السعوديون سعداء باستعادة الحفلات الغنائية

استمتع الآلاف من السعوديين ليل الاثنين بحضور أول حفل غنائي كبير في بلادهم بعد سنوات من غياب مثل هذه المناسبات العامة في المملكة المحافظة التي تحاول بشتى الطرق زيادة وسائل الترفيه رغم الانتقادات الصارمة للأوساط الدينية.
الخميس 2017/02/02
السعوديون متعطشون للفن

جدة (السعودية) – على مدى ست ساعات من مساء الاثنين حتى الساعات الأولى من صباح الثلاثاء، شارك نحو ثمانية آلاف سعودي في إنشاد أغان عاطفية في مدينة جدة الساحلية في أول حفل غنائي بهذا الحجم في المملكة في حوالي سبع سنين.

وكانت السهرة بمثابة عودة مهيبة لنجم الغناء السعودي محمد عبده الملقب بـ”فنان العرب” والذي قدم حفلات حاشدة في الخارج على مدى أكثر من عشر سنوات كان أغلب حضورها من السعوديين لكنه لم يتمكن من الظهور على المسرح في السعودية.

وظهر عبده مع فرقة موسيقية مصرية من 60 عازفا من الرجال ومعه مغنيان شهيران آخران هما السعودي رابح صقر والعراقي ماجد المهندس الذي يحمل أيضا الجنسية السعودية.

ورغم ذلك لم تسقط كل الحواجز، فقد فرضت السلطات نقاط تفتيش أمنية حول موقع الحفل ولم تسمح بدخول أي شخص لا يحمل دعوة ومنعت أيضا دخول النساء.

وأقيم الحفل بعد يومين فقط من عرض لموسيقى الجاز في مركز الملك فهد الثقافي بالعاصمة الرياض التي لم تشهد حفلا عاما في حوالي 25 عاما. ونفدت جميع تذاكر الحفل البالغ عددها 3300.

كان الحفلان خطوتين جريئتين في إطار خطط حكومية لتعزيز قطاع الترفيه ضمن حملة للإصلاح الاقتصادي والاجتماعي تهدف إلى خلق وظائف وتقليل اعتماد المملكة على النفط.

وشكل الحفل الغنائي الكبير مصدر جذب للشباب السعودي، الذي عبر عن فرحته بحضور هذا النوع من الحفلات في السعودية بدلا من السفر إلى دول مجاورة مثل البحرين والكويت أو الإمارات للاستمتاع بأصوات مطــربين كبار.

وقال الفنان العراقي ماجد المهندس إنه “سعيد جدا وفخور جدا. شعور لا يوصف. نحن مشتاقون لمثل هذه الحفلات في مملكتنا الحبيبة والجمهور مشتاق. ونحن مشتاقون أيضا لهذا الجمهور الأكثر من رائع الذي غمرنا بحبه وتشجعيه وتصفيقه وبحفظه لأغانينا كاملة”.

ونظمت الحفل في جدة شركة “روتانا” التي يملكها الملياردير السعودي الوليد بن طلال.

ونظمت الهيئة العامة للترفيه، وهي كيان جديد في المملكة، نحو 70 مناسبة منذ إنشائها في العام الماضي لكن أغلبها كانت في أماكن صغيرة شبه عامة ووسط حراسة مع حذر المسؤولين من معارضة ذوي التوجهات الدينية المحافظة.

وكان من المقرر أن يشارك محمد عبده في حفل بالعاصمة في سبتمبر لكنه أُلغي في اللحظات الأخيرة دون توضيح.

ورفض عمرو المدني، الرئيس التنفيذي للهيئة المعين حديثا، التأكيد أنه يجري الإعداد لحفل غنائي في الرياض، لكنه قال إن مؤسسته تهدف إلى مضاعفة الإنفاق الأسري على الترفيه ليصل إلى 6 في المئة بحلول عام 2030، وإنها ملتزمة بعرض “تجارب تضفي البهجة على كل أفراد الأسر السعودية”.

وأول حفل لمحمد عبده في المملكة بعد انقطاع دام عشرة أعوام كان في أغسطس في مهرجان سوق عكاظ قرب مكة. وظلت الحفلات الموسيقية نشاطا مستترا في المملكة العربية السعودية الملتزمة رسميا بالمذهب الوهابي الذي يعتبر الموسيقى لهوا غير مباح.

لكن المهرجانات الصيفية في جدة وغيرها من المدن السعودية اعتادت على تنظيم حفلات وتباع أدوات العزف منذ عقود في سوق الحلة الشهير في قلب الرياض.

وقال الدكتور عبدالسلام الوايل، أستاذ علم الاجتماع بجامعة الملك سعود، “تاريخيا، المجتمع السعودي لديه ثراء ثقافي. توجد الكثير من التقاليد الموسيقية بأشكال وثقافات فرعية متعددة”.

وأضاف “الناس من مختلف أنحاء العالم الإسلامي يجلبون تقاليدهم إلى مكة مثلما يحدث مع موسيقى الجاز. هذا جزء من هوية الشعب منذ قرون”.

في المقابل تسعى هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى فرض إجراءات صارمة على العروض وغيرها من الأنشطة التي تعتبرها “مخلة بالآداب”.

وتطارد الهيئة الشبان الذين تنطلق الموسيقى بصوت مرتفع من سياراتهم. ويجري تداول مقاطع فيديو على الإنترنت لرجال متحمسين وهم يحطمون آلات موسيقية.

وحتى اليوم تغيب الموسيقى عن المراكز التجارية وغيرها من المنشآت التجارية باستثناء المطاعم الفاخرة. والتعليم العام الوحيد للموسيقى يوجد فقط في الأكاديميات العسكرية لتدريب الفرق للمشاركة في المواكب العسكرية.

وسعت الدولة على مدار السنوات العشر الماضية إلى رعاية تفسير أكثر اعتدالا للمذهب الوهابي. وزادت الحكومة جهودها العام الجاري مع تزايد الضغوط الاقتصادية الدافعة إلى انفتاح البلاد.

وقلصت السلطات نفوذ هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في وقت سابق هذا العام بمنعها من القبض على الأفراد ومضت في تنظيم حفل محمد عبده رغم تحذير من مفتي المملكة من أن “الحفلات الغنائية لا خير فيها”.

ويقول عشاق الفنون إن الحملات ضد الترفيه على وسائل التواصل الاجتماعي، والتي دفعت في السابق المسؤولين القلقين إلى إلغاء حفلات، تقلصت الآن أمام رسائل التأييد.

ووصف سلطان البازعي الذي يدير الجمعية السعودية للثقافة والفنون هذه الحملات بأنها “إعلان مجاني” بعد أن تسبب هاشتاغ يعارض دروس الموسيقى التي تعرضها الجمعية في ارتفاع عدد طلبات التسجيل.

وقال البازعي “السعوديون كانوا دوما من أكبر المستمعين للموسيقى في العالم العربي. الجميع سعداء لعودة هذه الأشكال من العروض مرة أخرى.. وأنا أقول عودة لأنها اعتادت أن تكون هنا”.

24