السعودية وداعش والوهابية

الخميس 2016/02/25

يتهم كثيرون السعودية ظلما وبهتانا وجهلا، وربما حقدا وحسدا، بأنها مصدّرة للأفكار الدينية المتشددة بسبب اعتناق تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام “داعش” لبعض من أفكار “الوهابية”، وفي ذلك ظلم كبير للسعودية والوهابية على حد سواء، ونرى أن هناك ثلاثة أسباب رئيسية:

1 - أن التنظيم أراد أن يقيم دولة في محيط جغرافي ديني، فأعلن دولة بمسمى الدولة الإسلامية في العراق والشام “داعش”، وقام بمحاكاة أو استنباط بعض من عناصر نجاح النموذج السعودي في فكرة وإقامة الدولة.

2 - اعتبر تنظيم “داعش” أن “الوهابية” التي رافقت “سلطة آل سعود” في القرن الثامن عشر فكرا وممارسة، هي العنصر الرئيسي لنجاح السعودية اليوم مفرغا إياها من سياقها الزمني والسياسي والاجتماعي، بالرغم من أنها، أي الوهابية، سادت ثم بادت، ولم تعد موجودة اليوم أصلا.

3 - أن النموذج الناجح والوحيد للسعودية “كدولة” هو الذي أسسه الملك عبدالعزيز وتم الاعتراف به دوليا في العام 1932، وقد ظهر هذا النموذج كدولة مدنية بكل عناصرها السياسية الحديثة منفصلة عن السياق التاريخي السياسي في شبه الجزيرة العربية في القرن الثامن عشر في الفكرة والنظرية والممارسة.

أراد المؤسسون لتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، أو هكذا نجادل، أن يقيموا دولة إسلامية سنية في العراق والشام تحمل عناصر القوة والنجاح والاستدامة، تكون بديلا عن الدول الهشة التي نخرها الفساد وحب السلطة والكثير من العلل التي تصيب الدول، فوجدوا في السعودية النموذج الأمثل والناجح والمستدام، في محيط جغرافي يغلب عليه الطابع السياسي الديني بالنظر إلى قيام الجمهورية الإسلامية في إيران، ورغبة إسرائيل في التحول إلى دولة دينية يهودية، فقرروا أن يمنحوا دولتهم المسمى الديني، وأن يحاكوا السعودية السنية في المصدر التشريعي الأساسي (الوهابية)، وفي الشعار المكتوب على العلم (كلمة التوحيد). لكنهم ارتكبوا عدة أخطاء منها: 1 - اعتمدوا نسخة دينية متشددة ظهرت في القرن 18 وكانت حينذاك تتناسب مع ثلاث خصائص: الزمان والمكان والبيئة، لكن صلاحية تلك النسخة انتهت ولم تعد السعودية تعمل بها. 2 - نجاح النموذج السعودي يكمن في الأخذ بالعديد من العناصر الدينية والمدنية المتوافقة مع الزمان والمكان والمتسقة مع البيئة الاجتماعية الحاضنة. ولذا، ولد تنظيم “داعش” هجينا مسخا رفضته الدول ولفظته المجتمعات.

لتبسيط الجدل وتقريب الصورة للأذهان، دعونا نتخيّل أن فردا أو مجموعة من الأفراد أرادوا إقامة دولة عربية في الشرق الأوسط بمواصفات عالمية، وأرادوا محاكاة نموذج غربي يرونه من وجهة نظرهم ناجحا، ولنقل الولايات المتحدة، على سبيل المثال، ثم خلُص ذلك الفرد أو تلك المجموعة إلى أن سبب تفوق الولايات المتحدة يكمن في دستورها والتعديلات التي أجريت عليه عام 1791. فقامت هذه الدولة باسم “الولايات المتحدة العربية”، ووضعت نجوما على علمها بعدد من المحافظات أو المناطق وأسمتها “ولايات”، وحددت مدة الرئيس (الخليفة) بمدتين كل منها أربع سنوات ثم أجريت انتخابات. لكن ذلك الفرد أو تلك المجموعة أخطأوا في الفرضيات والمقدمات والنتائج. فلم يكن الدستور وحده هو سر نجاح الولايات المتحدة الوحيد، كما أن السياق الزمني والمكاني والاجتماعي لا يجب إغفاله. باختصار لم تنجح هذه الدولة المزعومة. هنا نتساءل: هل نلوم الولايات المتحدة على قيام هذه الدولة الهجينة؟ أو هل نتّهم الولايات المتحدة الأميركية بدعمها بسبب محاكاة هذه الدولة الشرق أوسطية لها أو أخذها جهلا بدستورها أو بعض عناصر نشأتها؟ هذا تماما ما فعله تنظيم “داعش”.

نجادل بأن السعودية هي دولة مدنية حديثة وجديدة تماما في الفكرة والنظرية والممارسة ومنفصلة عن الكيانات أو السلطات السياسية التي نشأت في شبه الجزيرة، ولا يربطها بما سبقها سوى الاسم.

بدليل: 1 - أن الملك عبدالعزيز بن سعود حارب وناضل على مدى 30 عاما (1902-1932). 2 - لم يُقدم الحكم والمُلك للملك عبدالعزيز على طبق من ذهب، أو تم القبول والرضى بالملك الجديد على أنه وريث للحكم من القوى المحلية أو الإقليمية أو الدولية حينذاك كما حصل لشاه إيران في العام 1953. 3 - أراد الملك عبدالعزيز أن ينشئ دولة مدنية حديثة تحاكي أفضل الدول المتقدمة فيما لا يتعارض مع أصل الدين الإسلامي. 4 - الملك عبدالعزيز اضطُر لمحاربة أولئك المتمردين على الدولة المدنية الجديدة الذين لازالت تعشش بعض أفكار “الوهابية” في أذهانهم في بيئة شبه الجزيرة العربية لتقبّل الدولة المدنية بكل قوانينها. 5 - أن الملك عبدالعزيز وجد عنتا كبيرا وكثيرا في ترويض المتشددين حتى أن بعضهم اعترض على مسمى الدولة “مملكة” ومسمى منصب “ملك”. 6 - أن الملك عبدالعزيز لم يضف مصطلحا دينيا لاسم دولته الوليدة الجديدة بالرغم من احتضان المملكة “بيت الله الحرام” قبلة المسلمين ومهوى أفئدتهم، وبالرغم أيضا، من الحاجة الماسة حينذاك لمسمى سياسي إسلامي يشعر معه المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها بشيء من العزة والفخر في وقت كانت معظم دولهم تحت الاستعمار. 7 - أن الملك عبدالعزيز أقام دولة تُحكم بالشريعة الإسلامية التي مصدر التشريع فيها “الكتاب والسنة” من دون تخصيص مذهب معيّن، بل منفتحة على كافة الطوائف والمذاهب.

وهنا نجحت الدولة السعودية الوليدة في صهر المجتمع المحلي، والانصهار داخل المجتمع الدولي واستمرت السعودية في النماء والتطوير والتحديث حتى اليوم. ولذا نجد أن بعض الشعوب والمجتمعات المجاورة رأت في النموذج السعودي الناجح مثالا يحتذى، ونلحظ قيام الثورة في إيران باسم الجمهورية الإسلامية، وظهور “داعش” مؤخرا باسم الدولة الإسلامية، وحتى إسرائيل تجتهد في تحويل دولتها إلى اليهودية.

صحيح أن البعض يرى في السعودية نظاما غير مرن وملتزم ببعض الأحكام الشرعية والفقهية المتشددة، أو أن السعودية لا زالت تعاني من معوقات في التحديث، لكن المنصف سيجد أن هناك تناسبا طرديا بين تطور المجتمع والدولة في سائر بقاع الأرض. فقدر السعودية أولا أن يكون فيها “البيت الحرام” قبلة المسلمين بكل أطيافهم ومعتقداتهم؛ وثانيا أن تنشأ الدولة السعودية في شبه الجزيرة العربية ذات البيئة الصحراوية التي تنعكس على فكر وممارسات البعض من أبنائها، ممّا يجعل من حكمة الدولة التناسق والتنسيق بين تطلعات الدولة إلى الحداثة والتمدن وبين المجتمع الذي تحكمه. ولذا، نتصوّر أن السعودية وجدت أن التمسك بما يمكن أن نطلق عليه “المنهج الآمن” في التطوير والتحديث هو السبيل الأفضل والوسط لمراعاة مشاعر أطياف المسلمين في الخارج وتطلعات المواطنين في الداخل. حيث أن المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها دولا وشعوبا ومؤسسات لا يغفرون للسعودية أي زلة أو تهاون في النواحي الشرعية والدينية، ويرون أن ما ينطبق على الدول والمجتمعات الأخرى لا يندرج على السعودية بحكم مسؤوليتها الدينية والتاريخية.

في المقابل، وقع تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” في عدد من الإشكالات المفاهيمية مما جعله مرفوضا ومنبوذا: 1 - اعتقد التنظيم أن إقامة دولة دينية في العراق والشام على أنقاض التاريخ القديم في القرن الحادي والعشرين أمرا يسيرا أو مقبولا من الدول الإقليمية أو العالمية؛ 2 - أن قيام نظام ثيوقراطي، أو دولة دينية، في محيط جغرافي ديني في القرن الحادي والعشرين، بمحاكاة نسخة قديمة تعود إلى القرن الثامن عشر، أمر سيكون مستساغا أو مناسبا أو مقبولا للمجتمع الدولي. 3 - لم يتصور التنظيم أن قيام دولة على حساب سيادة ووحدة أراضي دول أخرى هو مثار جدل ويشكل سببا لحروب ونزاعات لا نهاية لها وسابقة خطيرة تربك الأمن والسلم الدوليين. 4 - أن استبدال أنظمة سياسية فاسدة ودول هشة بمشروع دولة تعود بالحوكمة لعصور وقرون خالية هو مغامرة محفوفة بالمخاطر وإثمه أكبر من نفعه. 5 - المجتمعات التي يراد لهذا التنظيم أن يحكمها قد بلغت شأنا متقدما من الحريات والتسامح والحداثة والمدنية ومن الصعب، بل من المستحيل، أن تتخلى عن موروثها المدني أو الثقافي أو الاجتماعي. 6 - نسي التنظيم أن هذه الدولة المزعومة تريد أن تنقُض البناء السياسي للمجتمع الدولي ليس في المركز، العراق والشام، فحسب، بل في سائر المعمورة. 7 - اعتقد التنظيم أن تكالب العديد من المسلمين الذين يعانون من انفصام في الشخصية أو عدم انصهار في مجتمعاتهم في الغرب أو الشرق وانضمامهم للتنظيم، هو بمثابة نجاح أو مسوّغ للنجاح.

الوهابية، من جانب آخر، هي حركة إصلاحية، أو لنجادل بأنها 1 - قراءة دينية خاصة مرتبطة بسياقها الزمني ومحيطها الجغرافي وبيئتها الاجتماعية فقط، وأي محاولة لفصلها عن العوامل الثلاثة السابقة هو خطأ في التصنيف أو التحليل أو فهم الوهابية. 2 - ارتباط الحركة “الوهابية” بالكيان أو “السلطة الأولى لآل سعود”، أو المعروفة في أدبيات التاريخ بـ”الدولة السعودية الأولى” لا يعني ربطها بالإطار السياسي القائم اليوم، وبالتالي حتمية تلازم المكونين وذلك ما زاد من سوء الفهم. 3 - وصف الدولة السعودية الحديثة اليوم بـ”الدولة الثالثة” كان اجتهادا في البدايات لتثبيت ما يسمى “المشروعية التاريخية”، حتى أن بعض المتنطعين من “أخونجية” الداخل ذهب إلى تسميتها بـ”الدولة الرابعة” مع بداية عهد الملك سلمان، لأجندتهم الخاصة والإيحاء بأن السعودية اليوم هي ليست امتدادا للكيان السياسي الأول فحسب، بل والمعتقدات والفكر الديني، مما زاد من الخلط وسوء الفهم. 4 - تقريب ملوك السعودية اليوم لأحفاد الشيخ محمد بن عبدالوهاب، الذين تفقّهوا في الدين وطلب العلم الشرعي، ومنح البعض منهم مناصب رسمية، وصلة الرحم بين العائلة المالكة وعائلة آلِ الشيخ، تم تفسيره على أنه تأكيد لارتباط الدولة السعودية الحديثة بأصل المنهج في حركة الشيخ محمد بن عبدالوهاب الأساسية، مما ساعد، أيضا، على ذلك الخلط وسوء الفهم. لكن في المقابل، نجادل بأنه سبق لأفراد من خارج عائلة آلِ الشيخ أن تولوا مناصب ذات علاقة بالدِّين كالإفتاء والقضاء والعدل في السعودية الحديثة. كما أن ملوك السعودية يقربون كافة طلبة العلم والعلماء والفقهاء بصرف النظر عن صبغتهم العائلية؛ ويرتبط ملوك السعودية، أيضا، بصلة رحم مع الكثير من العوائل والقبائل في داخل السعودية وخارجها.

أخيرا، ظُلم الدين الإسلامي بسبب سوء فهم واعتناق مجموعة متطرفة لبعض تعاليم الدين واستخدامها للإسلام صفة وكلمة التوحيد شعارا؛ وظُلمت السعودية بسبب سوء فهم تنظيم متطرف لمجموعة من الممارسات الدينية التي انتهت صلاحيتها نُسبت خطأ للدولة السعودية الحديثة؛ كما ظلمت الوهابية بسبب اعتناق البعض لجزء من مبادئها أو ممارساتها وإخراجها عن سياقها الزمني والجغرافي والاجتماعي.

الدولة السعودية اليوم هي دولة مدنية حديثة تدين بالإسلام وتطبق “المنهج الآمن” في التطور والتقدم؛ كما أن السعودية لا تنكر فضل الحركة “الوهابية” في مساعدة “السلطة السياسية الأولى لآل سعود” في القرن الثامن عشر؛ كما أن السعودية اليوم تعاني وتحارب الإرهاب والعنف السياسي بكل أشكاله في الداخل والخارج وشهد لها العالم بذلك.

ختاما، تملك السعودية من المرونة والبراغماتية ما يمكنها من التواصل مع المجتمع الدولي وستواصل التحديث، لكنها لن تغير عقيدتها بسبب سوء فهم أفراد أو مجموعات لتلك العقيدة وسوء تطبيقها أو استغلال قوى إقليمية أو عالمية لذلك الفهم الخاطئ وسوء التطبيق لأغراض الضغط السياسي. والأكيد أن السعودية لن تغيّر أو تلغي كلمة التوحيد في العمل أو العَلم، لأن جبهة النصرة أو داعش أو أي جماعة متطرفة وضعت كلمة التوحيد شعارا لها.

كاتب سعودي

8