السعودية حازمة مع كل من يتدخل في شؤونها

الشركات الألمانية تستشعر تداعيات توتر مكتوم بين برلين والرياض.
الجمعة 2018/08/24
لا مجال للصمت أمام أي تدخل في الشأن السعودي

قدمت الأزمة بين أتاوا والرياض، وموقف السعودية الصارم منها، صورة مختلفة عن المملكة الخليجية وتوجهاتها الجديدة في السياسة الخارجية التي تقوم على مبدأ العين بالعين ومعاقبة من يتدخل في الشؤون السعودية الداخلية دون تمعن أو بحث يتوافق مع الأعراف الدبلوماسية. وبدا واضحا هذا التوجه مع تطورات أزمة كامنة بين السعودية وبرلين وخرجت إلى العلن متأثرة بالأزمة السعودية الكندية؛ وفي كلا المشهدين تبدو السعودية مختلفة عن تلك التي عرفها الغرب خصوصا بعد 11 سبتمبر 2001 وامتهن ابتزازها بعناوين حقوق الإنسان الفضفاضة.

برلين - في حين سيطر التوتر بين السعودية وكندا على عناوين الأخبار في الأسابيع الأخيرة، كانت ألمانيا منخرطة في أزمة مكتومة مع المملكة الخليجية، وتتطلع بقلق إلى مدى جدية المواقف التي اتخذتها السعودية تجاه كندا. عكس هذا القلق تصريح ليوهان فادبول، عضو البرلمان البارز من حزب ميركل الاتحاد الديمقراطي المسيحي، وصف فيه الخلاف مع السعودية بأنه “ضار جدا”.

وقال في تصريحات صحافية “هل ينبغي أن يكون هناك تضامن مع كندا؟ نعم. لكن لا أعتقد أنه ينبغي أن يكون محور السياسة الخارجية الألمانية في المنطقة”.

وأضاف فادبول “التركيز ينبغي أن ينصب على تحسين العلاقات مع السعودية. لسوء الحظ، لم نحقق هذا حتى الآن”. 

وبدأت ملامح الأزمة تخرج إلى العلن حين بدأت الصناعات الدوائية الألمانية تستشعر الآثار المترتبة على رد الفعل السعودي، إذ حذرت من أن القيود القائمة عليها تنال من فرص الاستثمار في المملكة في المستقبل.

ويقول مسؤولون ألمان إن شركات مثل سيمنس هيلثينيرز وباير وبوهرنجر إنجلهايم أصبحت مستبعدة من مناقصات الرعاية الصحية العامة في السعودية.

والسعودية أكبر سوق أدوية في الشرق الأوسط وأفريقيا بمبيعات بلغت 7.6 مليار دولار العام الماضي وفقا لشركة معلومات الرعاية الصحية إكفيا.

وفي ظل العبء المتزايد لأمراض مزمنة ترتبط بتنامي نمط الحياة الغربية، فإن سوق العقاقير السعودية تنمو عشرة بالمئة سنويا، في حين ينمو قطاع مناقصات التوريد حوالي 30 بالمئة.

وتخلو قائمة أكبر عشرة موردي أدوية إلى المملكة من باير وبوهرنجر. وتراجعت الصادرات الألمانية إلى السعودية خمسة بالمئة في النصف الأول من 2018. وبلغ مجموعها 6.6 مليار يورو في 2017 منها ما يقدر بحوالي 15 بالمئة من قطاع الرعاية الصحية.

مساعدة أميركية

ريك نواك: السعودية أصبحت أقل ترددا من مواجهة الانتقادات
ريك نواك: السعودية أصبحت أقل ترددا من مواجهة الانتقادات

أقرت سيمنس هيلثينيرز التي تنتج أجهزة الأشعة السينية والرنين المغناطيسي فضلا عن أدوات التشخيص بأن نشاطها في السعودية تأثر، حتى أنها لجأت إلى السلطات الأميركية طلبا للمساعدة في إنهاء الأزمة.

وتوظف الشركة حوالي 13 ألف شخص في الولايات المتحدة أي أكثر من ربع قوتها العالمية وقد تقنع السلطات الأميركية بأن عملياتها ووظائفها هناك ستتأثر سلبا ما لم تُرفع القيود السعودية. وقد تلجأ الشركة أيضا إلى تعديل مسارات التوريد لشحن المزيد من المنتجات من الولايات المتحدة بدلا من ألمانيا.

وتفاقمت المعضلة بالنسبة لبرلين بفعل النزاع السعودي الكندي الذي أوقدت شرارته تغريدة من وزيرة الخارجية الكندية دعت فيها إلى إطلاق سراح نشطاء حقوق إنسان.

وردت الرياض بطرد السفير الكندي واستدعاء سفيرها هناك وتجميد التجارة والاستثمارات الجديدة وتعليق الرحلات الجوية. وأدان بعض الساسة الألمان رد الفعل السعودي، لكن الحكومة التزمت الصمت بشكل واضح تخوفا من إجهاض جهودها التصالحية.

وبالحديث عن التوتر مع ألمانيا، يبدو واضحا المسار التصاعدي الذي انتهجته الرياض في ردها، حيث وجهت في البداية انتقادات للحكومة الألمانية، ثم قامت باستدعاء سفيرها بالعاصمة الألمانية، فضلا عن إلغاء اجتماع رفيع كان مقررا بين مسؤولين سعوديين مع مسؤولين بوزارة الخارجية الألمانية وصولا إلى “العقوبات الاقتصادية“.

وتأتي هذه القرارات كرد على سلسلة من الانتقادات والتخبط في السياسات الألمانية تجاه العلاقة مع السعودية، ففي القوت الذي انتهجت فيه المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل خطابا هادئا مع الرياض، كان وزير الخارجية الألمانية السابق زيغمار غابرييل يوجه الانتقاد خاصة في ما يتعلق بالأزمة مع قطر وعاصفة الحزم.

وفي نوفمبر الماضي شجب وزير خارجية ألمانيا آنذاك، زيغمار غابرييل، ما قال إنه “روح المغامرة” في الشرق الأوسط في تصريحات لم تنفصل وقتها عن الجدل حول الاتفاق النووي مع إيران وأيضا عن مصالح برلين مع الدوحة، حيث أخذت ألمانيا عند مقاطعة الرياض وأبوظبي والمنامة والقاهرة للدوحة، موقفا داعما للأخيرة.

ولم يكن تصريح غابرييل الأول، ففي سنة 2015، عندما أعلنت السعودية عاصفة الحزم لاسترداد الشرعية في اليمن، قالت ألمانيا إنها ستتراجع عن صفقات لبيع أسلحة للسعودية. وسنة 2017، انتقد زيغمار غابرييل الرياض خلال مؤتمر صحافي مع وزير الخارجية اللبناني جبران باسيل، بشأن مصير رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري.

سلمان الأنصاري: الرد السعودي استغرق وقتا للسماح بمحادثات سياسية خلف الأبواب
سلمان الأنصاري: الرد السعودي استغرق وقتا للسماح بمحادثات سياسية خلف الأبواب

وفي مناسبات عديدة، حاولت المستشارة أنجيلا ميركل تخفيف التوترات، حيث تحدثت مع الأمير محمد بن سلمان، كما زارت الرياض، لكن الخلاف استمر بسبب ما يقول مراقبون إنه تأثير لوبي معارض للسعودية ناشط في ألمانيا.

ودفع هذا التدخل المستمر في الشأن الداخلي السعودي دون مراعاة لخصوصية المملكة الخليجية، الرياض إلى التحرك بحسم والقطع مع سياسة التراجع خطوة إلى الوراء مع أي هجوم أو انتقاد غربي ضمن صورة ترسخت خصوصا منذ تفجيرات 11 سبتمبر 2001.

بعد تلك التفجيرات، قلّصت السعودية من أدوارها الخارجية في مواجهة الضغط الدولي والاتهامات بنشر التطرف والتشدد، ورسّخ الصمت السعودي هذه الصورة أكثر فأكثر، والتي استفاد منها الغرب في الخارج، لكن ملامح هذه الصورة بدأت تتفسخ.

قررت السعودية أن تتغير، مستمدة قوتها من رؤية السعودية 2030 ومن المشاريع الاستثمارية التي تجذب كبرى الشركات والدول، وألمانيا وحدها تتطلع إلى عدد هام من المشاريع، منها حوالي 30 مشروعا في مجال الطاقات المتجددة، وفي مجالات الصناعات الذكية وغيرها من القطاعات.

في ظل السياسة الدفاعية الجديدة، باتت الرياض تعاقب من يتدخل في شؤونها الخاصة، ولم تعد تقارير المنظمات الحقوقية الغربية، التي ترتكز على صورة متقادمة، والتقارير الاستخباراتية الموجهة، كالتقرير الألماني عن عاصفة الحزم، الذي لم ير من الحرب إلا التدخل السعودي مع تجاهل الدور الإيراني والانتهاكات الحوثية، تشكل مصدر قلق.

وقال سلمان الأنصاري، مؤسس لجنة العلاقات العامة الأميركية السعودية التي تتخذ من واشنطن مقرا، “الرد السعودي استغرق بعض الوقت للسماح بمحادثات سياسية خلف الأبواب المغلقة”، وأضاف “السعوديون اعتقدوا أن الكنديين سيتخذون خطوات للتراجع لكنهم فجأة غردوا بالعربية، كان هذا عملا استفزازيا بشدة من جانب الكنديين”.

 وقال توماس جونو، الأستاذ المساعد والخبير في شؤون الشرق الأوسط في جامعة أوتاوا، “كندا ضرر ثانوي، الأمر في جوهره لا يتعلق بكندا وإنما يتعلق برغبة السعودية في إرسال رسالة أوسع نطاقا إلى جيرانها وإلى البلدان الديمقراطية الأخرى”.

ورجح مراقبون أن يكون الموقف الأميركي أكثر تقاربا مع السعودية من كندا، حيث تشهد العلاقات بين الرياض وواشنطن تقاربا استثنائيا بعدما كانت متوترة أثناء حكم الرئيس السابق باراك أوباما نظرا لأن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان وترامب يتفقان في مخاوفهما بشأن إيران. وعلى النقيض من ذلك اختلف ترامب مع رئيس الوزراء الكندي جاستن ترودو خلال قمة مجموعة السبع في يونيو بأسلوب غير معتاد علنا.

وكانت وزارة الخارجية الأميركية قد دعت الجانبين الأسبوع الحالي إلى حل النزاع بينهما بالطرق الدبلوماسية، والخميس قالت المتحدثة باسم وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو إن بومبيو قال لنظيرته الكندية كريستيا فريلاند إن الولايات المتحدة ملتزمة بشراكتها الوثيقة مع كل من كندا والسعودية.

صورة جديدة

فواز جرجس: السياسة الخارجية السعودية أصبحت أكثر حزما وأكثر قوة
فواز جرجس: السياسة الخارجية السعودية أصبحت أكثر حزما وأكثر قوة

قدمت الأزمة مع كندا ومع ألمانيا صورة مختلفة عن السعودية لفتت الأنظار، حيث كتبت صحيفة واشنطن بوست “من ألمانيا إلى كندا، أصبحت المملكة العربية السعودية أقل خوفا وترددا في مواجهة الانتقادات”.

وقال ريك نواك، محلل الشؤون الخارجية في واشنطن بوست، إن الإجراءات التي اتخذتها السعودية هي جزء من عاصفة دبلوماسية جامحة بدا أنها جاءت دون سابق إنذار، فكندا ليست أول دولة غربية تنتقد السعودية في ما يتعلق بقضايا حقوق الإنسان، لكن وبالنظر عن قرب إلى ردود أفعال الرياض نجد أن “الغضب السعودي لم يأت من فراغ”.

ويقول فواز جرجس، أستاذ السياسة الشرق أوسطية في كلية لندن للاقتصاد، “لقد شهدنا منذ بعض الوقت أن السياسة الخارجية السعودية أصبحت أكثر حزما وأكثر قوة”.

وأضاف جرجس معتبرا أنه “من خلال مواجهة كندا، ترسل السعودية رسالة مفادها أن أي جهة تتدخل في الشؤون الداخلية السعودية ستواجه إجراءات سريعة وفورية”.

ويشير ريك نواك إلى أن السعودية، من خلال تعليق علاقات مع دول مثل كندا وحتى شركاء تجاريين أكثر أهمية مثل ألمانيا، تتوخى أسلوبا  اتبعته الصين “بنجاح نسبي في السنوات الأخيرة: وهو التحديث، ولكن بشروطها الخاصة”، التي تتماشى وخصوصيتها العامة.

وفي أوروبا، يبدو أن الرأي العام يميل الآن إلى أن يلعب بحيادية، حيث امتنع وزير خارجية ألمانيا الجديد حتى الآن عن إصدار انتقادات حادة كالتي كانت تصدر عن سلفه.

وفي صورة أكثر وضوحا، يستحضر المراقبون تصريح الرئيس إيمانويل ماكرون، في مؤتمر صحافي مشترك مع نظيره السعودي والذي عقد في فرنسا في أبريل الماضي، والذي قال فيه “إذا كانت هناك فرصة واحدة لإنجاح مشروعاته، فستكون مسؤولية فرنسا هي مرافقته وداعمته”، في إشارة إلى الإصلاحات السعودية.

7