السعوديون يربطون أحزمة التقشف قبيل عيد الأضحى

يبدو أن عطلة عيد الأضحى وهي عادة موسم للإنفاق على الملابس الجديدة والسفر والتي تستمر حتى الـ18 من سبتمبر الجاري ستكون الأكثر تقشفا في ما يزيد على 10 سنوات، بعد أن وسعت الحكومة إجراءات خفض الدعم الحكومي وترشيد الإنفاق، اللذين طالا الحوافز والمخصصات وبدلات الوقت الإضافي للموظفين الحكوميين.
السبت 2016/09/10
البضائع للعرض فقط!

الرياض – يتداول السعوديون على موقع التواصل الاجتماعي تويتر رسما ساخرا يظهر ثلاثة رجال بالزي التقليدي يمثلون “الفقر والبطالة والأسعار” يحيطون بطفل صغير يرتدي ثوبا رثا يمثل “الراتب”.

وبينما هم يبتسمون ابتسامة ساخرة للطفل الباكي يخاطبه أحدهم متسائلا “متى تكبر مثلنا؟”.

وتضررت إيرادات السعودية أكبر مصدر للنفط في العالم جراء هبوط أسعار الخام، لتسجل موازنة العام الماضي عجزا قياسيا بلغ نحو 98 مليار دولار، ودفع ذلك الحكومة في أواخر 2015 إلى اتخاذ إجراءات تقشف شملت خفض الإنفاق الحكومي وخفض الدعم لأسعار الطاقة.

وفي الفترة الأخيرة بدأت هذه الإجراءات تنتقل إلى معظم قطاعات الاقتصاد وأدت إلى انخفاض الدخل القابل للإنفاق وأحدثت ضغوطا على مستويات المعيشة للعديد من المواطنين، بعد أن اعتادوا على نمط استهلاكي أكثر رفاهية في السنوات الماضية.

وكان من الطبيعي أن يملك السعودي أكثر من هاتف محمول وأن يحرص على شراء أحدث الأجهزة والملابس وأن يسافر عدة مرات في العام.

ويقول الاقتصادي فضل البوعينين إن “هناك تغيرا ملحوظا في العادات الاستهلاكية وحجم الشراء الذي تقلص بشكل جلي مقارنة بالعام الماضي… قطاع الشركات هو المتسبب الأكبر في تقلص الطلب على السلع لكن تأثير الأفراد لا يمكن تجاهله”.

وأحدث تراجع إنفـاق المستهلكـين ضعـوطا كبيرة على الاقتصاد الكلي. وانكمش القطـاع غير النفطي في المملكة 0.7 بالمئة على أساس سنوي في الربع الأول من العام وهو أسوأ أداء في الـ5 سنوات الأخيرة. ولم تصدر بيانات الربع الثاني بعد، لكن كابيتال إيكونومكس البريطانية تتوقع انكماشه بنحو 4.5 بالمئة.

وانخفضت قيمة الواردات بنسبة 24 بالمئة في يونيو بمقارنة سنوية بسبب تراجع مشتريات المعدات للمشروعات الحكومية وانخفاض واردات السلع الاستهلاكية.

محمد العقيل: الإنفاق تراجع بشكل حاد لكننا نتوقع أن تستقر الأمور في العام المقبل

ويبلغ معدل البطالة الرسمي بين السعوديين 11.5 بالمئة. وحتى الآن لم يفقد سوى عدد قليل من المواطنين وظائفهم جراء التباطؤ الاقتصادي الذي شهدته البلاد هذا العام، وخاصة في قطاع المقاولات، لأن قوانين العمل تجعل من الصعب تسريح السعوديين، لذلك فإن الوافدين البالغ عددهم 10 ملايين هم الأكثر عرضة لفقد الوظائف.

ومع ذلك تأثر السعوديون العاملون في القطاع الحكومي، الذي يوظف نحو ثلثي المواطنين العاملين، من تدابير تقشفية شملت خفض العلاوات والبدلات التي كان ينظر إليها على أنها دخل إضافي منتظم.

وقال الاقتصادي السعودي عصام الزامل إن تلك البدلات التي تشكل نحو 30 بالمئة من دخل المواطنين العاملين بالقطاع الحكومي تقلصت بشكل ملحوظ وجعلتهم يخفضون الإنفاق. وأدت زيادة أسعار البنزين والطاقة إلى مضاعفة معدل التضخم ليصل إلى نحو 4 بالمئة.

ورغم تشجيع الرياض للمواطنين على تأسيس شركاتهم الخاصة للحد من اعتماد الاقتصاد على النفط فإن التباطؤ الاقتصادي زاد الوضع صعوبة لبعض أصحاب الشركات الخاصة.

وأكد سلطان الدوسري السعودي (27 عاما) والذي يملك شركة صغيرة لتنفيذ المعاملات الحكومية نيابة عن الشركات “كنت أسافر 3 مرات سنويا إلى دبي وأوروبا، لكني لم أسافر هذا العام” وأكد أن دخله تراجع بنسبة 70 بالمئة، لأن الشركات أصبحت تخلص المعاملات بنفسها لتوفير النفقات.

ويبدو التوجه لربط أحزمة التقشف جليا في مراكز التسوق والمطاعم في الرياض وجدة والمنطقة الشرقية. وانتشرت على واجهات المحلات لافتات كبيرة مثل “تخفيصات 70 بالمئة” و”تصفيات” لكنها لم تنجح في جذب المشترين. وبدأت المطاعم أيضا بتقديم عروض مخفضة لوجبات الغذاء.

وفي محل شهير لبيع الأزياء يحمل علامة تجارية بريطانية انخفض سعر البعض من الملابس النسائية من 300 إلى 30 ريالا، وهو ما وصفته متسوقة بأنه “أرخص من سعر كيلوغرام من الخوخ”. وقال عامل في متجر آخر “رغم التخفيضات الكبرى فقد يمر يوم أو يومان دون قيام أحد بالشراء”.

فضل البوعينين: الشركات هي السبب الأكبر في تراجع الإنفاق لكن تأثير الأفراد لا يمكن تجاهله

وانعكس تراجع الإنفاق على نتائج شركات التجزئة. وانخفضت أرباح شركة جرير التي تبيع الإلكترونيات والأدوات المكتبية بنحو 25 بالمئة بمقارنة سنوية نتيجة انخفاض المبيعات بنسبة 15 بالمئة.

وقال محمد العقيل رئيس مجلس إدارة الشركة لرويترز “إن انخفاض مشتريات الأفراد يقترب من 10 بالمئة وأن إنفاق الشركات والأجهزة الحكومية على أدوات المكاتب وأجهزة الكمبيوتر سجل تراجعا أكثر حدة” ثم يقول “نتوقع أن تستقر الأمور العام المقبل”.

وهناك ما يدعو إلى الاعتقاد بأن إنفاق المستهلكين قد يتوقف قريبا عن التراجع. فقد أظهرت مسوح حديثة أن نمو القطاع الخاص بدأ في التعافي نتيجة ارتفاع إنتاج النفط وسط توقعات بارتفاع أسعاره العام المقبل، وهو ما قد يخفف الضغوط على الموازنة المالية العامة للدولة.

لكن الكثيرين يستبعدون تحسن إنفاق المستهلكين، لأن الحكومة تؤكد أن المزيد من إجراءات خفض الدعم مازال قيد الدراسة، في وقت تتوقع فيه موازنة العام الحالي عجزا بقيمة 87 مليار دولار.

وتعتزم الحكومة في 2018 تطبيق ضريبة القيمة المضافة عند 5 بالمئة على الأرجح مع إعفاء البعض من السلع من الضريبة مثل الأطعمة من الضريبة.

ويبدو أن أغلب السعوديين يتقبلون إجراءات التقشف كأمر حتمي، وقد لجأ الكثير منهم إلى تويتر لمناقشة فكرة ربط الأحزمة تحت هاشتاغ “الراتب ما يكفي الحاجة”.

11