السعودية والفاتيكان.. لقاء من أجل صنع السلام

السعودية اتجهت إلى تعزيز مسار السلام العالمي من منطلق رفض الفكر المتطرف أيا كانت منطلقاته، إذ لم يعد هناك مبرر للعزلة الدينية غير المبررة وأصبح الحوار بين الأديان ضرورة قائمة.
الجمعة 2018/04/27
السياسة السعودية تنبذ الفكر الأحادي

بقيت العلاقة بين المملكة العربية السعودية والفاتيكان علاقة متباعدة حتى العام 2007 حين زار الملك عبدالله بن عبدالعزيز البابا بينديكتوس السادس عشر بابا الفاتيكان في زيارة تاريخية قاربت بين الطرفين وكسرت الجمود في العلاقات بين العرب و الفاتيكان. لم يكن من علاقات دبلوماسية رسمية بين السعودية والفاتيكان بقدر ما كانت هناك رؤى جديدة ومناقشات متعددة وتفاوض من أجل السلام العالمي ونبذ النزاعات التي تقوم على التعصب الديني. إنّ ما قام به الملك عبدالله كان بداية لعلاقات سلمية تتماشى مع الواقع القائم، بل وشكلت منطلقا هاماً لعلاقة تمثلت في ما نراه اليوم من تقارب وتواصل بين أهم قطبين في العالم، ممثلين في الفاتيكان كونها مركز القيادة الروحية للكنيسة الكاثوليكية، وبين السعودية بصفتها قبلة المسلمين في العالم.

أصبح العالم بأسره واعيا اليوم بأهمية الشراكة في المصير على هذا الكوكب، إذ لم يعد من الضروري أن يكون الآخر شريكا في الدين واللغة والعرق ليتم التصالح معه أو التعاطي معه في الواقع وفي الأهداف المستقبلية، بل بات الانفتاح على الآخر واقعا مطلوبا ومصيريا.

إن اتفاقية التعاون بين رابطة العالم الإسلامي والفاتيكان، والتي تم توقيعها بين السعودية والفاتيكان، هي رسالة واضحة للعالم مفادها أن السياسة السعودية تنبذ الفكر الأحادي ورفض الآخر، وهذا ما جسده على وجه التحديد اللقاء التاريخي بين بابا الفاتيكان والشيخ محمد العيسى الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي في مقر البابا بدولة الفاتيكان. حيث صرح رئيس المجلس البابوي جان لويس توران مرحبا ببادرة السلام العالمي ومد جسور التواصل بين السعودية والفاتيكان بقوله إن “جميع أتباع الأديان فيهم حكماء معتدلون، وأيضا أصوليون” مؤكدا على أهمية التعاون ليسود العقل والفهم السليم.

رغم الضجيج الذي يدور حول ما ستترتب عليه هذه العلاقة وما سينتجُ عن هذا اللقاء بين البابوية ورابطة العالم الإسلامي رغم توسعه ومخاوفه، إلا أنه في نهاية الأمر سيقدمُ صورة واضحة عن المعنى العميق والبعيد لأهمية نبذ الصراع الديني وإعادة رسم علاقة الديني بالسياسي، والتي أصبحت تفرض نفسها بقوة على ساحة الحوار العالمي اليوم، إذ يفترض ألا تتكرر الأخطاء التاريخية والسياسية، التي وصفها الكاتب محمد شحرور بكون المسلمين وقعوا في الفكر الأحادي ولم يتقبلوا الآخر، الأمر الذي أنتج صراعا دينيا لعقود طويلة من الزمن.

اتفاقية التعاون بين رابطة العالم الإسلامي والفاتيكان، هي رسالة واضحة للعالم مفادها أن السياسة السعودية تنبذ الفكر الأحادي ورفض الآخر

الأطروحة القائلة بصدام الحضارات، باعتبار الصراع الدائر في العالم وخاصة بين الشرق والغرب هو صراع أديان حسب صامويل هنتنغتون وإعادة تشكيل النظام العالمي والتي تنبأ بها ووثقها في أطروحته صدام الحضارات لم تعد مجرد نظرية، فالصدام قائم بالفعل وإعادة تشكيل النظام العالمي يأخذ مسارا واضحا يتجه نحو خلق سلام عالمي سارت السعودية نحوه بخطى كبيرة وواقعية، فاتجهت إلى تعزيز مسار السلام العالمي من منطلق رفض الفكر المتطرف، أيا كانت منطلقاته، وهي أحد أوجه التعبير عن سياسة السعودية اليوم إذ لم يعد هناك مبرر للعزلة الدينية غير المبررة وأصبح الحوار بين الأديان، وفقا لهذه المعطيات، ضرورة قائمة .

رابطة العالم الإسلامي هي منظمة إسلامية عالمية تأسست في مكة المكرمة في العام 1962، وكان من أهم أهدافها الدعوة للإسلام وشرح مبادئه وتعاليمه، لكنها اليوم تتجه إلى تطبيق مبادئ هذه التعاليم، ومن ضمن التوجهات الجديدة للرابطة يؤكد الأمين العام للرابطة محمد العيسى أن الرابطة بصدد إجراء المزيد من اللقاءات التي تُعزّز هذه التوجهات وتنمّيها، وأنها تتجه عمليا إلى مراعاة متطلبات العصر والقيام بالدور المفترض لها باعتبارها جسرا للتواصل بين دول العالم والشعوب الإسلامية.

المؤسسات والقيادات الدينية بإمكانها صنع السلام، والصلة بين الديني والسياسي ليست جديدة بل هي سمة مميزة لجميع الحضارات القديمة. وخلق السلام العالمي يتطلب استجابات واضحة ولهذا توجهت السعودية إلى تعزيز هذا التوجه والاستجابة له، فقبل أن تتجه رابطة العالم الإسلامي إلى الحوار مع الفاتيكان، كان إنشاء مركز الملك عبدالله بن عبدالعزيز العالمي للحوار بين أتباع الأديان والثقافات ومقره العاصمة النمساوية فيينا، الأمر الذي انتهجه أيضا الأمير ولي العهد محمد بن سلمان والمتمثل في قوله إن “النجاح الداخلي لا يمكن أن يتحقق دون تحركات خارجية داعمة ومعززة لسياسات الداخل”.

كل هذه الخطوات نحو السلام العالمي والحوار مع الآخر يمكن التوثيق لها عمليا منذ بدء المؤتمر الإسلامي العالمي للحوار في مكة في العام 2008، والذي كان من أهم محاوره التأسيس للحوار مع أتباع الرسالات الإلهية المسيحية واليهودية وأتباع الفلسفات الوضعية، ونشر قيم التسامح والمحبة والأمن والسلام والتعايش واحترام الاختلاف من خلال الحوار، لتأسيس قواسم مشتركة بين مختلف الجماعات، وتحقيق المشاركة الدينية والحضارية والمدنية بين القيادات الدينية والسياسية في العالم .

8