السعودية لا تستطيع أن تنتظر طويلا بعد معركة الموصل

الثلاثاء 2017/07/18

دولة قطر قدمت خدمة كبيرة لإيران حين حرضت السنة إعلاميا ضد الولايات المتحدة فصارت المقاومة “سنية”، حيث شجعتهم قناة الجزيرة على قتل الجندي الأميركي في العراق وبعدها تم حصار نفوذ السعودية. فهل ستختار المملكة السنة أم أميركا؟ هذا كان مخططا إيرانيا قطريا ضخما.

تحرك المستشارون العراقيون الشيعة لإقناع السعودية بأن الخطر على السعودية هو “سني”. فلا يوجد أخطر من صدام حسين وأبي بكر البغدادي على المملكة. فشيعة العراق يتفقون مع المملكة في ضرورة التحالف مع أميركا، بينما سنة العراق مقاومة وإرهاب بسبب تأثرهم بثقافة البعث القومي. وهكذا جرى تنسيق لتخريب نفوذ المملكة في محيطها العربي السني بينما استمرت طهران في تنظيم محيطها الشيعي.

وهذا سبب غضب الأمير محمد بن سلمان، فالقيادة الشابة رأت أن هناك خللا إداريا ونوعا من الاسترخاء السعودي والكسل جعل إيران تحقق كل هذه النجاحات على حساب المملكة العربية السعودية. كان هناك مكر سياسي كبير دخلت فيه قطر والإخوان وتركيا.

السعودية لم تخسر نقاطا كثيرة. فالملك الراحل عبدالله بن عبدالعزيز مثلا حقق إصلاحات داخلية كبيرة، وعاصفة الحزم أوقفت الزحف الإيراني إلى باب المندب والمحيط الهندي والبحر الأحمر وأفريقيا وقناة السويس. القيادة الشابة السعودية صارمة وطموحة، وتريد المزيد من الإنجازات السياسية الملموسة.

لقد مرت فترة من الفترات قام فيها كل من النظام السوري وقطر وتركيا بزج البعث العراقي في العمل لصالح إيران. فقد تم دعم البعث واحتواؤه وتحريضه على استخدام نفوذه في المجتمع السني في سبيل تحريض الناس على المقاومة وقتال الجندي الأميركي. وهكذا ودون وعي بالحقيقة كان البعث يعمل لصالح إيران، بل حقق البعث ودون وعي الجسر للعبور السني من القومية العربية إلى الإرهاب من خلال جسر المقاومة الملتبسة.

حين يقول عادل الجبير “طفح الكيل مع قطر” ما هو المقصود؟ المدن تتهدم في سوريا والعراق بسبب العاطفة السنية التي تؤججها قطر. شعوب عاطفية بسيطة تثيرها قناة الجزيرة من خلال الدين والبطولات الوهمية، وفوقها تسليح وضخ أموال. والنتيجة حصار السعودية وخسارتها لمحيطها العربي الطبيعي، وهدم المدن السنية القديمة كما رأينا في الموصل بالتنسيق مع طهران.

لا أعتقد أن المشكلة مع قطر قابلة للحل سريعا. إن ضرب الإخوان المسلمين والإسلام السياسي السني وعزل قطر معناهما أن هناك استعدادات لمواجهة كبيرة دون تدخل من الإسلاميين. مواجهة تقودها جيوش عربية نظامية وأرشح العراق كساحة جديدة.

السعودية لا تستطيع أن تنتظر طويلا بعد معركة الموصل، فما هو الدرس المستخلص في العراق؟ ما هي استحقاقات النصر؟ المدن السنية سيطر عليها داعش واحترقت في الحرب، بينما لم ينجح داعش في احتلال قرية شيعية واحدة. خصوصا أن التحرير تم بدعم أميركي وإيراني للحشد الشعبي السيستاني والقوات المسلحة العراقية. فماذا ستكون النتيجة بعد النصر؟

إذا لا تتدخل السعودية وتُضعف التحالف الإيراني؟ النتيجة كما كتبنا مئة مرة هي التشيع السياسي الكامل للعراق لأن الناس تريد أن تعيش وإذا النفط يبيعه عملاء إيران وينفقون منه على المدن المنكوبة مقابل الولاء، وإذا يقنعونهم بوجود خلل في ضميرهم وعقولهم وهويتهم جعلت سيطرة داعش عليهم ممكنة، وإذا يقنعونهم بأن حماية التحالف الشيعي حصانة لمدنهم من عودة داعش، فإن الثمن الاستراتيجي السياسي ستخسره السعودية وتكسبه طهران. المفروض بعد المعركة تحدث ضربة سياسية للتحالف الذي تقوده إيران بحيث لا يشعر بفوائد النصر سياسيا.

لم ينجح الشيعة في تسويق حكاية انتصار وطني. لا يوجد وطن ولا شعور وطني ولا انتصار. بلد مخرب بالتخلف يقوم بهدم مدنه، ثم إن شيعة العراق بالذات أصبحوا عبارة عن قنبلة بشرية مسلحة بيد إيران تهدد أمن السعودية والأردن.

عام 2003 حاولت الحكومة الشيعية تأسيس شرعيتها على سقوط النظام القومي وإعدام صدام حسين واجتثاث البعث، فلم تنجح الحكاية واستمر الانقسام السني الشيعي. اليوم تحاول الحكومة الشيعية العنصرية تأسيس شرعية جديدة من خلال تضخيم انتصارها على داعش وحماية أعراض السنة ومدنهم وأنهم حماة الديار الأغيار الأبطال وصور أبطالهم من الحشد الذين هم جنود إيران تملأ العاصمة بغداد. لا بطل سنيا في المعركة فالحكومة حرصت على نصر طائفي إيراني شيعي.

المملكة العربية السعودية تغلي، فجارها الشمالي العراقي مُصرّ على المواجهة المذهبية. القيادة السعودية هنأت رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي على استعادة الموصل، وما إن وضع العبادي سماعة الهاتف مع المملكة حتى ذهب لتكريم استعراض عسكري ضخم ببغداد بمناسبة النصر شاركت فيه ميليشيات الحشد الشعبي بأعداد فلكية وبثياب البسيج الإيراني.

الإعلام العربي يصور الحشد الشيعي والميليشيات المسلحة كتهديد طائفي داخل العراق، هذا غير صحيح. فلم يعد في سنة العراق لا القوة ولا الثقة بعد أن صاروا نازحين بلا بيوت. الحشـد يتم إعـداده إيـرانيا لضرب السعودية وعلى الرياض أن تعترف بأنها في خطر. كما دعمت السعودية العراق في حرب قومية ضد العدو الخميني، فإن طهران لـم تنس ذلك يـوما وتطمح في دعم العراق في حرب شيعية ضد العدو الوهابي.

طالبت وزارة الدفاع الأميركية مؤخرا مبلغا قدره مليار وربع المليار دولار لغرض إعادة بناء القوات العراقية عام 2018 بطريقة تعوض عن خسائر القتال مع داعش. وإيران من جهة أخرى ستستمر بدعم الميليشيات. ويمتلك الجيش العراقي أسلحة ومعدات قتالية أميركية وروسية الصنع، كما يمتلك أسطولا متطورا من الطائرات المقاتلة أف 16 الأميركية، والسوخوي الروسية، ومقاتلات كورية. كل هذه القوات المسلحة ستكون في خدمة المشروع الإيراني في النهاية.

رسالة تقول اليوم “نحن بالموصل لا نقدر أن نكتب ولا نحكي، بس نقول لا حول ولا قوة إلا بالله. إذا تعرف جامع أبوزعيان الآن هو مركز استقبال الخارجين من المدينة القديمة أو بالأصح مركز إعدام وتعذيب. لا رجل يخرج من هناك عندما ترى الذي يفعلونه تتمنى ألف مرة أن تموت الضحية سريعا. تعذيب وإعدامات ميدانية مزاجية واغتصاب نساء وتعذيبهن. لنفترض أنهم دواعش هل يحق تنفيذ الإعدام أمام البيوت وبوسط العوائل؟ هل هناك داعشي يسلم نفسه؟ النساء يعاملونهن معاملة ‘تمرد’ القلب. سكان تلك المنطقة صاروا يتحولون من بيوتهم لأنهم ملوا هذه المشاهد البشعة، ولا أحد يقول باطل ولا خطية، الكل يقول حيل بيهم”.

ورسالة أخرى “قبل 3 أيام عائلة أقاربي عبرت من الجانب الأيمن الموصل القديمة. ذكروا أن النساء اللائي يمشين وحدهن للهروب باتجاه القوات الأمنية يستدرجهن الجنود بالكلام وبحجة التحقيق أين أولادكِ؟ أين زوجكِ؟ يقاتلون مع داعش؟ ويدخلونهن في البيوت الفارغة ويغتصبونهن”. هذا هو الواقع.

الصعود الصاروخي للغطرسة الصفوية بعد تحرير الموصل سيجعلهم وجها لوجه أمام القيادة الشابة السعودية. إيران ستقود شيعة العراق إلى حرب على المملكة لا محالة. لقد أثبتت طهران مكرها وقدراتها السياسية، لهذا احتاطت السعودية للأمر وعزلت الدوحة. قطر هي ذراع المخططات الإخوانية والإيرانية، فالهدف واضح وهو هدم الرياض كما تم هدم الموصل.

كاتب عراقي

8