السعودية.. ضرورات التفاعل مع صعود الاتحاد الأوراسي

السبت 2016/08/13

تتجه روسيا إلى بناء منظومة جديدة تعتمد على الاقتصاد والأمن تتمثل في “الاتحاد الأوراسي” لمنافسة “الاتحاد الأميركي”؛ و“الاتحاد الأوروبي”؛ و“الاتحاد الأفريقي”؛ و“الاتحاد اللاتيني”. خمسة اتحادات جيوسياسية تتنافس وتتشارك في ما بينها في السياسة والاقتصاد والأمن، وتعيد تعريف الخرائط الجغرافية والسياسية التي عرفها العالم قبل وخلال وبعد الحرب العالمية الأولى 1914 – 1918.

فبعد قمة باكو، التي ضمت روسيا وأذربيجان وإيران، قبل أيام؛ وقمة سانت بطرسبورغ، التي تلتها بيوم واحد، بين روسيا وتركيا؛ والقمة التي ستليها بين روسيا وتركيا وأذربيجان، تتضح غاية روسيا، إذا ما أخذنا بعين الاعتبار قمة “بيكاتيرينبرغ” التي ضمت الأربع دول صاحبة الأسرع نمو اقتصادي في العالم: البرازيل وروسيا والصين وجنوب أفريقيا، تحت مسمى دول “البريكس”، وتضمنت الإعلان عن تأسيس نظام عالمي ثنائي القطبية تم إطلاقه في العام 2009.

هنا يبرز السؤال: أين تقع المملكة العربية السعودية من هذه التكتلات والاتحادات؟ وهل ستشارك في أي منها، أم تعزل نفسها، أم سيتم عـزلها؟

يمكن لأي مهتم أو باحث، النظر إلى خارطة العالم فقط، ليكتشف أهمية وحجم وقوة “الاتحاد الأوراسي” الجديد وما يضمه من موارد بشرية وطبيعية واقتصادية وعسكرية، وتتشكل حدوده الغربية من روسيا وتركيا وسوريا ولبنان والعراق وإيران، وربما الدولة الكردية، كحاجز غربي للاتحاد الجديد، مما يعزل مبدئيا الأردن وإسرائيل وفلسطين والسعودية ودول الخليج واليمن، خارج منظومة “الاتحاد الأوراسي” لسببين؛ الأول باعتبارها مناطق توتر ونزاع سياسي وعقائدي؛ والثاني باعتبارها دولا محسوبة على الغرب أو تدور في فلك الولايات المتحدة. الأكيد، أن دولا مثل أفغانستان وباكستان وغيرها في أواسط آسيا ستنضم ولو تدريجيا، كما أن من المرجح أن تنضم دول عُمان والإمارات وقطر والكويت، وربما اليمن، إلى “الاتحاد الأوراسي” الجديد. الميزة التنافسية لهذا الاتحاد هي اعتماده على تطور الفرد وازدهار والمجتمع، مما يجعل الاقتصاد هو الأساس ثم الأمن، بعكس النظرية الغربية التي تقوم على الأمن ثم الاقتصاد، مما أدى إلى عدم استقرار الأنظمة وتقسيم الدول وإشعال الحروب وتنامي الإرهاب واستنزاف موارد الشعوب وتقهقر المجتمعات وفقر الفرد.

تنظر روسيا إلى العالم والشرق الأوسط تحديدا، بمنظار مختلف من خلال تشكيل “الاتحاد الأوراسي”. فبينما يتجه تركيز السياسة الخارجية السعودية، على سبيل المثال، إلى بؤر التوتر في سوريـا ولبنـان والعراق واليمـن على أنهـا صراع أيديولوجي مع إيران، ترى روسيـا أن كل تلك الاهتمامات والحجج أصغر حجما وأقل أهمية، وأن الخط الجيوسياسي الممتد من البحر الأسود شمـالا حتى بحر العـرب جنـوبا هو خط إستراتيجي يحد المصالح الروسية، ولن تسمح بالتلاعب فيه.

ذلك يفسر بعض الشيء الموقف الروسي من الأزمة في جورجيا وجزيرة القرم وسوريا واليمن، وسر التقارب مع تركيا وإيران على وجه الخصوص. كما أن إيران تأمل في أن تدخل “الاتحاد الأوراسي” مدعومة بمجموعة من الدول تدور في فلكها مثل العـراق وسـوريا ولبنان واليمن وأفغانستان وباكستان وبعض دول بحر قزوين، لتمنح إيران ثقلا أكبر من الناحية الإستراتيجية والاقتصادية والأمنية للتوازن مع الهند والصين وروسيا الاتحادية.

سيكون موقف السعودية حرجا للغاية على ضوء التشكلات والتكتلات العالمية الجديدة، وسيصار إلى عزلها إذا لم تبادر بانتهاج سياسة تؤدي إلى انضمامها مبكرا إلى “الاتحاد الأوراسي”. فمع فقدان الاتحاد الأوروبي لجناحه الغربي بريطانيا، وجناحه الشرقي تركيا، واضطراب حدوده الجنوبية في شمال أفريقيا، يصبح الاتحاد الأوروبي أكثر حساسية وهشاشة، فضلا عن أزمات مالية واقتصادية وحتى سياسية ستلحق به، مع ترجيح عدد من الخبراء بخروج بعض دول الاتحاد مثل اليونان وإيطاليا وأسبانيا لتلحق ببريطانيا.

الولايات المتحدة ودول “النافتا” كانت الخاسر الأكبر من خروج بريطانيا، وكذلك دول الكومنولث التي ربما تجد في “الاتحاد الأوراسي” مخرجا وملاذا اقتصاديا آمنا.

كما أن تأزم العلاقات بين تركيا والاتحاد الأوروبي حول الانضمام، ومع الولايات المتحدة بعد محاولة الانقلاب الفاشلة، ربما يقطع الحبل السري مع تركيا متمثلا في “حلف الناتو”، ويدفعها نحو “الاتحاد الأوراسي” بتسارع.

تتمتع السعودية بمكانة دولية مقبولة في حدها الأدنى، ومازال لها وزن معنوي واقتصادي مؤثر وجاذب حتى الآن، بالرغم من التناقص المتسارع لأهمية النفط في ميزان التأثير السياسي أو الاقتصادي، لكن الصورة السعودية تعاني من ثلاث قضايا؛ (1) الشعور الدولي العام بأن السعودية تدور في فلك الغرب والولايات المتحدة الأميركية، وهذا ما تراه السعودية غير دقيق، إذ تجادل بأنها تعاني من السياسة الأميركية وتتضاد معها في عدد من القضايا؛ (2) اتهام السعودية بدعم “الإرهاب” وتمويل الإرهـابيين، وهذا ما ترفضه السعودية، وتدلل على أنها أكثر من عانى من الإرهابيين، وأول من طالب بمحاربة ومكافحة الإرهاب؛ (3) تصنيف السعودية كدولة أصولية “وهابية” تتبنى رؤية دينية متطرفة، والسعودية تنظر إلى أن ذلك تهويل ومبالغة ولا يعدو كونه كيدا ومكرا من بعض الدول وفي مقدمتها أميركا.

لا بأس، هذا سيضطر السعودية إلى أن تحسم أمرها وتوضح سياستها وتختار لنفسها مـا يتمـاشى مع مصـالحها الحقيقيـة، لتتطابق الصورة مع الحقيقة والواقع.

فقدت السعودية خلال العقود الماضية عناصر حاكمة في الإدارة الداخلية بسبب تلاشي ثلاث قوى؛ سلطة القبيلة؛ وسلطة الدين؛ وسلطة المال. فقدان أو تلاشي تأثير هذه القوى الداخلية، من ناحية أولى؛ وتنامي الوعي والثقافة والتعليم في الأجيال الشابة الجديدة، من ناحية ثانية؛ وتسارع حركة التاريخ والتغيير والتقنية ومحاكاة الغير، مـن ناحية ثالثة؛ ومـا يدور في الساحة العالمية والدولية من تشكيلات وتكتلات، من ناحية رابعة، يفرض على السعودية أن تعيد النظر في سياستها الخارجية بناء على مراجعة حقيقية وصادقة وجادة لعقيدتها السياسية ومنهجها الإستراتيجي الذي يجب أن يبدأ بتعريف واضح للهوية السعودية: من نحن؟ وماذا نريد؟ وذلك من خلال حوار وطني ومجتمعي وحر وفعّال وحقيقي وجاد وغير مؤدلج ومنتج، يشارك فيه الجميع، ذكورا وإناثا؛ ومن كافة الأجيال؛ بمختلف الطوائف؛ وسائر أطياف المجتمع.

عندها، وعندها فقط، يمكن تحديد الهوية السعودية الجديدة أو المستجدة، ليتم بعدها (1) استبدال وتعويض القوى المفقودة في الداخل؛ (2) تحديد المصالح الوطنية وتقسيمها إلى مصالح إستراتيجية (عليا)؛ مصالح حساسة؛ مصالح حيوية؛ ومصالح هامشية، تنبع جميعها من الأسفل إلى الأعلى، وتنطلق جميعها من وإلى الفرد والمجتمع، وتعني بالمستقبل “الآتي”، وليس المستقبل الماضي أو المستقبل الحاضر؛ (3) إعادة ترتيب جدلية الاقتصاد والأمن إلى وضعها الصحيح، بحيث يتقدم الاقتصاد على الأمن، كما هو المبدأ الرباني “أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف”.

ستنعتق السعودية، بعد تعريف الهوية، وتعويض القوى المفقودة، وتحديد المصالح، وتصنيف الأولويات، من الكثير من الأحمال والأعباء التي أثقلت بها كاهلها على مدى عقود. فالإسلام دين الله، تتشارك فيه كل أمم الأرض… والرسالة المحمدية جاءت رحمة للعالمين وليست حكرا على السعودية، والبيت الحرام (الكعبة) يزيد السعودية شرفا وتواضعا وانفتاحا على جميع “الناس”، أما العرب والعروبة والقومية العربية، فهي شعارات عنصرية نشأت ضمن ظروف سياسية معينة، وليست مقتصرة على السعودية… فكل يدّعي وصلا بليلى *** وليلى لا تقر لهم بذاكا… أما السعودية “الدولة والمجتمع”، فهي للسعوديين وحدهم، وهو ما يجب أن يشكل محور المنهج السعودي، فقط.

تستطيع السعودية أن تمكّن الفرد والمجتمع من اتخاذ مبادئ الإسلام أساسا للحياة والتعايش؛ وأن تعتمد الشريعة الإسلامية كأحد أو كل مصادر التشريع والقوانين للدولة والحكومة؛ ولها أن تتمثل ما تريده من القيم العربية والإنسانية؛ ثم تمزجها جميعا لكي تشكل هوية “الأمة السعودية” في دستور واضح يتغير بتغير الأحداث والزمان. فمقولة عبدالمطلب “أنا رب إبلي وللبيت رب يحميه”، حكمة براغماتية من العام 571 وسبقت وليام جيمس (1878) ولم تفقد صلاحيتها، ويمكن للسعودية أن تتمثلها اليوم.

أخيرا، روسيا قادمة بقوة وتسارع لقيادة العالم وأعدت العدة لذلك، كما أن الولايات المتحدة ومعها معظم نظرياتها في السياسة والأمن والاقتصاد آخذة في الأفول، وكذلك الدول الكبـرى في القارة العجوز (أوروبا)، أما أميركا اللاتينية وأفريقيا فهما أقرب للتعاون مع “الاتحاد الأوراسي” بوجود البرازيل وجنوب أفريقيا في منظومة “البريكس”.

فروسيا تعيد بعث إستراتيجيتها العظمى بعدما عبثت الدول الغربية بالعالم خلال القـرنين المـاضيين، ولا مناص للسعودية من أن تبادر إلى المكان والمكانة لكي تكون.

ختاما، يتحتم على السعودية أن تقرأ المتغيرات المحلية والإقليمية والدولية والعالمية والكونية، بتمعن وتفكر وتجرد وحيادية، وإلا ستعاني السعودية من العزلة ثم الأفول فالتلاشي. حفظ الله الوطن.

كاتب سعودي

8