السعودية وإيران والحاجة إلى العنوان السني الشيعي

الجمعة 2016/01/08

كان إعدام السعودية للشيخ نمر النمر ومجموعة من السلفيين المدانين بارتكاب أعمال إرهابية مدخلا لتصعيد كبير بينها وبين إيران، تجلى في قطع العلاقات الدبلوماسية بعد اقتحام مقر السفارة السعودية في إيران وإحراقها وتدمير محتوياتها.

استخدمت إيران خطابا شيعيا بحتا للهجوم على السعودية للإيحاء بأن السعودية إنما تقوم بإعدام الشيعة لأنهم شيعة وحسب. ردت السعودية معتبرة أن جل الذين طالتهم أحكام الإعدام هم من السلفيين المحكومين في قضايا تفجيرات وقتل رجال أمن، وأن المسألة تمت ضمن ما تتيحه القوانين المعمول بها في المملكة.

زعيم حزب الله اللبناني التابع لإيران حسن نصرالله ركز في خطاب ألقاه بعد إعدام النمر على أن المشكلة هي مع آل سعود وليس مع السنة، في محاولة لنسف التمثيل السني العام للسعودية. حرّض على العائلة المالكة بالقول، هل يجوز أن تسمّى بلاد المسلمين باسم عائلة ظلم وعدوان؟

بدت الأمور في نظر معظم من تابع مسار التصعيد وكأنها ذاهبة باتجاه إعلان حرب سعودية إيرانية مفتوحة، تستخدم فيها كل الأسلحة المتاحة، وخصوصا أن السعودية أعلنت عن الاستمرار في نشاطات عاصفة الحزم في اليمن بعد إعدام النمر.

الرد على تحديات إيران لم يعد يمر عبر بوابة الدبلوماسية واللجوء إلى المجتمع الدولي وحسب، بل بات ردا ميدانيا ومباشرا ومفتوحا على كل الخيارات، ولكن السؤال الأساسي يبقى حول معنى هذا التصعيد المتبادل وحدوده وأهدافه.

إيران والسعودية تريدان اتخاذ صفة الوصيّ على طائفة. إيران ترفع العنوان الشيعي، والسعودية بشكل أو بآخر، تسعى إلى صياغة عنوان سني عام للرد على إيران. الهدف من الركون إلى العنوان الطائفي لا يتعلق بالخارج، بقدر ما هو استجابة للداخل ومحاولة تثبيت معادلات السلطة القائمة فيه.

إيران تستعد في مطلع العام الجديد للشروع في تنفيذ مفاعيل الاتفاق النووي مع الغرب الذي سيُفرج بموجبه عن أموالها المجمّدة. ستكون لديها تاليا سيولة مالية تقدر بحوالي 100 مليار دولار، عليها أن تختار في استثمارها في إصلاح الاقتصاد المتردي، أو في تمويل الحروب الخارجية التي لا يبدو أنها قادرة على الانتصار، أو على تحقيق مكاسب مهمة فيها بأي جبهة من الجبهات.

العنوان الشيعي في مواجهة السعودية ضروري في هذه اللحظة، لأنه يتيح للنظام الإيراني فرصة التقاط الأنفاس، وإعادة تجميع عناصر القوة التي لازال يحتفظ بها واستخدامها لقمع أي معارضة، وللتحايل على متطلبات انفتاح إيران على العالم التي لن تكون في صالح نظام الملالي.

العنوان الشيعي هو ضمانة بقاء نظام الملالي، حيث أن الشعب الإيراني الذي يعاني من أزمة اقتصادية خانقة، ومن مستويات بطالة قياسية، لا ينتظر من الاتفاق النووي، ولا من الانفتاح على الغرب، سوى تحسين أوضاعه بشكل عام على مستوى الاقتصاد وصولا إلى مسألة الحريات.

العنوان الشيعي يظهر في هذه اللحظة كناظم للسياسة والهوية في إيران، ويستخدم كمبرر يتيح استمرار الوضع على ما هو عليه، وتهريب الأموال التي سيفرج عنها لتمكين النظام، وليس لتحسين الأوضاع. من هنا يبدو أنه عنوان النظام وليس عنوان الشعب الإيراني. ليست أدل على ذلك سوى طبيعة الهجوم الذي جرى على السفارة السعودية، حيث بدا أن مجموعة من العناصر التابعة للنظام هي من قامت به، ولم يكن المهاجمون حشودا شعبية غاضبة كما حاول النظام أن يوحي.

العنوان الشيعي في هذا المقام يظهر كعنوان لبقاء النظام الذي لا يبدو في أحسن أحواله إثر احتضار المرشد الأعلى، وبروز نزعات جدية في الوسط الإيراني تدعو إلى إلغاء ولاية الفقيه، وتاليا بنية النظام الذي يرتدي عباءة التشيّع ليعدم الحياة العامة في إيران. وضعُ الإصلاحيين مرشح للتحسّن كثيرا بعد بداية تنفيذ بنود الاتفاق النووي والانفتاح على العالم، حيث سيكون العنوان الاقتصادي وطريقة استثمار الأموال المفرج عنها من الحجج القوية التي تصب لصالحهم ضد جماعة المتشددين.

العنوان السني الذي تسعى السعودية لتصميمه في مواجهة إيران بدأ بالحلف ضد الإرهاب الذي تشكله وتقوده، وفي دعمها لأطراف معيّنة في سوريا سنية خالصة، وفي توقفها أو تخفيفها دعم كل الأطراف التي يخالط سنيتها ليبرالية ما، أو توجهات متصالحة مع العلمانية بشكل واضح. اللقاءات السعودية التركية وجل الحراك السعودي في هذه الفترة جميعها تصب في هذا الاتجاه.

بدا واضحا أن السعودية تريد أن يكون رد الفعل على استهدافها ليس سعوديا، ولا حتى خليجيا بل سنيا عاما.

السعودية لم تتحرك فعليا وترسل قواتها للقتال إلا حين بدأ الخطر الإيراني عبر الحوثيين يطرق أبوابها، وهي تسعى من خلال التصعيد المستجد مع إيران إلى اتخاذ صفة الدولة الإسلامية التي ترعى الحلف السني لمواجهة الخطر الشيعي الذي تقوده إيران.

السعودية دولة تملك إمكانيات ضخمة وموارد عظيمة، وكانت قد حرصت في الفترة السابقة خلال حكم الملك عبدالله على تشكيل منطق سياسي، يقوم على محاربة نفوذ الإسلام السياسي والسعي إلى إنشاء “ماركة إسلام” يكاد يكون أقرب إلى الليبرالية والانفتاح على العالم. من هنا كان تشجيع الملك عبدالله للقضاء على الإخوان والظاهرة الإخوانية في مصر.

تسببت هذه السياسة بفساد العلاقة مع تركيا الإخوانية واضطرابها مع أميركا التي كانت ترى في النموذج الإخواني نوعا من الإسلام المقبول عندها، وفق ما أرسته مؤسسات الدراسات الأميركية من قبيل مؤسسة راند، والتي ترسم ملامح للمسلم المعتدل تتطلب سلبه إسلامه، وتحوله إلى كائن طقوسي، يزور القبور ويتبرك بها ولا صلة تربطه بالشأن العام.

ما أرسته السياسة السعودية الجديدة هو عكس هذه السياسة، حيث عاد العنوان السني الخالص ليحتل الواجهة، حيث بدا واضحا أن مسار التسنّن الليبرالي الذي كان نموذجه الأبرز هو تيار المستقبل اللبناني الذي ترعاه السعودية غير صالح لمواجهة إيران، ولا لضمان قوة الحكم في السعودية. بدا العنوان السني الخالص خيارا وحيدا لضمان دور السعودية وهو يتعلق بتمكين الداخل أكثر من أي شيء، حيث لا مجال الآن للهويات المتشتتة في مواجهة هوية شيعية منسجمة تضم جل الشيعة في العالم.

النظام الإيراني استنتج أنه يحتاج إلى العنوان الشيعي للبقاء والاستمرار، والحكم السعودي فهم أنه لا يستطيع الحفاظ على الدور المميز للسعودية إلا من خلال العنوان السني، حيث أن الأرضية غير مهيأة حاليا لصناعة ماركات إسلام سني ملونة بخطاب ليبرالي أو علماني في مواجهة شيعية إيرانية الملامح والهوى.

كاتب لبناني

8