السعودية والشراكة الجديدة مع روسيا

السبت 2015/06/20

جاءت نتائج زيارة ولي ولي العهد السعودي وزير الدفاع الأمير محمد بن سلمان إلى روسيا مفاجئة بعض الشيء، إذ أنه ورغم افتراق البلدين في ملفات عديدة، وخصوصا في الملف السوري، تم الإعلان عن توقيع سلسلة من الاتفاقيات الهامة التي تتراوح بين تعزيز التعاون التجاري على المدى القصير من جهة، وبدء عهد جديد من التعاون على المدى الطويل في مجالات الطاقة النووية واستكشاف الفضاء والتعاون العسكري، وهو ما يمثل تطورا لافتا في علاقات البلدين، وصفعة للولايات المتحدة التي تحاول عزل روسيا.

وإن كنا لا نستطيع الحكم على النتائج المباشرة للزيارة على المدى القصير، لكن النتائج والرسائل السياسية تبدو واضحة للعيان. فالاتفاقيات الموقعة هي من الأهمية بمكان بحيث تؤكد الرغبة الكبيرة في توطيد العلاقات بين الجانبين. كما تظهر الأهمية بإعلان أن الملك السعودي سلمان بن عبدالعزيز سوف يلبي قريبا الدعوة التي تلقاها من الرئيس فلاديمير بوتين لزيارة روسيا، وبالمقابل نقل الأمير محمد بن سلمان إلى الرئيس الروسي دعوة مماثلة لزيارة السعودية.

تنبع الأهمية أيضا من حقيقة أن العلاقات السعودية الروسية لم تكن جيدة في أي يوم من الأيام. إذ قطعت السعودية علاقاتها الدبلوماسية في العام 1938 مع الاتحاد السوفييتي في ذلك الوقت، ولم تشهد تلك العلاقات عودة إلا عام 1991، وذلك بعد سقوط الاتحاد السوفييتي حيث أنهى سقوطه عقودا من العداء الصريح بين البلدين.

وقد عادت العلاقات للعدائية مجددا على خلفية دعم روسيا لنظام الرئيس السوري بشار الأسد، إذ لم تتوقف السعودية طيلة السنوات الأربع الماضية عن انتقاد الموقف الروسي الذي شكل غطاء في مجلس الأمن الدولي لعمليات الإبادة التي يقوم بها النظام السوري. وكان أحدث انتقاد في هذا الصدد منذ نحو ثلاثة أشهر فقط، وجاء على لسان وزير الخارجية السعودي السابق سعود الفيصل أثناء انعقاد القمة العربية الأخيرة في مصر.

بالنسبة لروسيا، فإن إصلاح العلاقات مع السعودية في هذا الوقت بالذات بات أمرا ضروريا ولا مفر منه

بالنسبة لروسيا، فإن إصلاح العلاقات مع السعودية في هذا الوقت بالذات بات أمرا ضروريا ولا مفر منه. تريد روسيا أن تضمن تسوية مقبولة بين الدول المنتجة للنفط وعلى رأسها السعودية، ذلك أن الاقتصاد الروسي صار يعاني بصورة متزايدة من هبوط أسعار النفط وثباتها عند مستويات شديدة الانخفاض. وفي بلد مثل روسيا حيث الاعتماد على النفط في الميزانية العامة للبلاد يصل إلى 45 بالمئة، فإن صناعة البترول والغاز تبقى حاسمة في إسناد الاقتصاد العليل والعاجز عن التعافي في الوقت الحاضر، وخصوصا مع إصرار بوتين على مواصلة الحرب في أوكرانيا. بالتأكيد، يتذكر القيصر الروسي الأثر المدمر الذي أحدثه انهيار أسعار النفط عام 1986 من نحو 30 دولارا للبرميل إلى 14 دولارا، وذلك في ظل حرب ضروس كان يخوضها الاتحاد السوفييتي في أفغانستان، وفي ظل دعم دولي سخي للمجاهدين في ذلك الوقت من أجل استنزاف الاتحاد السوفييتي. وقد أدت تلك الضغوط الاقتصادية، من بين أسباب عديدة، وبعد ثلاثة أعوام على انهيار أسعار النفط إلى انسحاب الاتحاد السوفييتي من أفغانستان عام 1989 وانهياره في نهاية المطاف.

على صعيد المملكة العربية السعودية، تتزامن الزيارة مع ارتفاع احتمالات التوصل إلى اتفاق نووي مع إيران، وهو ما يدفع المملكة للعمل، بجدية، على امتلاك تكنولوجيا نووية سلمية تماثل ما تحوزه إيران أو تتفوق عليها. وتبدو روسيا البوابة المناسبة لتحقيق ذلك في ظل فتور عام يطبع علاقات السعودية الأميركية. يتصل الفتور بصورة مباشرة بالمسار الذي تتخذه إدارة باراك أوباما في الشرق الأوسط، إذ تبدو بأنها تقدم تنازلات كبيرة لإيران في سياق المفاوضات النووية. لكن، والأهم من ذلك، هو محاباة الولايات المتحدة لإيران وخصوصا في ملفي سوريا والعراق. وتتوقع المملكة أن التوصل إلى اتفاق مع إيران لن يضع حدا لتلك المحاباة، وإنما سيؤمن أرضية أكثر خصوبة من أجل انتعاشها لتتحول لاحقا إلى تحالف صريح.

وكانت محاولات السعودية الرامية إلى تحجيم دور إيران وحلفائها في سوريا والعراق ولبنان واليمن قد اصطدمت بعدم تجاوب الولايات المتحدة معها. بل إن الأخيرة فضلت تعزيز علاقاتها مع طهران من خلال العمل المشترك في العراق. وبدورها، تبدو السعودية متجهة لتعزيز علاقاتها مع عدو أميركا الأول حاليا، فلاديمير بوتين، والذي تعمل أميركا على تشديد العزلة الدولية من حوله.

كما يبدو التحرك السعودي متسقا مع رسالة عدم الرضا التي وجهها العاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز إلى الرئيس الأميركي بالاعتذار عن حضور قمة كامب ديفيد في اللحظات الأخيرة الشهر الماضي. القمة التي كانت معدّة أساسا لكي يحضرها الملك السعودي بشكل خاص، لكي يغطي أوباما على تأزم العلاقات بين الجانبين لكن الملك السعودي رفض حضور “العرض” في رسالة أولى حملت تفسيرات مختلفة، وها هو يرسل الأمير محمد بن سلمان إلى روسيا في رسالة ثانية، لا تخطئها العين هذه المرة.

كاتب فلسطيني سوري

8