السعودية وأميركا نحو التعامل مع إيران وحزب الله بالقطعة

الثلاثاء 2014/11/25

تنحو السياسة الإيرانية غالبا إلى التعامل مع الآخرين على قاعدة الحصول على اتفاقات شاملة مقابل تقديم تنازلات بالقطعة، وتسهيل انفراجات جزئية في مناطق الأزمات التي تديرها طهران وتشرف عليها.

التحول البارز الذي ظهر في هذه الفترة يشهد على انقلاب لهذه المنظومة ضد إيران وحزب الله، حيث بدا أن السعودية وأميركا تسعيان للتعامل مع إيران وفقا للمنطق نفسه.

إيران كانت تسعى في مفاوضاتها النووية إلى الحصول على رفع كامل للعقوبات مقابل ضبط مشروعها النووي وليس التخلي عنه.

لا تريد إيران أن يرفق هذا الاتفاق بأي تنازل سياسي، بل تسعى إلى الاستمرار في إدارتها للحرائق في المنطقة، وتحويل رفع العقوبات عنها إلى مشروع يضمن لها استعادة فاعليتها التمويلية لنظام الأسد وحزب الله إلى سابق عهدها.

قبلت أميركا بحصر الكلام مع إيران حول ملفها النووي وعمدت السعودية إلى تجزئة التعامل مع إيران، فقد طالب مندوبها الدائم لدى الأمم المتحدة عبدالله المعلمي في كلمة المملكة أمام مجلس الأمن إلى “إصدار قرار يضع جميع التنظيمات الإرهابية الموجودة في سوريا على قائمة العقوبات بما فيها ميليشيات حزب الله، وفيلق أبي الفضل العباس، وعصائب أهل الحق وغيرها”، ولكن دون ربط هذه الدعوة بموقف عام من قضايا المنطقة.

تيار المستقبل في لبنان تلقف المنطق السعودي فأعلن أنه غير معني به في ما يخص مشروع إطلاق حوار داخلي مع حزب الله يكون العنوان الأساسي فيه الوصول إلى اتفاق بشأن انتخاب رئيس للجمهورية.

تتوازى هذه المسارات مع خسارة إيران قدرتها على توظيف أزمة البحرين لصالحها بعد المشاركة الكثيفة في الانتخابات، وتجاهل البحرينيين لدعوات المقاطعة التي أطلقتها جمعية الوفاق المعارضة التي تدعمها طهران. كذلك باتت قدرة إيران على تجاوز آثار العقوبات القاسية عليها محدودة في ظل استفادة حلفائها من الواقع الذي تفرضه هذه العقوبات لابتزازها، إذ أن الصين التي مازالت تمثل حتى هذه اللحظة المستورد الأكبر للصادرات الإيرانية بشكل عام والنفطية بشكل خاص طالبت بتخفيض كبير في أسعار النفط الإيراني الذي تستورده في ظل غض نظر دولي وعربي هو على أغلب الظن جزء من المعركة ضدها كونه يكلفها خسائر فادحة.

النفط الإيراني يباع للصين بأسعار أقل بكثير من السعر العالمي، وها هي الحرب النفطية ضد إيران تسهّل ابتزاز الصين لها، فتضطر إلى بيع نفطها لها بأسعار زهيدة للغاية، لا تتيح لها تمويل استثماراتها في الأزمات المندلعة في المنطقة، ما سينعكس بشكل خاص على استثمارها الأكبر وهو حزب الله.

يضاف إلى ذلك أن روسيا التي كانت تعتمد عليها إضافة إلى الصين لتشكيل ثنائي دولي داعم لها لا تحتاج نفطها، وقد أظهرت في الآونة الاخيرة ميلا للتفاوض على رأس الأسد، وهو أمر إذا ما تم فإن من شأنه أن يجعل إيران بلا أنياب في منطقة الأزمات التي تعول عليها لكسب أوراق تتيح لها ابتزاز السعودية ومفاوضة الغرب، كما أن روسيا مشغولة بتداعيات الأزمة الأوكرانية وآثار انخفاض أسعار النفط على اقتصادها الوطني.

السعودية قررت أن تتعامل مع إيران بالقطعة كذلك فالدعوة إلى اعتبار حزب الله حزبا إرهابيا مفصولة عن تسهيل الحوار مع حزب الله في لبنان وهو أمر لم تعتد عليه إيران من السعودية التي كانت تسعى دوما للتوصل إلى اتفاقات شاملة.

كانت إيران تستغل هذا النزوع وتستمر في إذكاء الحرائق وتفاوض عليها بالقطعة، وتنال مكاسب صغيرة ولكن كثيرة تسمح لها حين تجتمع نتائجها مع بعضها بعضا بالاستمرار في بسط نفوذها وتقويته في المنطقة.

كذلك تفعل الولايات المتحدة فهي تفصل المسألة السورية والحرب على الإرهاب عن التفاوض حول الملف النووي الذي شاءت إيران من خلاله تمكين نفوذها من خلال انضمامها للحلف ضد الإرهاب الذي اجتهدت في إعطائه توصيفا خاصا يضم خصومها السياسيين والعقائديين والمذهبيين من السنّة، وهو الأمر الذي انتبهت إليه الإدارة الأميركية ووعت أبعاده الكارثية بعد أن تكشّف لها عمق الخطر الذي يسببه إقصاء السنّة وتهميشهم والذي ينذر بخلق إرهاب عالمي بلا حدود.

ربما يكون هذا الوعي المستجد هو الذي دفع بالولايات المتحدة للشروع في تسليح العشائر العراقية السنية واعتبارها حليفا فعليا وأساسيا في الحرب على الإرهاب، والسنّة هم الفئة التي كانت إيران تسعى إلى تصفيتهم عبر حليفها المالكي الذي كانت التضحية به أولى بشائر الوعي بخطورة دفع السنّة إلى الركون إلى الخيار الداعشي.

حصل هذا خارج مسار الاتفاق النووي الذي يبدو أنه قد فشل أو هو يتجه نحو تمديد غير طويل الأمد، إذ أن الجمهوريين الذين سيطروا على الكونغرس في الانتخابات التي جرت مؤخرا سيستلمون مهامهم في شهر يناير من العام القادم، وهم ميالون ليس إلى رفع العقوبات عن إيران بل إلى تشديدها، وقدرة الرئيس الأميركي على منعهم من ذلك ستكون محدودة للغاية.

لقد تحوّل المشروع النووي إلى مشروع انقسام في الداخل الإيراني بين وعود روحاني بتحقيق الرخاء والوفرة الاقتصادية حيث تم توكيله بإدارة هذا الملف بتغطية من الولي الفقيه حملت عنوان “التنازل البطولي”، وبين نظام ملالي يقف على رأسه الولي الفقيه نفسه الذي يريد استثمار النجاح في رفع العقوبات في إعادة إنتاج النظام نفسه وبالشكل نفسه وهو نظام يناصب الغرب والعرب العداء.

حرصت إيران على أن تقدم للعالم نوعين من إيران؛ واحدة تتخذ هيئة روحاني وظريف، وأخرى تتخذ ملامح خامنئي وسليماني والحرص على القول إن كلا منهما تتناقض مع الأخرى.

إيران التي تتفاوض هي إيران روحاني وديبلوماسية ظريف، وتاليا فإن نجاحها في رفع العقوبات سيصب ضد إيران البشعة الأخرى الخاصة بخامنئي وسليماني.

بدا وكأن المفاوض الإيراني يريد أن يصمم خطابا نوعيا يقدمه للغرب يطلب فيه المساعدة في الحرب على الإرهاب الإيراني الآخر. كان هذا آخر ما أنتجته القريحة الإيرانية “الإلهية”.

الرد الأميركي والدولي على هذا المنطق كان بالتعامل مع إيران ككتلة واحدة، وكذلك فعلت السعودية حيث فصلت دعوتها إلى اعتبار حزب الله إرهابيا عن التفاصيل الداخلية لدول المنطقة من قبيل الحوار اللبناني الذي لم تقف في وجهه.

ربما لم ينتبه الكثيرون إلى أن الحوار هو كلمة ديبلوماسية رقيقة لها مرادف أكثر وضوحا هو التفاوض.. الحوار يكون مع زملاء وشركاء ولكن التفاوض يكون بين أعداء، وهذا هو الوجه الحقيقي للتعامل السعودي والغربي مع إيران.. انتهى زمان البيع بالجملة وعلى إيران أن تدفع ثمن كلّ تفصيل بسعره الأساسي، دون أي أمل في الحصول على خصومات.


كاتب لبناني

3