السعودية والفاتيكان.. حوار رصين معزز بثقل ديني وسياسي

محاور اللقاء الذي دار بين وفد رسمي سعودي وبابا الفاتيكان منذ أسبوع، تناولت أهمية الحوار بين الأديان والثقافات لتعزيز قيم التسامح وتضمنت تقدير المملكة للبابا على مواقفه وتصريحاته الصادقة في ما يخص ضرورة التفريق بين الإسلام كدين يدعو إلى قيم إنسانية سامية تلتقي وتتقاطع مع عقائد سماوية أخرى وبين الإرهاب الذي لا دين له ويخدم مصالح عصابات تكفيرية ذات نزوع دموي.
الخميس 2017/11/30
تثمين القيم المشتركة

روما - الثقل الديني والسياسي الذي تتمتع به السعودية والفاتيكان يعطي أهمية كبرى للقاءات التي تجمع المسؤولين السعوديين ببابا الفاتيكان ومساعديه.

وفي هذا الإطار التقى منذ أيام قليلة وفد رسمي سعودي برئاسة مستشار وزير الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد عبدالله بن فهد اللحيدان، بابا الفاتيكان فرنسيس الذي عبر عن بالغ تقديره للسياسة السعودية التي وصفها بالحكيمة والمتزنة وأثنى على مواقف المملكة من عدة قضايا تتعلق بالأمن والسلام ومد جسور التواصل والحوار مع الشعوب والثقافات.

وتجدر الإشارة إلى أن الفاتيكان يكن تقديرا خاصا للمملكة، وسبق للملك الراحل عبدالله بن عبدالعزيز أن قام بزيارة عام 2007 للفاتيكان والتقى بالبابا بنديكتوس السادس عشر، آنذاك، ونتج عن ذلك الاجتماع الاتفاق على أهمية الحوار بين الأديان والحضارات لتعزيز التسامح الذي تحث عليه جميع الأديان، وتحقيق الأمن والسلام والاستقرار لشعوب العالم كافة.

وكان الملك الراحل عبدالله بن عبـدالعزيز قـد أكد في الفاتيكان على أن الشعـوب تجمعها قيـم مشتركـة، وأن خيـر تعبير عـن هـذه القيم المشتركـة مـا جـاءت به الأديـان، وأن على جميع الدول والشعوب التكاتف في التصدي لظـاهرة العنـف والقضاء عليها، مؤكدا أن هذه سياسة ثابتة تسير عليها المملكة والفاتيكان، وتم تأييدها في مؤتمر عالمي لعلماء من مختلف أرجاء العالم الإسلامي في مكة عام 2008.

بابا الفاتيكان فرنسيس عبر لدى استقباله للوفد السعودي عن تطلعه إلى لقاء العاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز، وأوضح أنه سيحرص خلال زياراته على الدعوة إلى السلام، وتعزيز العلاقات الطيبة مع العالم الإسلامي.

ومن جهته أكد الوفد الرسمي برئاسة وزارة الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد، والذي يضم متخصصين في مجالات مختلفة، أن هذه الزيارة جاءت لتعبر عن تقدير المملكة للبابا على مواقفه وتصريحاته الصادقة التي يدعو فيها إلى السلام والتعايش، ويرفض الربط بين الأديان والإرهاب، وليؤكد الرغبة الصادقة والعميقة في إشاعة ثقافة الحوار والتعايش السلمي بين جميع أتباع الأديان والثقافات.

الناس سيظلون مختلفين في أديانهم وألوانهم وعاداتهم وتقاليدهم، ولا يزالون كذلك إلى يوم الدين

لفت اللقاء إلى أن المملكة والفاتيكان تتمتعان بثقل ديني، وأن هناك أكثر من 1.5 مليار مسلم حول العالم يتوجهون خمس مرات يوميا نحو مكة المكرمة، ويزور المملكة سنويًا أكثر من 15 مليون حاج ومعتمر، بالإضافة إلى ما تتمتعان به من ثقل سياسي دولي اكتسبتاه من سياستهما المعتدلة، واحترامهما للعقود والمواثيق التي تكونان طرفين فيها. وقد تم على إثر جهود المملكة تأسيس مركز الملك عبدالله للحوار بين أتباع الأديان والثقافات الذي شاركت فيه إضافة إلى المملكة كل من إسبانيا والنمسا والفاتيكان، كما استمر دعم المملكة للسلام العالمي من خلال تأسيس مركز الملك سلمان للسلام العالمي في ماليزيا، والمركز الدولي لمكافحة الفكر المتطرف «اعتدال» في الرياض، وكذلك من خلال اللقاءات والجولات التي يقوم بها الملك السعودي لإيمانه العميق بأهمية التواصل لتحقيق السلام.

وقال رئيس الوفد السعودي عبدالله بن فهد اللحيدان “إن الإسلام طالبنا وفق أخلاقياته بمعايشة الأديان الأخرى والعيش معها مهما اختلفت، لأن هذا الاختلاف أمر حتمي قضى به خالق الناس لحكمة يعلمها هو جل وعلا”. وذكّر اللحيدان، بالآية القرآنية القائلة (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً إِلَّا مَن رحِمَ رَبُّكَ، وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ، وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ).

وأضاف مستشار وزير الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد، السعودي “لقد خلق الله الناس وأعطاهم حرية الاختيار، وسيسألون عن خياراتهم في الآخرة. أما في هذه الحياة الدنيا فسيظلون مختلفين في أديانهم وألوانهم وعاداتهم وتقاليدهم، ولا يزالون كذلك إلى يوم الدين” مؤكدا أن هذه الاختلافات لا يجب أن تؤدي إلى الكراهية، بل يجب أن تؤدي إلى التعارف والتعاون وتزيد من توطيد العلاقات بين الثقافات.

رئيس الوفد السعودي عقّب أنه، وفي إطار هذا التعاون الإنساني العام الذي يدعو إليه الإسلام، يبدو التعاون مع أتباع الديانات السماوية أكبر لما يجمعها مع بعضها البعض، فالإسلام والمسيحية واليهودية تؤمن كلها بالإلهية وبرسالة الرسل وبالكتب السماوية وبالملائكة وباليوم الآخر يوم الحساب والثواب، والوصايا الأخلاقية مقررة في هذه الأديان مثل: لا تقتل، لا تسرق، لا تزن، لا تكذب. ومنهج الحرام والحلال يدل على وجود نظام أخلاقي قائم على تحقيق وإشاعة نزعة الخير والمصلحة ومقاومة نزعة الشر والمفسدة. وكرر اللحيدان أثناء زيارته شكره لبابا الفاتيكان على مواقفه الحاسمة في رفض ربط الأديان بالإرهاب، وسعيه لتحقيق السلام في العالم.

ومن جانب آخر التقى الوفد أمين سر الفاتيكان الكاردينال بيترو بارولين، وأمين المجلس البابوي للحوار بين أتباع الأديان المونيسينيور ميغيل ايوسي، ودار خلال اللقاءين تبادل وجهات النظر حول سبل تعزيز الحوار والتعايش السلمي في العالم.

12