السعودية: فلسفة الأمن الإستراتيجي

الجمعة 2015/04/10

سيرتبكُ المراقبون كثيرا قبل الاهتداء إلى البوصلة التي تسيرُ وفقها السعودية في ما هو بناء جديد للإستراتيجيات الأمنية والدبلوماسية للمملكة. تستخدمُ الرياض لغة وأسلوباً جديداً لم يعهده خبراء الشأن السعودي. يتسرّبُ من “عاصفة الحزم” ظلال توجهٍ يتجاوزُ المسألة اليمنية باتجاه ما لا يشبه، بالضرورة، كلاسيكيات الحاكم السعودي المعروفة خلال العقود الأخيرة.

تتقدمُ الرياض بصفتها عاصمة فعل وقرار تتمحورُ حولها استراتيجيات وتحالفات وخيارات. في قلب العاصمة السعودية التفَّ قادة الشؤون العسكرية والأمنية لدول مجلس التعاون الخليجي للإعداد للحرب التي تُخاض هذه الأيام في اليمن. بدا التضامنُ الخليجي معقودا على خيارات جديدة تمثّل أسلوب الحكم الجديد منذ تولي الملك سلمان عرش البلاد. تتخلى الرياض عن لازمة الصبر ودبلوماسية الصمت، وتروحُ باتجاهاتٍ حاسمة حازمة حادة واضحة في التعبير عن ملامح السياسة الخارجية الجديدة وقواعدها.

تستندُ الرياض في مقارباتها الجديدة على البيت الخليجي أولا، وتبدي السعودية نضجاً في مداراة شركائها في مجلس التعاون، فلا توفّر جهدا للتداول والمشورة بين أهل البيت في ما هو مصيرٌ مشترك للبنيان الخليجي. تُحسن الرياض مراعاة حساسيات قديمة جديدة مع جيرانها الخليجيين، وتتفهم الخصوصية العُمانية بعد أن تمَّ بنجاح دفنُ الخلاف مع قطر أو التعايش مع احتمالاته.

تجاوزَ الخليجيون قطوعَ الأزمة الداخلية التي ذهب المتشائمون إلى استنتاجها نذيرَ فرقة. ولئن عملَ الملك الراحل عبدالله بن عبدالعزيز على وضع لبنات الصلح الداخلي، فإن طاقمَ الحكم الجديد أجادَ تأكيد اللحمة الداخلية لبنيان مجلس التعاون، بحيث أتى خيارُ الحرب في اليمن متأسساً على قواعد صلبة يفسّر قدرة البيت الخليجي على فرض دينامية فعل يلتحق بها المتحالفون.

في الثابت، علاقات الرياض التقليدية مع واشنطن. وفي الثابت، تناقضُ مواقف الرياض مع مواقف موسكو. تقصّد السعوديون الإعلان عن عاصفة الحزم من العاصمة الأميركية. في ذلك أن الحملةَ في اليمن تجري تحت سقف العلاقة التاريخية بين السعودية والولايات المتحدة. بدا في الشكل أن الرياض قررت وأن واشنطن دعمت. بدا أن إدارة أوباما المرتبكة في ملفات المنطقة تلتحق بحلفائها حين يعزمون على أمر دون ارتباك (قمة كامب دايفيد الخليجية الأميركية المقبلة استيعاب لتلك الحقيقة). وبدا أن الخيار الخليجي العام لا يبتعد عن مسار أصول العلاقات مع الولايات المتحدة في عزّ انشغال الأخيرة في مفاوضاتها الملتبسة مع إيران (سبق للرياض أن تحركت في البحرين دون التشاور مع واشنطن).

بالمقابل، عكست تصريحاتُ وزير الخارجية السعودي سعود الفيصل (في تعليقه على رسالة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى قمة شرم الشيخ) عمق الخلاف السعودي الروسي. في هجوم الفيصل على موسكو يتضحُ أن لبَّ الخلاف يتعلقُ بالموقف من المأساة السورية، كما يتضحُ أن لا مشترك بين الرياض وموسكو بإمكانه التأسيس لبديلٍ عما هو مشترك بين الرياض وواشنطن، ولا مشترك بإمكانه تمريرُ الخطط الروسية (التي تستمرئها القاهرة) لتسوية يكون الأسد فيها شريكاً. يتّسق الموقف السعودي من نظام الأسد مع الموقف السعودي من النظام الإيراني، لا سيما في تداعياته الدراماتيكية اليمنية. في ردِّ الفيصل على بوتين رسالة تطيحُ بكل السيناريوهات التي تحدثت عن تحوّلات سعودية في مقاربة الشأن السوري بعد وفاة الملك عبدالله. فالرجل يتحدث بلسان بلاده تحت سقف الملك سلمان، كما كان يتكلم تحت سقف الملك عبدالله. وبدا الغضب السعودي ضد السلوك الروسي في سوريا يعبّر أيضاً، عن غضب من أي مقاربات شبيهة كان لمّح إليها وزير الخارجية الأميركي جون كيري حين أفتى مؤخراً بالتفاوض مع الأسد.

تقوم السعودية بقيادة حلف تدكُ طائراته مواقع الحوثيين في اليمن. تأتي دبلوماسية الرياض متّسقة مع لغة النار في الميدان. لسان حال ملك السعودية في قمة شرم الشيخ أن الحرب مستمرة حتى زوال الحالة الحوثية، أو انخراطها في سياق احترام الشرعية، فيما حال وزير خارجيته هجومي في اتهامه لإيران باحتلال مدن العرب والتسبب بمآسيهم الحديثة، في وقت كانت تعكف المجموعة الدولية (5+1) على تنميط إطار لاتفاقها مع طهران. تجري الحرب بالوكالة ضد إيران، وتحت سقف تلك الحرب، لا مكان لوسطية أو تحاذق في مسك العصا من النصف بين الرياض وطهران. فإما معنا وإما ضدنا.

في الإعلان عن دولٍ عشر تشارك في عاصفة الحزم ما يعكسُ تبني الحلف لخيارات الرياض. قد يكبرُ هذا الحلف أو يصغر وفق تطورات الحرب في اليمن، لكن نواة ذلك الحلف صلبة تحتملُ ارتباك الملتحقين وتعثّر المرتجلين، وإذا ما قررت الرياض أن خيار الحرب البرية بات ضرورة عسكرية وسياسية، فإن الحلفَ سيأخذُ أشكالا جديدة لا تسمح بوسطية أو بانتهازية في الموقف من إيران.

يعبّر السلوك السعودي عن إدراك لضرورات مقاربة شؤون الأمن الاستراتيجي بشكل مباشر لا يحتمل انتظار الإجماع. تذهبُ الرياض باتجاه دخول النادي النووي من خلال ما أُعلن عن اتفاق بهذا الشأن وُقّع مع كوريا الجنوبية. واضح أن السعوديين أدركوا، قبل التوصل إلى الاتفاق مع إيران، أنه إذا ما رضي العالم بإيران نووية، فإن دولا أخرى ستدخلُ النادي بما قد يؤسسُ لسباق نووي تخشاه واشنطن. الأردن سبق أن أعلن عن خططه في هذا المجال، مصر وقّعت مع موسكو، والرياض تعلنها دون مواربة.

استعدت الرياض منذ مدة للتعامل مع الاتفاق الدولي الإيراني حول البرنامج النووي. لا يهمُ السعودية ما إذا كان الاتفاق جيدا أو سيئا، وهي غير معنية مباشرة بمتنه. فأي اتفاق يعني الاعتراف بما عليه إيران من طموحات في إقامة “شرق أوسط إيراني”، على ما أعلن علي يونسي (مستشار روحاني) مؤخرا. تدركُ المملكة أن عليها مقاربة إيران بصفتها خطرا دائما، وعليه تعمل بهدوء على بنيان تحالف ناجع مرصوص يؤسسُ للمرحلة المقبلة، ولأجل طويل. تنطلقُ السعودية من النواة الخليجية التي لا يجوزُ لها الوهن، لتطلق منه شعاعا دائريا يرسمُ حدود تحالفاتها العديدة، بما وشت به إرهاصات عاصفة الحزم.

على أن قرارَ السعودية بقيادة الحملة في اليمن يتناسلُ من مفهوم متقدم للأمن الاستراتيجي السعودي، ذلك أن الرياض معنية بالدفاع عن أمنها في اليمن، لكنها معنية أيضا بالدفاع عن أمنها بأشكال مختلفة في ميادين أخرى. تحرصُ الرياض على تأكيد متانة علاقتها مع نظام الرئيس عبدالفتاح السيسي في مصر، بما يؤسسُ لعلاقة متطورة قد تتمأسسُ يوما بين القاهرة ومجلس التعاون الخليجي. أمر ذلك يتكاملُ، ولا يتناقض، مع مساعي التقارب مع أنقرة، باتجاه ما آل إليه موقف الرئيس رجب طيب أردوغان الأخير المتضامن مع الرياض المعادي لطهران (والذي بناء عليه استقبلته طهران). تذهبُ الرياض لمقاربة حكومة حيدر العبادي في بغداد، رغم ما تملكه طهران من نفوذ، كما تأكيد حضورها وتأثيرها في لبنان، رغم ما تملكه طهران من سطوة هناك (حريّ تأمل الدينامية الهجومية التي يدافع بها السفير السعودي في لبنان عن مصالح بلاده).

على أنه تجدرُ مراقبة العلاقة التي تربط تاريخيا السعودية بباكستان. يعكسُ الحضور الباكستاني في عاصفة الحزم جدية الروابط بين البلدين، واستعداد إسلام أباد للعب دور متقدم للدفاع عن السعودية ومصالحها. باكستان هي الدولة النووية المسلمة الوحيدة في العالم، وقد حرصت الرياض على تمويل البرنامج النووي الباكستاني منذ عام 1970. لا نعرف إلى أي مدى تذهبُ التزامات باكستان العسكرية إزاء السعودية، فذلك من أسرار الدولتين، لكن ترددَ رئيس الحكومة الباكستاني نواز شريف على الرياض، عشية وبعد وفاة الملك عبدالله، يكشف عن منحى ما كان يعدّه البلدان، والذي أثمر عن هذا الموقف الباكستاني المتضامن مع الرياض، مع التفهم للحساسيات الداخلية الباكستانية التي قد تضبط اندفاعاته. واللافت أن الدولتين تتمتعان بعلاقات إستراتيجية مع الولايات المتحدة، بما يعكسُ اعتماد حلفاء واشنطن على تعاون بيْنيّ دفاعي بعيدا عن مزاج الزعامة الأميركية.

عصر جديد تدخله السعودية تراعي به تطورات وتستبق به أخرى، لكن المملكة باتت تدركُ محددات أمنها الإستراتيجي وتفرض على العالم تدابيرها. أما نجاح ذلك من فشله، فرهن بتأمل انقشاع غبار الميادين.

صحفي وكاتب سياسي لبناني

8