السعودية والأربعون الخمينية

خطاب الأمير محمد بن سلمان الذي يرى حتمية الحرب مع حقائق مدعمة على الأرض، اقترن مع تعقيبٍ له مع مجلة التايم الأميركية على الجهود الدولية في نزع السلاح النووي الإيراني.
الاثنين 2018/04/09
استعراض القوة الكاذبة

عندما تأسست جمهورية رجل الدين ذي الأفكار التوسعية باتجاه الجوار العربي صوب استكمال مسيرة الهيمنة الدينية ذات المذهب الأحادي، اقتضت الحكمة السعودية أن تعرج إلى السلم في الاعتراف بالنظام الجديد، تجنبا للسياسات الاستفزازية التي قد يجنح إليها مرشد الثورة الإيرانية في محاولة استدراج الإمارات الخليجية على الضفة الأخرى من “البحيرة الفارسية” إلى مواجهة تستدعي أنصار ولاية الفقيه في الداخل إلى حمل السلاح وإسقاط الأنظمة القائمة، كما فعل الإيرانيون في إمبراطورية الشاه.

غير أن نشوة رجل الدين الناجمة عن تحقق الثورة أخطأت فهم السياسة السعودية والغرض من الاعتراف بنظام الخميني، وفسّرت ذلك على نحو الفزع والارتياب بما اعتبرته إيذانا ببدء تصدير ثورة “حجة الإسلام”، الأمر الذي قاد طهران إلى المغامرة في استشراف وجهة النظر السعودية “المحطة التالية” بالتهديد إبان الحرب العراقية الإيرانية عام 1982 باختراق مقاتلات إيرانية من نوع أف-5 الأجواء السعودية، حيث تمكن الدفاع الجوي من إسقاط إحداها بعد دخولها المجال المحدد للاعتراض.

المشهد كان كافيا بإيضاح نهج الرياض في التعامل مع التهديدات الفعلية، إلا أن المضي في استعراض القوة الكاذبة وانتهاك سيادة الدول العربية بالتدخل في الشؤون الداخلية مع إثارة العداوات الطائفية، كانت إفرازات الجسم الجديد الذي نشأ في المنطقة.

ما سبق يوضح أولويات الخارجية السعودية في مواجهة التغييرات التي تطرأ على الشرق الأوسط بالعمل على إشاعة الأمن والاستقرار لشعوب المنطقة، مع ترك باب التأويلات مفتوحا لمن يرغب في اختبار حزم الرياض في ترويض عَجْرَفَة من يتبجّح بمناوشة العمق العربي والإسلامي.

تقدير زمني اعتبره مراقبون مرتبطا برؤية 2030 الساعية إلى تحديث قدرات المملكة بمنظومة تسليح نوعية ذات تقنيات فائقة، تستطيع إحداث فارق قتالي يهابه الخصوم

في العهد الحاضر أثبتت عاصفة الحزم أن فصل الختام من الحراك الميليشاوي الطائفي الهادف إلى استغلال قداسة الدين في فرض واقع مستنسخ منذ أربعة عقود بالانقلاب على الدولة، والذي جرى التعامل معه بتشكيل تحالف عربي بقيادة السعودية في إطار الشرعية والقبول الدولي، قد صاغ قوة حقيقية إقليمية كان يتهيّأ للرعاع في المقارنات أنه توازن إيران والسعودية.

لكن ما قاله ولي العهد الأمير محمد بن سلمان في مايو العام الماضي، أثناء مقابلة تلفزيونية “لن ننتظر حتى تصبح المعركة في السعودية بل سوف نعمل لكي تكون المعركة لديهم في إيران”، لفت طهران وحلفاءها نحو صوت لم تألف سماعه من قيادات المملكة، وقد أربكت نبرة الحرب وزير الدفاع الإيراني حسين دهقان في ردة الفعل التي نقلتها عنه وكالة أنباء تسنيم بقوله “يعتقدون أن بوسعهم فعل شيء لأنهم يمتلكون قوة جوية”.

وهو ما عكس استشعار الإيرانيين تفوق القوات الجوية الملكية السعودية في فرض سيناريو الحرب إن وقعت بين الطرفين، ويأتي ذلك بالتزامن مع استمرار فشل الصواريخ الباليستية الإيرانية الصُنع في إصابة أهدافها وهي تتحطم أمام الدفاعات الجوية في محاولة استهداف المناطق الآهلة بالسكان منذ أكتوبر 2016، يضاف إلى ذلك الغضب المتصاعد في الداخل الإيراني ضد سياسات التجويع والقهر والظلم التي أجبرت الشعب على تحمّل العزلة الدولية في سبيل تحقيق ما كان يتطلّع له رجل الدين منذ عقود مضت.

اختيار ولي العهد السعودي منطقة إيران ساحة للمواجهة المباشرة، وقد شكّلت الثقة عصب حديثه إلى شبكة “سي بي أس” ضمن برنامج “60 دقيقة”، عشية زيارته الولايات المتحدة يوم 19 مارس الماضي، قائلا “إيران ليست منافسا للسعودية، وليست من أقوى خمسة جيوش في العالم، كما أن الاقتصاد السعودي أكبر من الاقتصاد الإيراني”، مضيفا أن “إيران بعيدة كل البعد عن مقارنتها بالسعودية”، كشف وجهة النظر السعودية للمختبئين في أكمة النظام الذي ارتأى دعم الجماعات الطائفية في إشعال حرائق الإقليم.

خطاب الأمير محمد بن سلمان الذي يرى حتمية الحرب مع حقائق مدعمة على الأرض، اقترن مع تعقيبٍ له مع مجلة التايم الأميركية على الجهود الدولية في نزع السلاح النووي الإيراني وفشل المساعي بالمواجهة العسكرية خلال عشرة إلى خمسة عشر عاما المقبلة.

تقدير زمني اعتبره مراقبون مرتبطا برؤية 2030 الساعية إلى تحديث قدرات المملكة بمنظومة تسليح نوعية ذات تقنيات فائقة، تستطيع إحداث فارق قتالي يهابه الخصوم مع التوطين الكامل للصناعات العسكرية القادرة على تحمل نفقات الحرب دون تأثر اقتصاد البلاد أو تعطّل مسيرة التنمية، وهو ما يزيح المملكة إلى المربع الآمن بعيدا عن القبول بالتسويات السياسية في سبيل الحد من ارتفاع تكاليف التمويل العسكري.

9