السعيد بوتفليقة وريث "غير منتظر" يكشف عن وجهه القوي

الأحد 2017/10/01
السعيد بوتفليقة جزائري بزوغ نجمه وأفوله مرهونان بحياة أخيه

أبوظبي - يتحدثّ كثيرٌ من المسؤولين الجزائريين في جلسات خاصة عن حذر الرئيس عبد العزيز بوتفليقة من جميع العاملين معه وحرصه الشديد على التحكم في مجرى الأمور والتعامل بحسم مع الذين من حوله والاعتقاد الراسخ لديه أنه يمثل الحكمة والرشد وأنه يملك خبرة واسعة في معرفة أصناف الرجال.

حتى أنه لا صوت يعلو فوق صوته في اجتماعات الحكومة حين يرأسها، وذلك انطلاقا من تجربته السابقة في الحكم رفقة الرئيس الراحل هواري بومدين الذي حاول أن يتقمص شخصيته الكاريزمية ودوره لكنه فشل فشلا ذريعا. وأيضا على خلفية إبعاده من السلطة واتهامه بالفساد في عهد الرئيس الشاذلي بن جديد، وكذلك لما واجهه من مناورات وتكتّلات من ذوي الانتماءات الجهوية بعد فترة وجيزة من انتخابه رئيسا عام 1999.

تلك المناورات أدّت في نهاية المطاف، لجهة ما هو ظاهر وجهل كامل لما باطن لديه، إلى غَرَقِه في وحل الجهويَّة (المناطقيّة) وخاصة منطقته “تلمسان”، وبالتالي غرق الجزائر كلها في هذا المرض السياسي.

وللإنصاف لم يكن الرئيس بوتفليقة منتجا له إنما ورثه من عهود سابقة وقام هو بتغيير بَوْصَلَتِهِ واتجاهه من الشرق إلى الغرب، وتعميقه لدرجة المبالغة، وقد ينتهي توجّهه هذا إلى تصفيات واسعة النطاق بعد رحيله عن الحكم لأيّ سبب من الأسباب، والمهم لدينا هنا أن هذا الواقع ساعده على الاحتماء بأخيه” السعيد”، حتى غدا هذا الأخير -إن صدقت المعلومات المتداولة سرًّا وعلناًـ هو الحاكم الفعلي للبلاد، خاصة بعد اشتداد المرض على أخيه.

لا يمكن لنا فهم دور السعيد بوتفليقة في السياسة ونظام الحكم وترويضه للفاعلين الأساسيين، من قادة عسكريين كبار ورجال أمن بارزين وشخصيات حزبية فاعلة ورجال مال وأعمال مؤثرين، دون العودة إلى ما سبق ذكره بخصوص بحث الرئيس بوتفليقة عن شخص قريب منه، وما كان له أن يجد أفضل من أخيه السعيد الذي يعتبره ابنه ليس فقط لأن الرئيس بوتفليقة ليس له أبناء، ولكن لسبب آخر أهمّ، وهو أنه رباه رفقة أمه بعد وفاة والده، وهو يكبره بعشرين عاما، لذلك هو يرى في أبناء أخيه السعيد أحفاده، ومن هنا يمكن لنا فهم حضور السعيد وهو يدفع الكرسي المتحرك للرئيس لأجل أن يدلي بوتفليقة بصوته، وكذلك حضور ابنه الصغير رفقة عمّه الرئيس، وكأن بوتفليقة يقول للعالم كله “هذه عائلتي الصغيرة صاحبة الحق في الحكم”.

الرئيس بوتفليقة لم يجد أفضل من أخيه السعيد، الذي يعتبره ابنه، ليس فقط لأن الرئيس ليس له أبناء ولكن لأنه رباه، رفقة أمه، بعد وفاة والده. ومن هنا يمكن لنا فهم حضور السعيد وهو يدفع الكرسي المتحرك للرئيس لأجل أن يدلي بوتفليقة بصوته، وكأن بوتفليقة يقول للعالم كله \'هذه عائلتي الصغيرة صاحبة الحق في الحكم\'

نجم المرحلة

غير أن هذا التعبير الوجودي، إن جاز التعبير، لم يتحول إلى فعل سياسي، والدليل على ذلك أن بوتفليقة الذي اتّخذ من أخيه السعيد مستشاره الخاص بقرار لم ينشر وكلّفه بالإشراف وإدارة النظم المعلوماتية لمكتب الرئاسة لم يقدم على توصيف وظيفي له في مهمة المستشار، وإن كان يتمتع بكل امتيازات المنصب، لكنه أوعز للمسؤولين في مختلف المناصب العليا أن أخ الرئيس، هو رئيس أيضا، وعلى هذا النحو سارت الأمور.

لقد تعمَّق دور السعيد حتى غدا المتحكم في معظم مواقع ومداخل صنع القرار، بِنُصْح أخيه في حال الصحة والحضور، من ذلك إدارته للحملتين الانتخابيتين للرئيس في 2004 و2008، وبالاستيلاء المباشر، وبرضا من الرئيس، في حال المرض والغياب، كما هي الحال منذ أن سافر بوتفليقة للعلاج في باريس حين أصيب بقرحة ثم إصابته بجلطة وإلى الآن.

وتتحدث مصادر سياسية جزائرية وإعلامية غربية كيف أن السعيد هو المُسيَّر الفعلي لروزنامة الرئيس، فهو، مثلا، يتدخل في تعيين الوزراء والدبلوماسيين والولاة ومدراء المؤسسات العمومية وفي كواليس الأحزاب، ويقوم بفض النزاعات بين الوزراء، ومع كثرة الوعكات الصحية التي أصابت الرئيس بوتفليقة من عام 2011 وحتى عام 2014 تركزت الأضواء على تحركات مستشار الرئيس وشقيقه الأصغر، وكانت بصماته واضحة في كل أرجاء وأروقة قصر المرادية وفي القرارات التي يتم اتخاذها.

شهادة ويكيليكس

السعيد بوتفليقة هو نجم المرحلة، وهو اليوم أكبر من مهمته السابقة حين كان أستاذا في الجامعة، وصانع الحدث الإعلامي حين يريد، وحديث الشارع، يتمتع بقوة الشخصية، وله قدرته على النزول إلى الميدان دون حراسة مشددة متى أراد. ذِكر اسمه في جلسة يكون مدعاة فخر معارفه، أو موضوعا للنقد والشتم من معارضيه.

إليه تشدُّ الرحال لقضاء حاجات علية القوم، خاصة جماعات الفساد والراغبين في مناصب عليا. من رَضِيَ عنه فقد رَضَى عنه الرئيس، ومن غضب منه، يتعّرض للإقصاء والإبعاد، وربما التشوية والاتهام والمحاكمة. قُوَّته تكمن في ضعف الآخرين وسعيهم للاقتراب من الرئيس عبدالعزيز.

من ناحية أخرى فإن السعيد يعتبر حامياً للمسؤولين ورقيباً عليهم، حتى أن أحد الوزراء في حكومة عبدالمالك سلال السابقة ذكر لي أن أحد زملائه في الحكومة شنّ حملة عليه خارج الحكومة لإفشاله في مهمته فاتَّجه إلى السعيد مُسْتنجدا به.

المرض السياسي الذي يصيب الجزائر لم يكن الرئيس بوتفليقة منتجا له إنما ورثه من عهود سابقة، وقام هو بتغيير بوصلته واتجاهه من الشرق إلى الغرب. وقد ينتهي توجهه هذا إلى تصفيات واسعة النطاق بعد رحيله عن الحكم لأي سبب من الأسباب.

روى الوزير تجربته على النحو الأتي “بعد جهد جهيد أتيحت لي فرصة اللقاء بالسعيد بوتفليقة، بادرته بالسؤال: هل أنت غاضب منّي يا سي السعيد؟ قال: لا، وأضاف: الرئيس يُقدّرك، فقلت له: أرجو أن تمنع الوزير الفلاني من التهجم عليّ، فرد السعيد: سأبعده من السلطة نهائيا قريبا، وسيكُفُّ هجومه عنك فورا.

وهكذا فعل، وقد تمّ إبعاد الوزير من منصبه في حكومة عبدالمجيد تبون”، وكل هذا يعني أن السعيد بوتفليقة صانع للقرار حاليا، وأنه لا يمكن الاستغناء عنه للوصول للرئيس بوتفليقة في الوقت الراهن.

ورغم الحديث اليومي المستمر القائم على اتهامات مباشرة للسعيد بوتفليقة بالفساد، وهو أيضا ما تذهب إليه منابر إعلامية دولية، منها موقع ويكيليكس الذي كشف عن مراسلة أميركية في 2008 نّصت على أن برنار باجولي الدبلوماسي الفرنسي ذكر”أن الفساد الذي يعود منبعه للإخوة بوتفليقة عبدالله وسعيد، قد وصل لقمّة جديدة وصار يؤثر على تطور البلاد”، كما نشر نفس الموقع وثائق تفيد بدور السعيد بوتفليقة في إقالة علي بن فليس في مايو 2003 من منصب الأمين العام لجبهة التحرير الوطني، وأسهم أيضا في إبعاد الجنرال توفيق من منصبه في قيادة الاستخبارات مع أنه كان الرجل الأقوى في الجزائر.

بين كاسترو ومبارك

تشير بعض التقارير الصحافية إلى أنه “مع بداية عام 2008 كانت أنظار واشنطن تتجه نحو رجل الظل بقصر المرادية، حتى قامت وزارة الخارجية الأميركية عامي 2008 و2009 بطلب من دبلوماسييها بكل من المغرب وتونس والجزائر وفرنسا لإعداد تقارير وجمع أكبر كمّ ممكن من المعلومات عن شقيق الرئيس الجزائري ومعرفة مدى نفوذه في دوائر السياسة والاقتصاد وحجم علاقاته برجال الجيش والاستخبارات ومن الأقرب له من الجنرالات في محاولة من واشنطن لقراءة شكل الجزائر بعد مرحلة عبدالعزيز بوتفليقة”.

الواقع المعقد في الجزائر يساعد بوتفليقة على الاحتماء بأخيه” السعيد”، حتى غدا هذا الأخير، إن صدقت المعلومات المتداولة سرا وعلنا، هو الحاكم الفعلي للبلاد.

بعد هذا كلّه يأتي السؤال الجوهري: هل سيصبح السعيد بوتفليقة رئيسا للجزائر خلفا لأخيه؟ هذا السؤال متداول في الداخل والخارج ومبعثه الصلاحيّات التي يتمتع بها السعيد بوتفليقة، وإمكانية دعم أخيه، ولكن هل فعلا بوتفليقة يتمتع بأيّ قدرة لدعمه في الوقت الراهن مع حالته الصحية المتردّية؟ ما يعني أن توريث السلطة هو رغبة مراكز القوى، وأولئك الذين لهم مصالح مباشرة مع السعيد ويعملون من أجل ذلك الأمر الذي لم يشر إليه الرئيس بوتفليقة لا من قريب ولا من بعيد.

ترشيح السعيد لمنصب الرئيس ممكن نظريا ولكن يصعب تطبيقه عمليا، فمراكز القوى المؤيدة له ليست هي كل الشعب الجزائري، ناهيك عن أن أحزاب المعارضة رغم ضعفها تتربّص به الدوائر وهي في انتظار غياب بوتفليقة عن المشهد السياسي، يضاف إلى ذلك أن حضور السعيد اليومي لجهة صناعة القرار لا يجد ما يُدعَّمه ومعرفته لما يدور في قلب الشارع الجزائري والطبقة الحاكمة لدوائر الاقتصاد والسياسة والجيش وملكيّته لمفاتيح الأحزاب السياسية سواء كانت مؤيدة أو معارضة ووجود آذان وعيون خاصة به في جميع غرف القرار لن يشفع له عن غيابه بعيدًا تمامًا عن الأضواء وعدم حديثه للإعلاميين والصحافيين وجهل الرأي العام به.

من جهة أخرى فإن الجزائر لم تعرف على طول تاريخها وراثة للسلطة على أساس دموي، ولكنّها قامت دائما على توريث سياسي، وهي دائما تختار رئيسها في لحظة شغور منصب الرئيس، وليس السعيد وحده من ينتظر على طابور طويل فغيره كثيرون هم أعمق تجربة منه وأثقل في الوزن السياسي. إن السعيد بوتفليقة فقير من ناحية التجربة السياسة وكلّ ما لديه من قوة هو أنه أخ الرئيس وهذا لن يفيده في شيء.

تبقى هنالك حالة وحيدة يمكن أن يصبح فيها السعيد رئيسا للجزائر هي أن يُورَّثه الرئيس عبدالعزيز السلطة وهو حيّ في تجربة تعيد ما قام به فيديل كاسترو مع أخيه رؤول، وهذه أيضا غير ممكنة لأسباب ثلاثة أولها: أن بوتفليقة يصرّ على البقاء في السلطة حتّى الموت، وثانيها: أن الدستور لا يسمح بترشيحه فقط لأنه أخو الرئيس، وثالثها: أن القوة المساندة له ليست قادرة على الذهاب في تأييده، لذلك فإنه لن يُورَّث السلطة حتى لو اجتمعت في تأييده مراكز القوى في الداخل والقوى الطامعة في الخارج، بل هو مرشح أن يبعد بعد رحيل أخيه وليس ببعيد أن تواجه عائلة بوتفليقة، على قلة أفرادها، ما واجهته عائلة الرئيس المصري الأسبق محمد حسني مبارك في مصر، ولكن بطريقة جزائرية معروفة بالإبعاد والنسيان.

7