السعودية في مرمى تهديدات التشدد الإسلامي

خروج السعوديين إلى الشوارع مندّدين بالإرهاب الذي ضرب المنطقة الشرقية من خلال العمليتين التفجيريتين في مدينتي الدمام والقطيف، أرادوا من وراء ذلك الدعوة إلى الوقوف صفا واحدا ضد محاولة تقسيم البلد باسم الدين.
وهذه المواقف تعبّر عن المخاوف التي يشعر بها السعوديون من احتمال أن العمليات الإرهابية التي يقوم بها تنظيم الدولة الإسلامية، والتي تستهدف المؤسسات الشيعية، قد تضع البلد على شفا حرب أهلية وبالتالي قد تقود إلى زعزعة الاستقرار الداخلي.
الجمعة 2015/06/19
داعش يلعب على وتر النزاعات الطائفية للتمدد في منطقة الخليج

الرياض - يبدو أن أنصار أبو بكر البغدادي زعيم داعش في السعودية قد التزموا بأوامره من خلال الفيديو المصور الذي حثهم فيه في سبتمبر 2014 على عدم السفر للانضمام إلى صفوف المقاتلين في سوريا والعراق وطالبهم بدلا من ذلك بالبقاء في بلادهم والقتال في سبيل الدولة الإسلامية.

وقال البغدادي “إننا نبشّركم بإعلان تمدد الدولة الإسلامية إلى بلدان جديدة، إلى بلاد الحرمين واليمن، وإلى مصر وليبيا والجزائر، ونعلن قبول بيعة من بايعنا من إخواننا في تلك البلدان، وإلغاء أسماء الجماعات فيها، وإعلانها ولايات جديدة للدولة الإسلامية، وتعيين ولاة عليها”.

وقد دعا البغدادي أنصاره إلى “الجهاد في كل مكان”، ولا سيما في السعودية. وقال “لا مكان للمشركين في جزيرة النبي محمد وعليكم أولا بالرافضة (في إشارة إلى الشيعة) حيث ما وجدتموهم، ثم عليكم بآل سلول (في إشارة إلى آل سعود) وجنودهم قبل الصليبيين وقواعدهم”. وأضاف “مزّقوهم إربا، نغّصوا عليهم عيشهم، وعما قريب إن شاء الله، تصلكم طلائع الدولة الإسلامية”.

فالهجمات المتطورة التي دبرها فرع لتنظيم الدولة الإسلامية في السعودية وبالتحديد في المنطقة الشرقية، تبيّن أن وجود التنظيم في المملكة أكثر رسوخا من التقديرات السابقة.

وإذا تحول الأمر إلى حملة متواصلة من جانب المتشددين فقد يقوّض ذلك الاستقرار في السعودية، أكبر دول العالم تصديرا للنفط ومهد الإسلام، وهي من الدول العربية الكبرى القليلة التي تجنّبت ما هز المنطقة من اضطرابات سياسية وحروب أهلية.

وقال توماس هيجهامر مؤلف كتاب “الجهاد في السعودية” إن “أيّ دولة تشهد تفجيرين كبيرين متعاقبين تواجه مشكلة. فليس من المفترض أن يحدث هذا ولذلك فمن الواضح أن هناك شبكة جديدة لا تسيطر عليها أجهزة المخابرات بالكامل”.

وقد استهدفت الهجمات الشيعية ورجال شرطة ووافدين غربيين وهي تمثل أخطر تهديد من جانب المتشددين داخل المملكة منذ وضعت حدا لحملة شنّها تنظيم القاعدة بين عامي 2003 و2006.

المملكة تعتبر \'تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام\' و\'جبهة النصرة\' و\'حزب الله السعودي\' تنظيمات إرهابية

وعلى نقيض الوضع في تلك الأيام التي كان الغضب فيها من الغرب هو الذي يحفّز متشددين يتزعمهم مخضرمون في الجهاد بأفغانستان، فإن الجهاديين في الوقت الحالي يركزون أكثر على الرئيس السوري بشار الأسد والفصائل المسلحة الشيعية في العراق وإيران.

كما ظهر مقاتلون من تنظيم داعش وهم يمزقون جوازات سفرهم السعودية عبر أحد مقاطع الفيديو الذي تداولته مواقع التواصل الاجتماعي.

والمقاتلون في الفيديو هددوا بإعلان “الجهاد” على كامل أرض الجزيرة، معلنين أنهم سيقومون برفع “راية الإسلام” في كل المناطق والبلدان في العالم. وإعلان المقاتلين هذا يأتي بعد إصدار المملكة العربية السعودية لفتوى اعتبار كلّ من تنظيم “الدولة الإسلامية في العراق والشام” و”جبهة النصرة” و”حزب الله السعودي” تنظيمات إرهابية.

فحتى أصحاب الميول الليبرالية نسبيّا بين الإسلاميين من السنة في المملكة مثل محسن العواجي الناشط الذي سجن مرارا في التسعينات لاتهامه بتهييج الرأي العام عبر المطالبة بملكية دستورية يقولون إنهم يتفهّمون جاذبية تنظيم الدولة الإسلامية.

وقال العواجي “إذا كانت إيران تهدم البيوت وتقتل الناس وتحرقهم أحياء والمجتمع الدولي ساكت وإذا كان بشار الأسد يلقي بالبراميل المتفجرة على بيوت المدنيين ويقتل عشوائيا والمجتمع الدولي ‘القذر’ ساكت، سينتظر الناس بالفعل داعش”.

ورغم أن مشكلة التشدد في السعودية أبعد ما تكون عن التفرد -إذ انضم الشبان من دول من مختلف أنحاء العالم إلى صفوف المتشددين- فالمملكة تحظى بقدر أكبر من الاهتمام من أيّ دولة أخرى لأنها مركز للفكر الإسلامي المحافظ.

السعودية تواجه الآن خطر المتشددين من أتباع داعش وما تمثله استراتيجية الذئاب المنفردة لهذا التنظيم من أجل زعزعة أمن المملكة

وقد لعب السعوديون دورا بارزا في ظهور الحركات الجهادية الحديثة فكان منهم رجال الدين والمقاتلون والممولون للجماعات الإسلامية حول العالم، إلى أن اعترفت الحكومة بالمشكلة بعد الاعتداءات التي شنها تنظيم القاعدة عام 2003.

وقد ندّد كبار رجال الدين في السعودية بالمتشددين ووصفوهم بأنهم ضلوا السبيل لكنهم مازالوا يرفضون الاعتراف بأن أغلب الشيعة من المسلمين أو يتبرّأون من تعاليم أصحاب الفكر الوهابي السابقين الذين ينادون بالجهاد الدائم ضد الكفار والمشركين.

وأعلن تنظيم يُسمّي نفسه “ولاية نجد” -أي فرع تنظيم الدولة الإسلامية- المسؤولية عن الهجمات على مساجد شيعية في المنطقة الشرقية يومي 22 و29 مايو.

ورغم أن عددا من المعتقلين من نجد بمن فيهم قائد في تنظيم الدولة الإسلامية من مدينة الزلفي حسبما ذكرت وسائل الإعلام المحلية، فإن قائمة 16 مشتبها في التفجيرات نشرتها وزارة الداخلية تضمنت أسماء تنتمي لقبائل من مختلف أنحاء المملكة.

وتصف الوزارة المتشددين بأنهم يمثلون تهديدا للمملكة وأعلنت تفاصيل جهودها للتصدي إلى الفكر الجهادي، بالإضافة إلى احتجاز من تحوم شبهات التشدد حوله.

وقد اعتقلت قوات الأمن المئات من المشتبه بهم في السنوات الأخيرة كان كثيرون منهم يعتزمون السفر إلى العراق وسوريا للجهاد أو لتشجيع آخرين ومساعدتهم على السفر من أجل الجهاد. وقال اللواء منصور التركي، المتحدث باسم وزارة الداخلية في مارس آذار، إن 2284 سعوديا انضموا إلى جماعات متشددة في سوريا منذ بدء الصراع عام 2011 من بينهم 645 شخصا عادوا إلى المملكة ونحو 570 قضوا نحبهم.

وأضاف أن عدد السعوديين المسافرين إلى سوريا انخفض فيما يبدو بعد صدور مرسوم ملكي في مارس عام 2014 يقضي بعقوبات بالسجن لفترات طويلة على من يحاول القتال في الخارج.

وتجدر الإشارة إلى أن السعودية تواجه الآن خطر المتشددين من أتباع داعش وما تمثله استراتيجية الذئاب المنفردة لهذا التنظيم من أجل زعزعة أمن المملكة، إضافة إلى الدور الإيراني الذي يلعب على وتر الاختلافات المذهبية والطائفية لمزيد غرس التشدد والإرهاب رغبة في تدعيم مشروع تصدير ثورة الولي الفقيه، إذ جعلت إيران من المذهب الشيعي وتابعيه وقود معركتها في استرجاع مجد إمبراطوريتها كما يزعم قادتها ورجال دينها.

13