أن يستمر الطلب في التزايد بمعدلات أكبر، ليصل إلى 50 بالمئة خلال 15 عاما.

ومع سعي الرياض لتنويع اقتصادها بعيدا عن الاعتماد على النفط والغاز الطبيعي (وهو الأمر الذي من المتوقّع أن يتطلّب معدلات أكبر من المياه)، ستستمر هذه الأرقام فقط في النمو، وخاصة لجهة أن النمو الصناعي والصناعات التحويلية تمثل جزءا أساسيا من رؤية 2030. وسيكون من الضروري تنمية نسب تحلية المياه لتلبية هذه الاحتياجات. وذكر مسؤولون سعوديون أن المملكة قد تحتاج إلى استثمار زهاء 53 مليار دولار في قطاع المياه، بدعم من صناديق خاصة، لتلبية الطلب المتزايد، وذلك في خضم سعيها لتنويع مصادر دخلها الاقتصادي في ظل تراجع أسعار النفط. وقال محافظ إدارة المؤسسة العامة لتحلية المياه المالحة علي الحازمي، إن “المصانع المستقبلية سيتم طرحها من خلال مناقصات للقطاع الخاص”.

تحلية المياه

على الرغم من أن السلطات تدرك هذه المشكلة، إلا أن الرأي العام لم يقبل العديد من التغييرات المتعلقة بفواتير الماء

للتجاوب مع ارتفاع الاستهلاك للمياه، تسعى الرياض إلى توسيع عمليات تحليل المياه الموجودة، إضافة إلى إنشاء وبعث مشاريع جديدة. ولمواكبة الطلب في المناطق الحضرية، تقدر الاستثمارات المطلوبة من الحكومة بقيمة 30 مليار دولار خلال الـ15 عاما القادمة. وفي حال تمكنت من إنجاز كل هذه المشاريع، كما هو مأمول، فإن ذلك سيضيف حوالي 3 مليارات متر مكعب من إنتاج الماء يوميا للقدرات الإنتاجية في السعودية، وفق مركز ستراتفور.

ويمكن للوقود اللازم لتشغيل المصانع لإنتاج هذه المياه أن يرفع الطلب المحلي على النفط. وفيما يرى خبراء ستراتفور أن هذا قد يشكل خطرا على قدرات الرياض على تصدير منتجاتها النفطية، توضح رؤية السعودية 2030 عكس ذلك، حيث تطرح أفكارا ومشاريع تعتمد على الطاقة البديلة، من ذلك إطلاق أكبر مشروع يعتمد على الطاقة الشمسية لتحلية مياه البحر في العالم، وهو الآن قيد الإنشاء.

لكن، على الرغم من كل هذه الجهود، فإن عمليات تحلية المياه لن تكون كافية لملء الفجوة بين الطلب المتزايد وبين الموارد الطبيعية المتاحة من المياه المتجددة. ولحماية مواردها المائية التي بدأت في النضوب، سيتوجب على السعودية الاستثمار في قطاع المياه من أجل خفض الكميات المهدورة، وخفض معدلات استهلاك قطاعي الزراعة والصناعة وإنهاء التشجيعات الحكومية التي تساهم في إهدار المياه دون أي فائدة حقيقية.

ويشجّع الدعم الحكومي لأسعار المياه على تبذيرها، حيث أن المواطن السعودي يعد من أكبر مستهلكي الماء في العالم. وعلى الرغم من أن السلطات تدرك هذه المشكلة، إلا أن الرأي العام لم يقبل العديد من التغييرات المتعلقة بفواتير الماء. وعلى سبيل المثال، فإن خفض الدعم الحكومي على قطاع المياه، الذي جاء ضمن حزمة من الإجراءات التقشفية في السنة الماضية، سبب حالة من الاستياء الشعبي انتهت بإقالة وزير المياه والكهرباء في أبريل 2016.

ومع استمرار هذه العقلية، فإن أي تعديلات على هذا القطاع سوف تكون في غاية الصعوبة، وحتى الجهود المبذولة لترشيد الاستهلاك المنزلي للماء من خلال الحملات التوعوية، على الرغم من أنها كانت ناجحة في العديد من دول مجلس التعاون الخليجي، فإنه من المرجح ألا يكون لها أي أثر كبير في السعودية.

7