السعودية وإيران: كي ينام الذئب وعينه مفتوحة

الأحد 2014/08/10

التوتر وعدم الثقة المُطلقة هو العنوان الأبرز للعلاقات السعودية الإيرانية منذ اندلاع الثورة الإيرانية عام 1979، وهو عدم ثقة متبادل، بمعنى الريبة المتبادلة بين الطرفين حول نيات كل منهما تجاه الآخر.

عدم الثقة هذا أمر طبيعي، في ظل الظروف الدولية والإقليمية التي تعيشها المنطقة والعالم. فكلا الطرفين، السعودية وإيران، قوة إقليمية لها من المصالح والمطامح ما قد يتعارض مع مصالح الطرف الآخر ومطامحه، حيث ترتكز المصلحة الإيرانية العليا على عدم ديمومة الاستقرار الإقليمي، فيما تقوم المصلحة السعودية العليا على ديمومة هذا الاستقرار، أو هكذا يبدو الأمر في هذه اللحظة الزمنية من تاريخ المنطقة والعالم.

بالإضافة إلى ذلك، فإن إيران منذ اندلاع ثورتها، وهي تقدم نفسها على أنها التجسد السياسي للإسلام الثوري، إسلام المظلومين والمستضعفين، وبالتالي فإنها يجب أن تكون هي الممثل الحقيقي للإسلام والمسلمين في عالم اليوم، في الوقت الذي ترى فيه السعودية أنها هي هذا الممثل وذاك التجسد، بصفتها راعية لأقدس بقاع الإسلام في مكة والمدينة، وبصفتها ذات نظام سياسي تقوم شرعيته على أسس دينية، ومن خلال نظرتها بأنها تقدم نموذجا لإسلام معتدل التوجهات. بإيجاز العبارة، ومنظورا إلى المسألة في هذا السياق، فإن العلاقة “الأيديولوجية” بين السعودية وإيران تتحدد حقيقة بكون إحدى الدولتين تمثل الجناح السني السلفي المحافظ في الإسلام، بينما يُمثل الآخر الجناح الشيعي الإثني عشري الثوري في الإسلام، وإذا أردنا إيجازا أكثر من ذلك، يمكن القول إنه نوع من الصراع الخفي بين الشيخ محمد بن عبدالوهاب (1703-1791)، وبين آية الله روح الله الخميني (1902-1989)، بكل ما تحمله العلاقة بين الجناحين، والصدام بين المذهبين من حمولات تاريخية وعقدية وبالتالي انعكاسات سياسية.

بعيدا عن الفروقات الأيديولوجية والعقدية بين السعودية وإيران، وليس بعيدا عنها حقيقة الأمر، فإنه على الجانب الإيراني، وبعد انتصار الثورة هناك، تشكلت النظرة الإيرانية للعالم أجمع على أسس التنظير السياسي لآية الله الخميني، القائم على موقف حديّ وقاطع من كافة الأنظمة وكافة السلوكيات التي لا تتواءم مع تقسيم العالم إلى معسكرين متعارضين بالضرورة: معسكر المستضعفين، وعلى رأسه تقف الجمهورية الجديدة في إيران، ومعسكر قوى الاستكبار ومن والاهم، وتقف الولايات المتحدة على رأس هذا المعسكر، وهو ذات التنظير “القاعدي”، و”الداعشي”، القائم على تقسيم العالم إلى فسطاطيْ كفر وإيمان، وهو ما يتفق حتى مع تنظير الشيخ محمد بن عبدالوهاب في القرن الثامن عشر، وتنظير “إخوان من أطاع الله” في بداية القرن العشرين، فالحديّة الأيديولوجية والعقدية واحدة في هيكلها، وإن اختلف المضمون. ولكن ذلك قصة أخرى. المهم أنه ليس هناك وسط في هذه النظرة وذاك التنظير، ولا مجال للحركة السياسية المرنة، بل ولا مجال للسياسة بالمعنى المعروف من حيث استنادها إلى عقلانية فن الممكن، وممارسة فن التفاوض في الأخذ والعطاء ومن ثم التوصل إلى حل وسط Compromise يرضي الأطراف المتفاوضة، فمثل هذا الأمر يستلزم الإقرار بنسبية الأمور، والمذاهب الحديّة لا تعرف النسبية ولا تعترف بها.


الأيديولوجيا الحدية


بشكل عام، فإنه حين يقوم النظام السياسي على أساس أيديولوجيا حدية قاطعة، فإن السياسة وفن ممارستها أمر غير ممكن، وخاصة عندما تكون الدولة أو النظام في أول مراحل التأسيس، إذ أن العقلانية السياسية والعملية تجد لها منفذا بعد ذلك، وإن مورست خلال مثل تلك الفترة، فإن ذلك يكون ضمن استراتيجية بعيدة المدى، هدفها النهائي هو تحقيق مقولات الأيديولوجيا الحدية المتبناة، وهو ما تعبر عنه أفضل تعبير مقولة الخميني الشهيرة بعد القبول بقرار وقف إطلاق النار في الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988)، من أن هذا القبول أشبه ما يكون بتجرّع كأس من السم. فأنت وفقا لهذا التنظير إما أن تكون معي أو أنت بالضرورة ضدي، والأمور إما أبيض أو أسود، ولا وجود للرمادي أو أية ألوان أخرى، وهو ذات التنظير الذي نجده لدى أميركا خلال سنوات المحافظين الجدد، وبعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر. بل إن أفضل مثال على مثل هذه العقلية الحديّة نجده في ذات التاريخ السعودي الحديث، وذلك عندما منع الملك عبدالعزيز آل سعود (1876-1953)، جنوده من “الإخوان” من الإغارة على العراق وشمال البلاد وذلك في سنوات تثبيت كيان الدولة بعد هدوء عاصفة التكوين، فكان ردهم إن كان هؤلاء كفارا فلماذا يُمنعون من حربهم، وإن كانوا مؤمنين فلماذا حاربوهم في السابق؟ منطق لا يعرف السياسة ومتطلبات الظروف الموضوعية ومنطق الدولة، ومن المعلوم أن الملك عبدالعزيز حاربهم وقضى عليهم في معركة السبلة المشهورة عام 1929، وكان لا بد أن يحصل ذلك كنتيجة حتمية لحل تناقض منطق الدولة ومنطق الثورة. وفق هذا التنظير، كانت السعودية وبقية دول الخليج، بل وكل الأنظمة العربية، واقعة بالتالي ضمن كتلة أو معسكر قوى الاستكبار العالمي، أو من الموالين له والتابعين له على أقل اعتبار.

ومن هنا، فإن نشر الثورة في هذه المنطقة بالذات، منطقة الجزيرة والخليج، كان جزءا لا يتجزأ من السياسة الخارجية الإيرانية طوال فترة حياة الخميني، وما بعد ذلك لفترة غير قصيرة، وذلك حتى مجيء هاشمي رفسنجاني، ومن بعده محمد خاتمي إلى سدة الرئاسة الإيرانية، حيث بدا وكأن السياسة الخارجية الإيرانية قد تغيرت وبدأت تسلك مسلكا أقرب إلى العقلانية في علاقاتها مع دول الجوار، ولكن مرشد الثورة، والحرس الثوري، وبقية مؤسسات الثورة الخمينية كان لهم رأي آخر في النهاية. فسياسة نشر الثورة وتصديرها، كانت تهدف إلى الحفاظ على دولة الثورة ممن هم أعداؤها بالضرورة، وبالتالي كان لا بد من تدميرهم قبل أن يدمروها. فأمن الثورة وأمن الدولة أصبحا وجهين لعملة واحدة في مثل هذه الحالة، وفي مثل كل حالة مشابهة. وتماهت الأيديولوجيا، بصفتها موقفا حديّا، مع السياسة، بوصفها فنّا للممكن، فكان الوضع الإيراني خلال سنوات ما بعد الثورة.

وعلى الضفة الأخرى للخليج، كانت السعودية تنظر بعين الحذر إلى ما يجري في الداخل الإيراني بعد سقوط الشاه، وانعكاسات ذلك على السياسة الخارجية الإيرانية، سواء الرسمي منها والمعلن، أو ما هو ممارس في الخفاء دون إعلان، وهو الأهم. صحيح أن التعامل الحذر كان هو عنوان العلاقات السعودية الإيرانية حتى أيام النظام الشاهنشاهي القديم، ولكن كان هناك حد أدنى من التفاهم المتبادل، والعتبة التي لا يمكن تخطيها، ولكن كل ذلك انهار بالكامل مع النظام الجديد، وأصبح كل شيء ممكنا، خاصة وقد وضعت الثورة النظام السياسي السعودي ونظام الشاه في سلة واحدة. فإيران، ومن خلال محاولتها الحفاظ على “أمن الثورة”، وهو مفهوم مطاط قد يعني أي شيء وكل شيء، أخذت تلعب أوراقا سياسية كانت في غاية الحساسية بالنسبة إلى الأمن الداخلي لدول المنطقة، وجزءا من العتبة المحرمة التي لا يجوز تجاوزها أيام النظام القديم. وكانت الورقة الطائفية الشيعية أكثر هذه الأوراق حساسية وخطرا بالنسبة إلى أكثر دول المنطقة، وخاصة السعودية بصفتها الأكبر والأهم بين دول الخليج العربي. لذا فقد قامت دول الخليج الست بالتنسيق في ما بينها، وأسست مجلس التعاون كنوع من ردة الفعل الأمنية المباشرة للثورة الإيرانية، والحرب العراقية الإيرانية التي اشتعلت في أعقاب الثورة مباشرة. لذا كان من الطبيعي ومن المنطقي أن تتحالف معظم دول المجلس مع العراق في تلك الحرب من أجل الحفاظ على أمنها الداخلي، وكياناتها السياسية في المقام الأول، وليس بالضرورة من منطلقات أيديولوجية قومية كانت أو إسلامية، لا تعني الكثير في تحديد اتجاهات السياسة الخارجية الفعلية لهذا البلد أو ذاك.


مرحلة "الثيرمادور"


تحالف السعودية خاصة مع العراق في حربه مع إيران، زاد من شقة عدم الثقة بين البلدين، وأخذ يُنظر إليه من الجانب الإيراني على أنه جزء من مؤامرة دولية، يقف على رأسها الشيطان الأكبر، للقضاء على الثورة الإسلامية، التي أخذت تنتشر في كل مكان، وفق التصور الإيراني. كما أن تصميم إيران على مواصلة الحرب مع العراق مهما كانت الخسائر والتضحيات، كان مؤشرا بالنسبة إلى السعودية ودول المنطقة، بل وكل دول الجوار تقريبا، على النية الإيرانية في نشر الثورة، وفق المفهوم الإيراني، أو الاضطرابات وعدم الاستقرار، وفق المنظور السعودي. ومن هنا، كان لا بد من عدم السماح بانهيار العراق، لا لأنه مجرد بلد عربي أو نحو ذلك من معطيات أيديولوجية ووجدانية قد لا تكون ذات أثر كبير في اتخاذ القرار، بل لأن انهياره يعني هيمنة إيرانية مطلقة على كل المنطقة، وما يعنيه ذلك من انهيار دول وأنظمة. هذا بالنسبة إلى حسابات السعودية ومعظم دول مجلس التعاون خاصة، أما بالنسبة إلى الحسابات الإقليمية والدولية الأخرى، فتلك قضية أخرى لا يتسع المجال لمناقشتها.

مع انتهاء الحرب العراقية الإيرانية، أو حرب الخليج الأولى، ووفاة الخميني، بدأت رياح التغيير تهب على طهران، وبدأت الثورة في دخول مرحلة “الثيرمادور”، كما يسميها دارسو الثورات، أو مرحلة الاستقرار وعودة الثورة نسبيا إلى عقلانية الدولة وفن الممكن من جديد، وخاصة مع مجيء هاشمي رافسنجاني إلى دائرة اتخاذ القرار الإيراني.

ولكن مثل هذه العودة، وكما هو الحال في كل تاريخ الثورات، لم تكن سريعة، أو آلية في تحولها، بقدر ما ترافقت مع قدر كبير من الصراع الداخلي بين المؤدلجين من أنصار “الثورة الدائمة”، ومن أصبحوا في مراكز قرار مهمة بعد الثورة من ناحية، وبين الواقعيين من أنصار منطق الدولة، وعقلانية التعامل السلمي مع الآخر من ناحية أخرى. خلال هذه الفترة، خفت حدة التوتر بين السعودية وإيران، وخاصة في أعقاب حرب الخليج الثانية، أو حرب تحرير الكويت، والعقلانية السياسية التي أبدتها إيران في موقفها من الحرب ككل، وهي عقلانية كانت تصب في مصلحتها، وآثار ذلك على العلاقات بين البلدين، ولكن حدة التوتر، لم تنته بطبيعة الحال طالما كان أساس عدم الثقة المتبادل مازال موجودا، وطالما أن قضية حسم مسألة السيادة في الداخل الإيراني بين الأجنحة المتصارعة لم تتم بعد.

فالإيرانيون كانوا ما زالوا ينظرون بعين الشك إلى وجود القوات الأجنبية في مياه الخليج، وإلى استمرار واطراد تحالف دول مجلس التعاون مع الغرب، وخاصة الولايات المتحدة الأميركية. والسعوديون ينظرون بعين الريبة إلى وتيرة التسلح الإيراني ونوعية السلاح ومداه، الذي لا يشير إلى مجرد الرغبة في الدفاع عن النفس، وبذلك يستمر عامل عدم الثقة في الهيمنة على العلاقة بين الطرفين، رغم الهدوء النسبي مقارنة بأيام سابقة. ومن ناحية أخرى، فإن عدم وجود طرف “سيادي” واحد في طهران يمكن التعامل معه، كان من أبرز العوامل التي أدت إلى عدم بداية انفراج في العلاقات السعودية الإيرانية. فمنذ وفاة الخميني كانت السياسة الخارجية الإيرانية المعلنة تجاه دول الجوار، على طرفي نقيض مع ما هو ممارس فعلا في غالب الأحيان.

فرسميا، وحسب ما هو مُصرح به، فإن إيران كانت تسعى إلى علاقات تعاون وسلام مع جيرانها، وخاصة دول مجلس التعاون. وما هو مُمارس فعلا، هو تدخل في هذا الشأن أو ذاك من شؤون دول المنطقة الداخلية، وإثارة لقضايا اجتماعية وسياسية في غاية الحساسية بالنسبة إلى الأمن الداخلي لهذه الدول. وقد لا تكون القضية في أحيان كثيرة “نفاقا” أو مكرا من الحكومة الإيرانية، بقدر ما كانت ازدواجية في السلطة واتخاذ القرار. فقد كانت الحكومة تتخذ قرارا، ولكنه لا ينفذ، وينفذ قرار هذه الجهة أو تلك من جهات الثورة وأجهزتها المسيطرة، وهنا كانت المشكلة الأكبر في علاقات إيران مع دول جوارها، وغير دول الجوار.

ومع مجيء محمد خاتمي رئيسا للجمهورية الإسلامية في إيران، بنوع من الاستفتاء الشعبي الكاسح، بدا واضحا أن الأمور في طريقها إلى الحسم في طهران، وانتصار عقلانية الدولة وفن الممكن، على منطق الثورة والموقف الحديّ، أو هكذا كان الظن، ومن ثم عودة التماسك إلى مبدأ السيادة الواحدة في الداخل.

صحيح أن القضية لم تحسم بشكل كامل بعد، ولكنها كانت تبدو في الطريق إلى ذلك. ومع مجيء محمد خاتمي، الذي أعلن صراحة أنه ينظر إلى علاقات غير تصادمية مع دول العالم عامة، ودول الخليج والسعودية خاصة، بدأت حدة التوتر في العلاقات السعودية الإيرانية تخف كثيرا. فمن ناحية، هناك الآن اعترف ضمني من كلا الطرفين بحق الآخر في الوجود، دولة ونظاما، والبعد عن التدخل في الشؤون الداخلية لأي منهما، والمصالح الحيوية لكل طرف من الأطراف، دون أن تكون هناك محاولة لفرض مصلحة على مصلحة، أو مفهوم أمن على المفهوم الآخر. ومن ناحية أخرى، كان هناك اعتراف ضمني من قبل الطرفين أن النزاع مهما طال، فهو لن يؤدي إلى نتيجة، غير استمرار إهدار الموارد في ما لا طائل من ورائه. ومن هنا، فرضت العقلانية السياسية نفسها على الجميع، أو كانت في طريقها إلى ذلك. ومن هنا يمكن فهم الانفراج في العلاقات السعودية الإيرانية خلال فترة الرئيس محمد خاتمي.


الدور السعودي


انتهاء “الربيع الإيراني”، مع انتهاء فترة رئاسة محمد خاتمي ومجيء محمود أحمدي نجاد، الذي مثل الطفل المدلل لمؤسسات الثورة ومرشدها، وهو الأمين على تراث الخميني ووصيته السياسية، والانقلاب على الإصلاحيين الإيرانيين وتهميش دورهم في الحياة السياسية الإيرانية، وعودة الحرس الثوري الإيراني وبقية المؤسسات الخمينية القابضة على مفاصل الدولة والنظام، أنهى مرحلة انفراج كانت تبشر بالخير بين إيران وجيرانها وبقية العالم، وعادت إيران إلى ممارسة ذات السياسة القائمة على محاولة تصدير ثورتها، أو لنقل نظامها ومنظورها لأمنها القومي حقيقة الأمر، والبحث عن أتباع إقليميين يدورون في فلكها، من خلال دعم أذرعتها التي أسستها في المنطقة، مثل أحزاب الله وبقية التنظيمات المتحالفة، أو تمويل ورعاية منظمات قادرة على زعزعة الأمن الوطني لبعض الدول، والتدخل في الشؤون الداخلية لدول المنطقة، وإثارة النعرات الطائفية من خلال التبشير بالتشيع السياسي، واللعب بالورقة الطائفية في تلك الدول، وبالذات في العراق واليمن ودول الخليج، وخاصة في أعقاب “الربيع″ العربي، الذي حاولت إيران من خلاله بناء تحالفات سياسية معينة مع دول مثل مصر الإخوانية، وذلك لإكمال ما كانت قد بدأته من بناء ما يُسمى “بالهلال الشيعي” الذي تعثر إنجازه بعد بداية الأحداث في سوريا.

ولكن، وكما يبدو ظاهر المسألة على الأقل، فإن المشروع السياسي الإيراني القائم على المحورية المطلقة في المنطقة، أو شبه المطلقة إذا أدخلنا إسرائيل في التحليل، لا يكتمل دون تحجيم الدور السعودي، أو حتى تفتيت السعودية إن كان ذلك ممكنا، وهو ما يلتقي مع مصالح دول عظمى في هذا العالم، ومن هنا ندرك كل تلك “النقائض” التي تحدث ولا نجد لها تفسيرا، مثل دعم إيران للحوثيين والقاعدة والحراك الجنوبي في اليمن، رغم كل التناقضات والاختلافات التي تبدو بينها، إذ أن مصالح الجميع، وكما يبدو، التقت عند نقطة واحدة، وهي أن السعودية بشكلها الحالي، وبإمكانياتها ومركزيّتها، تقف حجر عثرة، بل لنقل صخرة عثرة، أمام الأهداف الاستراتيجية البعيدة لإيران وكل تلك التنظيمات والتيارات. لذلك حاولت إيران، وبرضى أميركي غالبا كما تتضح الصورة اليوم، أن تقيم تحالفا استراتيجيا مع مصر الإخوانية خلال السنة اليتيمة لحكمهم في مصر، وهو ذات ما كانت تركيا الأردوغانية تحاول أن تفعله لأهداف استراتيجية خاصة بها، ولكن كل ذلك أُجهض حين قام الجيش المصري بقطع الطريق على إيران وتركيا حين وقف وراء ثورة الثلاثين من يونيو/حزيران، والإطاحة بالإخوان، وحين قامت السعودية والإمارات والبحرين بمساندة حركة الجيش المصري ودعمها، فسقوط مصر بيد الإسلاموية، السنية والشيعية على السواء، هو تهديد حقيقي للأمن الوطني لمنطقة الجزيرة والخليج العربي، بل ولكل المنطقة العربية.

مشكلة إيران تكمن في أنها، وبتأثير من ثمالة أيديولوجية تستمد هيمنتها من قوة الأسطورة المسيسة، وضعت نفسها منذ البداية في موقع أصبح معه أمنها الوطني لا يتم إلا من خلال التمدد خارجيا عن طريق منظمات أو دول تدين لها بالولاء، وأصبح من الصعب جدا أن تعود إلى وضعية الدولة المهتمة بشؤونها فقط، إذ أن إعادة الهدوء والانسجام إلى الداخل الإيراني، الذي يزخر بالمشكلات العرقية والطائفية والطبقية والاقتصادية، أصبحت قضية مكلفة جدا، قد يكون ثمنها الثورة وفكرها، وهو أمر لن تقبل به تلك المؤسسات التي قامت على فكر الثورة، وبقاؤها ومصلحتها تستند إلى استمرار “الزخم الثوري”، وفلسفة “الثورة الدائمة”، والتمدد الخارجي بالتالي، ولذلك كان سقوط تجربة خاتمي، والتضييق حتى على الإصلاحيين القادمين من رحم الثورة، من أمثال مير موسوي ومهدي كروبي وغيرهم. بل إن عودة إيران إلى حدودها، إن صح التعبير، يعني انقلاب كل تلك المنظمات التي ترضع من الثدي الإيراني عليها، وهو الثدي الذي لن يبقى عامرا بالحليب إلى ما لا نهاية.

أجل، لقد وضعت إيران، وخلال كل السنوات الماضية نفسها في موقع لا تستطيع أن تفعل معه أكثر مما هي فاعلة، ومن هنا ندرك المغزى البعيد لمحاولة إيران الحصول على سلاح نووي، فهو نوع من الضمان لأمنها الوطني، أو لنقل لأمن الثورة ومؤسساتها تجاه الخارج، في حال اضطرارها للتراجع عن سياستها الحالية، وهو أمر في غاية الصعوبة. هذا لا يعني مناصبة إيران العداء الدائم، فإيران جزء رئيس من النسيج التاريخي والثقافي والجغرافي لهذه المنطقة، وسوف تبقى كذلك، ولكنها “الخمينية” التي حولت مركزا من مراكز الإشعاع الحضاري في المنطقة، إلى بؤرة لنشر الأسطورة والفرقة وظلام العصور الوسطى. أما من الناحية السياسية، وحول كيفية التعامل مع النظام الإيراني من قبل السعودية ودول الخليج العربية، والتي تشكل المجال الحيوي لإيران، فيمكن إيجازه بمقولة أن الذئب ينام وعينه مفتوحة، وكفى بذلك ايجازا وتلميحا.. هذا، ويبقى الأمر في النهاية لصاحب الأمر.

6