السعودية وإيران

الخميس 2016/01/21

السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو ما السبب خلف الدعم الأميركي غير المباشر لإيران ولماذا يحدث ذلك؟ أين التحالف الذي استمر نحوا من سبعين سنة؟ وهل آن الأوان لاستبعاد التفكير في حلول أميركية لمشكلة تولى تضخيمها وتكبيرها، ثم تلبيسها لباسا أكبر منها الشيطان الأميركي الأكبر؟ ما الذي يمكنه أن يستفيده من ذلك النمر الورقي؟ هل نتحدث عن فائدة نفطية مثلا، بعد رفع العقوبات عن إيران.

إن كان كذلك، فقد أخطأ الأميركي لأن الدخول الإيراني لسوق النفط الآن ومع هذا الانخفاض الكبير سيزيد من العرض، وبالتالي من انخفاض السعر وهو ما يعني أن الاستفادة الأميركية من النفط الصخري ستستمر صفرا لارتفاع تكلفة إنتاجه. ولكن قد تكون الفائدة بعيدة المدى في هذا الجانب، بحيث تستمر عمليات الشراء الأميركية بسعر منخفض للمخزون الاستراتيجي المتبعة لديها منذ العام 1975، إنما ذلك لا يمكن اعتباره سببا رئيسيا في الدعم الأميركي والتفاعل مع النمر الورقي الإيراني ودعم توسعه في الشرق الأوسط.

ولو أننا فكرنا في ذلك قليلا فإننا لن نجد أكثر من رؤية قاصرة لم تستطع فهم العرب بشكل صحيح. مهما كانت نظرة الآخر للعربي فهي لم تصل إلى حد معرفته بالشكل الصحيح.

العربي قد يكون أنانيا لا يمد يد العون لمن يخالفه من العرب، وقد يكون ذا نظرة لا تبتعد عن محيطه الشخصي، وقد لا يرى أبعد من أرنبة أنفه، وقد يرى أن الوحدة حلم مستحيل التحقيق، وقد يعمل أيضا لكي لا تتحقق تلك الوحدة، ولكنه ومهما فعل فلن يقبل الرضوخ لأعجمي أيا كان ذلك الأعجمي.

هنا حديثي عن العرب والأعراب وليس عن المستعربين الذين يعلمون أن الحسين عربي وأن فاطمة عربية وأن ذلك اللغز المختبئ في السرداب عربي وأن عليا عربي والحسن عربي، فكيف يكون أمرهم لأعجمي بالكاد يتقن العربية، إن تحدثها.

وهذان عينة من أولئك المستعربين، علي شمخاني أمين عام المجلس الأعلى للأمن القومي، وجاسم جارودي محافظ إقليم بندر عباس وهما أحوازيان وكانا برفقة روحاني أثناء زيارته للأحواز. ذكرتهما هنا للتذكير بهما فمهما بلغت طائفيتهما فلا يصح أن ينضما إلى أعجمي يقودهما كـ”الرخال”، فهذا من مساوئ الأخلاق ومن علامات الشقاق والنفاق. لذا فحديثي ليس عن هؤلاء المستعربين، بل عن العرب منهم ومنا، والأعراب منا ومنهم، وهم كل من يرفض أن يلطخ جبينه بعار انهزاميته وسقوطه تحت سيطرة الأعجمي من الفرس أو غيرهم.

المملكة العربية السعودية تحمل في اسمها عروبة، وتحمل في جنسها عروبة، وتحمل في تاريخها عروبة، وهي أساس للعروبة منذ تاريخ سحيق، ولا يجادل في عروبتها إلا جاهل أو حاقد. وهي الأم الرؤوم التي جمعت عرب الخليج في حضنها الكبير وجعلت من نفسها العمق الاستراتيجي لهم وأعطت لكل ذي حق منهم حقه، ووقفت إلى جانبهم أينما وكيفما احتاجوها. لن أخوض كثيرا هنا إنما سأسترفد أحداثا من التاريخ لتأكيد عروبتها وكيفية تعاملها مع الجار الذي جار، ذلك الفارسي الأعجمي المدعو إيران.

التاريخ يؤكد دور المملكة في الدفاع عن إمارة الشارقة وحمايتها أثناء التفاوض مع بريطانيا وذلك بهدف منع الشاهنشاهية الإيرانية من استغلال الجزر. وهي كذلك من مكن حاكم الشارقة من وضع علم بلاده على جزيرة أبو موسى. ثم استمرت في دعمها معنوياً بعد إعلان الاتحاد ولم تتوقف يوما عن المطالبة بالجزر الإماراتية المحتلة، ودعت طهران لأكثر من مرة للحديث حول الجزر إلا أن الطرف الفارسي يفتقد الدليل على ملكيتها ولذلك يرفض الاستجابة للنداءات العربية الصادرة من الدولتين السعودية والإماراتية.

وإذا كان هذا المثال قديما إلى حد ما، فلعل الوقفة السعودية مع الشرعية اليمنية ضد القوى التي ارتمت في الحضن الإيراني، دليل آخر على عدم قبول المملكة للتدخلات الإيرانية في أي دولة خليجية أو عربية. إضافة إلى تلك الجهود الضخمة للمملكة في المجالات السياسية والاقتصادية لدعم دول المواجهة مع إسرائيل والتي كانت تزيد باستمرار وخاصة بعد حرب العام 1973، كما قررت تسخير جزء من عوائدها لدعم الدول العربية وخدمة أهدافها أينما وكيفما كانت. ولا ننسى قرار المملكة إيقاف تصدير النفط وما كان له من تأثير كبير على الساحة الدولية.

السعودية هي المانح الأكبر والداعم الرئيس للدول العربية بشكل عام، وهي المستقبل الأكبر للاجئين الذين تضمهم في مجتمعها للتعايش الآني والآتي. وإذا كان ما سبق مجرد أمثلة صغيرة لعروبة السعودية فهي في مواجهتها للجار الذي جار، صاحبة موقف رجولي فلا تحاربه بالأيدي الخفية والعصابات والتنظيمات الإرهابية كما يفعل هو منذ ثورته عام 1979، فالعادة والأخلاق الموروثة هما السببان الرئيسان خلف ذلك. ولعل هذا هو السبب خلف صعود اسم خادم الحرمين الشريفين في الأحواز العربية المحتلة، خاصة بعد بدء عاصفة الحزم ومواجهة الأذناب الإيرانية في اليمن.

عملية الانسحاب الأميركي من الخليج العربي وترك المساحة للدول الإقليمية للصراع، في الظاهر، بينما تدعم هي وتؤيد من كانت تصوره خصما شرسا وكان هو يصورها بالشيطان الأكبر، أمرٌ يجعل من الضرورة أن يقوم مجلس التعاون الخليجي بوضع استراتيجية واضحة المعالم والأهداف، وبآليات تنفيذ فعالة لإيقاف التدخلات الإيرانية التي تهدف إلى تعبئة المكون الشيعي ضد الدولة الأم وعلى حساب الهوية الوطنية لتلك الدولة العربية المستهدفة، بل الواجب هو العمل على التغلغل في الداخل الإيراني مع الأخذ في الاعتبار أن تضع دول المجلس في أولوياتها القضية الأحوازية من الناحية السياسية والأمنية، لأن ذلك مطلب رئيسي لنجاح أي خطة عمل تقتضي مواجهة إيران، إضافة إلى القوة الأحوازية التي تستحق الدعم والمؤازرة والمشاركة.

الحقيقة أن خطوة السعودية بإنشاء قناة فضائية ناطقة باللغة الفارسية موجهة للداخل الإيراني هي ضربة ذكية جدا، فقد حذر منها مستشار وزير الثقافة الإيراني محمد جعفر محمد زادة في حديثه الذي نشرته وكالة “اعتدال” الإيرانية وقال إن السعودية تحاول “مد نفوذها داخل إيران والتدخل في الشأن الإيراني الداخلي ثقافيا من خلال بعض البرامج الناطقة باللغة الفارسية والموجهة إلى العمق الإيراني”. واعتبر المستشار هذه القناة خطرا يداهم المجتمع الإيراني خاصة البرامج من عينة برنامج “همساية” باللغة الفارسية الذي أقض مضاجع الإيرانيين. كما حذرت منها كذلك وكالة “فارس″ الإخبارية الإيرانية مما يشير إلى سرعة انتشار القناة في المجتمع الفارسي.

ولكن في المقابل، نجد أن إيران تمتلك ماكينة إعلامية ناطقة باللغة العربية موجهة إلى الدول العربية منها العشرات من القنوات الفضائية والمواقع والوكالات الناطقة باللغة العربية، وجميعها تهدف إلى بث الفتنة الطائفية بين العرب، وقد نجحت في ذلك في عدد من الدول كالعراق وسوريا ولبنان ومكنت لميليشياتها وقواتها في تلك البلدان، ولكنها، ولا شك، فشلت فشلا ذريعا في البحرين واليمن نتيجة لوقوف السعودية وحلفائها في وجه ذلك التدخل الإيراني الأرعن.

كاتب سعودي

8