السعودية لم تترك بصمة عنف واحدة في لبنان فلماذا الحملة عليها

الجمعة 2013/12/06

الذين يعرفون القليل من تاريخ لبنان السياسي الحديث، يدركون أن بلدا مثل المملكة العربية السعودية قد نأى بنفسه بالفعل عن الصراعات السياسية العنيفة في بلد الأرز، وليس أدل على ذلك من الحرب الطويلة التي دارت رحاها بين عامي 1975 و1990. وبينما كانت لتلك الحرب الداخلية أبعاد إقليمية، وشهدت تدخلات خارجية ولعبة أمم مكنت العديد من الدول أن تكون لها أذرع محلية، فإن الرياض نأت عن تلك الحرب المفتوحة، ولم يكن هناك تنظيم واحد بين التنظيمات المتناحرة يستند إلى دعم سعودي.

بالإمكان بالطبع إيراد هذه الملاحظة أو تلك على السياسة السعودية، غير أن الرياض ظلت بعيدة عن دوامة العنف الداخلي التي ما إن يبتعد شبحها حتى يعاود الحضور. على خلاف ذلك فإن الحرب الطويلة، انتهت بتوقيع اتفاقية الطائف في المدينة السعودية، وما زال هذا الاتفاق يشكل مرجعية للبنانيين.

وحتى قبل تلك الحرب فإن الحضور السعودي كان يقتصر على تأييد يمحضه رئيس الحكومة حين يكون الرئيس هو الراحل صائب سلام، أو أن يكون الحضور من حصة مصر الناصرية إذا كان رئيس الحكومة هو الراحل رشيد كرامي. والاثنان سلام وكرامي كانا يتعاقبان على رئاسة السراي الحكومية في الستينات وحتى منتصف السبعينات.

عُرفت السعودية أيضا بدعمها لجمعية المقاصد الخيرية التي تضم مستشفى ومدارس وكان صائب سلام (أب رئيس الحكومة المكلف الحالي تمام سلام) يتولى رئاسة تلك الجمعية. إضافة إلى دعم بعض المراكز الدينية لتحفيظ القرآن الكريم. مع ميل بعض المطبوعات اللبنانية آنذاك للسعودية، مقابل ميل مطبوعات أخرى لمصر في حقبة الصراع السعودي- المصري، منذ منتصف الخمسينات حتى حرب عام 1967.

في التسعينات كانت العلاقات جيدة بين الرياض ودمشق، والأخيرة كانت صاحبة الأمر والنهي في لبنان، وشهدت تلك الفترة انضمام قوات سورية إلى جانب السعودية ومصر في حرب استعادة الكويت من قوات صدام حسين. بينما كانت علاقات الرياض بسائر القوى اللبنانية جيدة بما في ذلك حزب الله. ولأن العلاقات كانت جيدة بين عاصمة الأمويين والرياض فقد تم تصعيد رفيق الحريري المقرب من الرياض رئيسا للوزراء، من أجل النهوض بإعمار ما هدمته الحرب.

وقد ظلت علاقات الرياض مع دمشق تتسم بالود حتى جاءت فاجعة اغتيال رفيق الحريري، ونشوء ثورة الأرز عام 2005 التي انتهت بخروج القوات السورية من لبنان بضغط داخلي أطاح أيضا برئيس الحكومة اللبنانية آنذاك عمر كرامي. وبينما ساندت الرياض- مثل بقية الدول العربية- التحقيقات الدولية بشأن جريمة الاغتيال، إلا أن حزب الله آنذاك أبدى رفضاً لتلك الجهود، وطالب بأن تتولى الجامعة العربية المهمة. وهو أمر ما كان ممكنا لأن لجان التحقيق كانت بحاجة لخبرات تقنية متقدمة، ولأن الجامعة كان يمكن أن تكون منوطة بالتوسط لحلول سياسية، لا إجراء تحقيقات فنية معقدة.

وقد تواصلت بعدئذ موجة الاغتيالات التي طالت رموزا في ثورة الأرز، من الفريق المسمى 14 آذار. وتولى حزب الله ملء «الفراغ» الذي تركه انسحاب القوات السورية. في هذه المرحلة فترت العلاقات بين الرياض وكل من حزب الله ودمشق، وقد انتهت التحقيقات الطويلة بشأن جريمة اغتيال الحريري إلى توجيه الاتهام لثلاثة أشخاص قيل إنهم منتسبون لحزب الله، ورفض الحزب تسليمهم إلى الدولة اللبنانية لتقوم بدورها بتسليمهم إلى لجنة التحقيق الدولية.

هذه المقدمة يتم سوقها بمناسبة الاتهامات المتكررة التي يوجهها أمين عام حزب الله السيد حسن نصرالله للسعودية بتعكير الأمن في لبنان. ومع تكرر هذه الاتهامات اضطر رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان إلى رفض هذه الاتهامات قائلا: «لا يجوز أن نفسد في علاقاتنا التاريخية مع دولة عزيزة وشعبها، وهنا أعني المملكة العربية السعودية، في طريق توجيه التهم إليها جزافاً من دون أي سند قضائي أو حقيقي أو ملموس». وبالمناسبة انتقد الرئيس سليمان «التدخل في أزمات دولة أخرى، وأعني سوريا، لمناصرة فريق ضد آخر، وهذا التدخل من أي طرف مدان». في إشارة واضحة للتدخل المسلح لحزب الله بوقوفه إلى جانب النظام في دمشق ضد شعبه. وهو موقف سبق أن عبّر عنه الرئيس اللبناني في خطاب بمناسبة الذكرى السبعين للاستقلال يوم 21 فبراير الماضي، ضد تورط حزب الله في سوريا وما يتركه من تفاعلات سلبية على لبنان. علاوة على ما يمثله هذا التورط من خروج عن منطق الدولة، حين يبيح طرف محلي لنفسه التدخل المسلح في شؤون بلد جار. وهكذا يكون أعلى مرجع في البلاد قد أعاد الكرة إلى مرمى حزب الله، مسهّلا لهذا الحزب التسبب بصورة ضمنية بالتوترات الأمنية التي تضرب لبنان، وخاصة شمال البلاد (طرابلس).

والأغرب من ذلك هو سوق الاتهامات ضد الرياض بمساندة مزعومة من طرفها لمنظمات تنشط في سوريا وترتبط بالقاعدة. ذلك أن الرياض ومنذ تورط أفراد سعوديون عام 2001 في تفجير المركزين التجاريين في أميركا وهي تنشط لمناوءة القاعدة في السعودية، بل إن هناك حربا مفتوحة بين الرياض وهذا التنظيم الإرهابي، ولهذا تتواتر الحملات التي يطلقها أيمن الظواهري- خليفة بن لادن- ضد الرياض التي تمكنت منذ ذلك التاريخ من تفكيك شبكات عديدة ذات ارتباط بالقاعدة، حتى لم يعد لهذا التنظيم أي وجود ونقل نشاطه بعدئذ إلى العراق، ومن العراق إلى سوريا وسط الفوضى الأمنية التي أشاعها النظام في قمعه الدموي للانتفاضة السلمية.

ترى أطراف لبنانية أن حملة السيد نصر الله على الرياض تأتي في ظل ظرف إقليمي تسعى فيه طهران إلى الانفتاح على دول مجلس التعاون الخليجي. وبالفعل قام وزير الخارجية محمد جواد ظريف بجولة شملت عواصم خليجية، ولكنها لم تشمل الرياض بعد. وفي رأي هذه الأطراف أن حملة حزب الله تهدف إلى قطع الطريق على أي تفاهم إيراني- سعودي محتمل، ولهذا سارع السيد حسن نصر الله لشن الحملة. وخلفية هذه المسألة برأي النائب أحمد فتفت هي «إيرانية- إيرانية لأن الحرس الثوري غير موافق على ما تقوم به دبلوماسية محمد ظريف والرئيس الإيراني حسن روحاني، ويسهم السيد نصرالله في هذه المعركة الداخلية في إيران، لمصلحة الحرس الثوري ويضع العراقيل أمام أي تفاهم بين إيران والسعودية».

وإلى ما تقدم يسهم حزب الله بحصته في التوترات اللبنانية الداخلية، فيما يلقي الجيش اللبناني بثقله من أجل فرض الأمن الشرعي في طرابلس، بديلاً عن الأمن الذاتي الفئوي وفي ذلك مغزى كبير ورسالة واضحة إلى جميع الفرقاء.

كاتب أردني

8