السعودية ودعم استقرار مناطق شمال سوريا

نجاح المساعي السعودية سوف يضفي الشرعية على الجهة السياسية التي تدير تلك المناطق من خلال توسيع مشاركة المكون العربي في مؤسسات الحكم من جهة، وتحسين الأداء الخدماتي من جهة أخرى.
السبت 2019/06/22
الدور السعودي المتوقع يأتي في ظل تفاقم الأزمات الاجتماعية في مدينة دير الزور

في خطوة مفاجئة، زار وزير الدولة السعودي لشؤون الخليج، ثامر السبهان، مدينة دير الزور الخاضعة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية، وعقد لقاءات مع شيوخ قبائل عربية في المدينة. كما شارك في الاجتماعات نائب وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأدنى جويل رايبورن، والمبعوث الأميركي إلى سوريا جيمس جيفري.

تحمل زيارة الوزير السعودي دلالات كبيرة، أهمها الرغبة في استعادة الحضور السعودي بالمشهد السوري. تراجع الدور السعودي خلال السنوات الماضية تحت تأثير انشغال السعودية بالملف اليمني من جهة، والتفتت الكبير الذي عصف بالمعارضة السورية، وتراجع الدعم الدولي لها منذ العام 2016 من جهة أخرى. كما ساهم التدخل العسكري الروسي في تراجع الدورين العربي والغربي، على السواء، في الملف السوري. فتحت تلك التطورات الباب لروسيا، بالتعاون مع إيران وتركيا، للهيمنة على المسار السياسي الجديد الذي تم إنشاؤه، أي مسار أستانة.

كما تأتي إعادة الانخراط السعودية بالمشهد السوري بعد التطورات في شمال شرق سوريا خلال العامين الماضيين. ويشمل ذلك الاستقرار النسبي للمنطقة تحت حكم قوات سوريا الديمقراطية بعد هزيمة تنظيم داعش، وسيطرة تلك القوات على أراض واسعة ذات أغلبية عربية، فضلا عما بدا من حسم لأمرها تجاه رفض تسليم تلك المناطق للنظام السوري.

كما ساعد تراجع الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، عن قراره سحب قواته من سوريا وإعلانه الإبقاء عليها لأمد غير منظور بتوفير الاستقرار الأمني، وشجع قوات سوريا الديمقراطية على رفض التنازل لكل من النظام السوري وتركيا بما يخص الوضع النهائي لمناطق شمال البلاد.

تلا ذلك القرار تعزيز التواجد العسكري الأميركي في المنطقة، إذ أنشأت الولايات المتحدة قاعدة عسكرية دائمة في حقل العمر النفطي ومطارا عسكريا متوسط الحجم. وقد عُقد الاجتماع الأخير للوزير السعودي في تلك القاعدة العسكرية بالتحديد.

هكذا مع تحقق الاستقرار الأمني في شمال سوريا وانتهاء خطر تهديد المنطقة عسكريا من قبل النظام السوري وتنظيم داعش وتركيا، بات المطلوب تحقيق استقرار سياسي واجتماعي، وهي المهمة الأصعب التي لن تتمكن الولايات المتحدة وشريكها، أي القوات الكردية، من إنجازها دون مساعدة القادة المحليين ودول عربية، تتصدرها المملكة العربية السعودية.

الدور السعودي المتوقع يأتي في ظل تفاقم الأزمات الاجتماعية في مدينة دير الزور خلال الشهرين الماضيين. إذ خرجت تظاهرات مستمرة عبر فيها السكان عن استيائهم من تدني مستوى الخدمات التي تضطلع بها قوات سوريا الديمقراطية ومن تهريب النفط إلى مناطق سيطرة النظام السوري، وهو ما كان يتسبب في ارتفاع الأسعار.

 وردت قوات سوريا الديمقراطية على تلك التظاهرات باستخدام القوة وشن حملة اعتقالات فاقمت من غضب السكان وهددت بإشعال المنطقة بصورة يمكن للنظام السوري أن يستغلها. وبالفعل حاول نظام الأسد تأجيج السخط الشعبي إذ تابعت وسائل إعلامه وصحفه الرسمية والمقربة الاحتجاجات الشعبية بصورة يومية داعية السكان إلى مواصلة الاحتجاج.

يقطع الدور السعودي الطريق على محاولات تركيا تفجير المنطقة وتحريض العرب على الأكراد. وقد نقلت وسائل إعلام في الفترة الماضية لقاء الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، عدة شخصيات عشائرية وتحريضها على تصعيد الاحتجاجات ضد “قسد”.

نجاح المساعي السعودية سوف يضفي الشرعية على الجهة السياسية التي تدير تلك المناطق من خلال توسيع مشاركة المكون العربي في مؤسسات الحكم من جهة، وتحسين الأداء الخدماتي من جهة أخرى. وقد تسرب عن الاجتماع الأخير أنه ناقش بشكل خاص تطوير الاقتصاد ودعم القطاعين الصحي والتعليمي، وهو ما سيشكل خطوة ضرورية باتجاه تشجيع وصول المساعدات الدولية للمساهمة في عمليات إعادة الإعمار في تلك المناطق.

ومن المتوقع أن ينتج عن مثل ذلك التحالف العربي- الكردي تشكيل وفد موحد ليشارك في مؤتمر جديد للمعارضة السورية، وصولا إلى مشاركته في المفاوضات التي يدفع الغرب لإجرائها بين مختلف أطراف الصراع السوري.

ما من شك في أن المساعي الأميركية- السعودية تأتي في سياق مواجهة تمدد نفوذ إيران في المنطقة. إذ تسيطر الميليشيات الإيرانية مع النظام السوري على مدن رئيسية في محافظة دير الزور، كمدينتي البوكمال والميادين، وتحاول تعزيز نفوذها في تلك المناطق بكافة السبل، وصولا إلى تأسيس مزارات شيعية ومدارس دينية للسكان.

8