السعودية لن تبقى بلا سلاح نووي إذا امتلكته إيران

الثلاثاء 2015/03/17
كثير من الأصوات الإيرانية تعارض هي الأخرى سعي طهران لامتلاك السلاح النووي

لندن- التداعيات الخطيرة التي يمكن أن تنجرّ عن أيّ اتفاق نووي بين القوى الغربية وإيران، يسمح لها بتطوير برنامجها النووي الذي تتعلق به أخطار جمة تهدد التوازن الاستراتيجي في الشرق الأوسط، فتحت المجال، مؤخرا، للحديث عن فرضية اندلاع سباق نووي في المنطقة، عبرت عنها السعودية بكل وضوح على لسان رئيس مخابراتها السابق، تركي الفيصل الذي حذّر من أن التوصل إلى اتفاق مع إيران بشأن برنامجها النووي قد يدفع دولا أخرى في المنطقة لبدء تطوير وقود ذرّي. فرضية تناولتها دراسة صادرة عن مجموعة الشرق الأوسط الاستشارية بالدرس للوقوف على مدى قربها من التشكل في الواقع.

منذ صعود الخميني إلى الطائرة الفرنسية عائدا إلى إيران، والنزاعات لم تتوقف في منطقة الشرق الأوسط. فنجاح ما يسمى بـ”الثورة الإسلامية”، التي قادها الخميني من منفاه في فرنسا، كان له انعكساته على استقرار منطقة الشرق الأوسط، حيث أن العرب والمسلمين لم يفيقوا بعد من هول صدمة خسارة جزء كبير من الأراضي الفلسطينية، لتلحق بالمنطقة ثورة “شيعية” يقودها الفرس المعادون للنسل العربي.

ويوم بعد آخر يتأكد العرب بأنّ إيران تمثّل بالفعل خطرا حقيقيا يهدد وجودهم من خلال محاولة التمدد الشيعي إيجاد بؤر للنزاع الطائفي في الدول العربية، وكذلك من خلال سعي طهران لامتلاك السلاح النووي.

لا شك أن إيران دولة تعشق المعارك والنزاعات، فمنذ قيام الثورة الإيرانية والمنطقة تغوص في بحر من الفوضى العارمة والكل يدرك أن الشعارات التي يرفعها الساسة ورجال الدين في إيران والتي يقولون من خلالها بـ”أنّ هدفهم تحرير القدس″، ليست سوى مطية للولوج لقلوب المسلمين، لأنّ الهدف الرئيس للإيرانيين هو مكّة.

وتشير عدّة تقارير إلى أن هذه الأطماع الخفية لإيران، بالإضافة إلى تمسكها بتطوير برنامجها النووي، دفعت المملكة العربية السعودية إلى السعي للحصول على السلاح النووي ليكون قوة ردع في وجه إيران.

تهديدات متنامية

أعلن وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي، خلال لقاء جمعهم بوزير الخارجية الأميركي، جون كيري، في 5 مارس الجاري في الرياض، أنهم لن يقفوا مكتوفي الأيدي حيال المفاوضات الجارية بين القوى الغربية وإيران حول ملف هذه الأخيرة النووي، قائلين لكيري “إذا سمحتم للإيرانيين بالقيام بأي أنشطة نووية، يجب أن تسمحوا لنا بالقيام بمثلها. وإذا سمحتم لهم بامتلاك الأسلحة النووية، سنتوجه كذلك نحو امتلاكها”.

ويعكس هذا الموقف شعورا عاما بأنّ إيران إذا ما حصلت على هذه الأسلحة فهي تتحدي النظام العالمي، والقانون الدولي وقرارات مجلس الأمن الدولي، وستوسع من تدخلاتها الإقليمية ضد الدول المتحالفة مع الولايات المتحدة.

وتوازيا مع هذه التصريحات، هناك بعض الخطوات العملية التي مازالت غير واضحة تماما من حيث طبيعتها، فالمملكة العربية السعودية تسرع الخطوات نحو وضع الأساس لأكبر تحالف سني، خاصّة في ظل ارتفاع التوقعات حول إمكانية التوصل لاتفاق نووي بين إيران ومجموعة الخمسة زائد واحد.

إضافة قدرات نووية لإيران حتى و إن كان على مستوى التصور يضفي على الوضع برمته خطرا كبيرا لا يمكن تجاهله

وتركز الرياض الآن على روابطها العسكرية مع باكستان، ويمكن أن يكون لهذا التوسع المتوقع في العلاقات السعودية الباكستانية أثر بالغ على البناء الاستراتيجي في منطقة جنوب آسيا، ويمكن أن يؤدي إلى انهيار معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية في الشرق الأوسط.

وفي الرابع من مارس الجاري، وصل رئيس الوزراء الباكستاني نواز شريف إلى الرياض، في زيارة هي الثالثة من نوعها خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة، وحظي باستقبال حار من جانب الملك سلمان.

وقد نفى عدد من المسؤولين السعوديين بشكل قاطع موجة التكهنات المتعلقة بالبعد النووي الكامن وراء توسيع العلاقات التي تلت وصول شريف إلى العاصمة السعودية، لأنّ أي اتفاق نووي بين البلدين يكون في الواقع لعبة نحو التغيير في المنطقة، وسوف يجلب العديد من المشاكل لعلاقات الرياض مع العديد من القوى الدولية. ولكن هذا لا ينفي أنّ المنظور السعودي للوضع الإقليمي عموما ربما يضع في حساباته بعضا من تلك التكهنات.

وتواجه المملكة تحديات إستراتيجية خطيرة، حيث تسيطر إيران بشكل كلي تقريبا على المشهد السياسي في العراق وتستعد لفعل الشيء نفسه في سوريا. كما تمكنت إيران من إيجاد موطئ قدم لها في اليمن من خلال الأزمات التي مرّت بها.

وتمثل القدرات العسكرية والصاروخية الكبيرة للإيرانيين تهديدا كبيرا يثير الكثير من الجدل. وبالتالي فإن إضافة قدرات نووية لإيران في ظل هذا المزيج بين ما هو عسكري وما هو سياسي، حتى و إن كان على مستوى التصور، يضفي على الوضع برمته خطرا كبيرا لا يمكن تجاهله.

وتفيد تقارير بأن لدى المملكة العربية السعودية خططا لامتلاك برنامج نووي، في حين ينفي المسؤولون السعوديون ذلك بشدة، ولكنهم يعبّرون عن قلقهم من تدهور الأمن في المنطقة.

في حال استطاعت إيران امتلاك القنبلة النووية يمكن لباكستان توفيرها للرياض إلى أن يتم إنشاء قدراتها المحلية

ورقة الضغط الباكستانية

ليس سرا أن المملكة العربية السعودية تمتلك الطاقة النووية لأغراض سلمية، ولكنها لا تمتلك حتى الآن بنية تحتية مناسبة لإنتاج السلاح النووي، ولا يعني هذا أنّها ربما لم تحاول القيام بذلك سرا. ففي عام 2011، أعلنت المملكة عن خطة طموحة لإنشاء برنامج نووي لأغراض مدنية. ولا شك أن هناك حججا صالحة لتبرير إنشاء مثل هذا البرنامج مثل الاحتياجات المحلية من الطاقة، والتي تستهلك ما يقارب ثلثي إنتاجها من النفط. لكن البرنامج النووي لأغراض مدنية لا يشكل قلقا بالنسبة لبعض القوى الدولية والإقليمية بقدر سعي المملكة لامتلاك الطاقة النووية لأغراض عسكرية.

ومع ذلك يتحدث الكثير من السعوديين عن أن التزام المملكة باتفاقية حظر انتشار الأسلحة النووية أمر مفروغ منه. في المقابل عليها مواجهة التهديدات النووية لإيران التي ألقت بهذه المعاهدة جانبا، بالإضافة إلى أنّ إسرائيل التي تقع في نفس المنطقة، رفضت التوقيع على هذه المعاهدة.

وتتردد هذه الحجة حتى في الأوساط رفيعة المستوى في الرياض، خاصة أنّ حيازة أسلحة نووية لأغراض عسكرية يعتبر خطرا في منطقة تتميز بالضبابية وعدم وضوح الرؤية.

وفي ظل الوضع الراهن في منطقة الشرق الأوسط حيث سيطرت قوى موالية لإيران على اليمن المجاور للسعودية، إلى جانب تعاظم نفوذ طهران على أرض المعارك في سوريا والعراق، دون التغافل عن القوة العسكرية لـ”حزب الله” في لبنان، تعد جميعها عوامل دفعت المملكة العربية السعودية ذات التوجه السني لتكون أكثر تصميما على إنشاء بنية تحتية للطاقة النووية.

وقد قامت السعودية عام 2011، بتخصيص نحو 80 مليار دولار لإنشاء 16 مفاعلا نوويا. و من المقرر أن يكون ذلك على رأس جدول أعمال الإدارة السعودية الجديدة بقيادة الملك سلمان.

16 مفاعلا نوويا من المقرر أن تكون على رأس جدول أعمال الإدارة السعودية الجديدة بقيادة الملك سلمان

ويسود اعتقاد بأن باكستان ستكون الممول الرئيس لبرنامج الطاقة النووية السعودي، لأغراض مدنية، كما أنه لا يمكن استبعاد الاحتمال القائل بأن المملكة العربية السعودية اشترت صواريخ صينية، وهي اليوم جاهزة لحمل رؤوس نووية.

وليس أمرا مفاجئا أن تضاف دولة جديدة إلى قائمة الدول النووية في الشرق الأوسط كل بضعة عقود، ولكن المناخ الأمني العام في المنطقة يعدّ الآن في أسوأ حالاته. وبالفعل فقد تصبح السعودية مضطرة لامتلاك السلاح النووي إذا ما تسنى لإيران امتلاكه. وفي حال استطاعت طهران امتلاك القدرة على إنتاج القنبلة النووية أو اختارت ذلك، فيمكن لباكستان توفير هذه الأسلحة للرياض إلى أن يتم إنشاء قدراتها المحلية.

ولكن تمرير باكستان لهذه الأسلحة إلى المملكة العربية السعودية سيكون له انعكاس أكثر تعقيدا على الاستقطاب الثنائي بين الهند وباكستان في منطقة جنوب آسيا، حيث أن العلاقات السعودية الباكستانية ستضع البلدين في مواجهة التحالف الهندي الإيراني، دون التغافل عن الدور الصيني الذي سيصب في صالح حليفتها التاريخية إسلام آباد.

وهو أمر سيفتح الباب على مصراعيه أمام أزمة أمنية في الشرق الأوسط يمكنها أن تجعل الصين أقرب إلى المنطقة، وهو ما يجعل آثار الاستقطاب في منطقة الشرق الأوسط تتوسع إلى جنوب آسيا.

و في الشهر الماضي، زار رئيس هيئة الأركان المشتركة الباكستانية الجنرال محمود رشاد، الرياض و يمكن أن يكون سبب الزيارة إجراء مشاورات أمنية متزايدة بشكل واضح بين البلدين.

ولا تخفي المملكة العربية السعودية توجسها من الملف النووي الإيراني، حيث صرّح الأمير تركي الفيصل لهيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي”، الإثنين، أن السعودية وغيرها من الدول ستسعى في هذه الحالة للحصول على الحق نفسه.

وقال الأمير تركي الفيصل الرئيس السابق لجهاز المخابرات السعودي “قلت دائما، مهما كانت نتيجة هذه المحادثات فإننا سنريد المثل، لذلك فإذا كان لإيران القدرة على تخصيب اليورانيوم بأيّ مستوى، فإن السعودية لن تكون الوحيدة التي تطلب هذا الأمر”.

وأضاف أنّ مثل هذه الاتفاقات من شأنها أن “تجعل العالم مفتوحا على انتهاج هذا المسار بلا مانع، وهذا هو اعتراضي الرئيسي على هذه عملية”.

مثل هذه التصريحات والتحذيرات التي تصدر عن المسؤولين السعوديين وغيرهم من بلدان المنطقة الأخرى، يبدو أنها تفيد بأن منطقة الشرق الأوسط، أصبحت بالفعل فضاء مفتوحا أمام فرضية اندلاع سباق على التسلح النووي، شبيه بذلك الذي حدث منذ عقود بين الهند وباكستان.

تفاصيل أخرى:

الاتفاق مع إيران يفتح الباب على مصراعيه لسباق تسلح نووي إقليمي

7