السعي إلى الكمال طموح زائف وغاية لا تدرك

الأربعاء 2014/04/23
الباحثون عن الكمال معرضون دائما للضغوط النفسية وجلد الذات

بعض الناس يطاردهم هاجس السعي إلى تحقيق الكمال في حياتهم الأسرية والمهنية، ويقع هذا الأمر في قائمة لا تنتهي من الطموحات الشخصية، حيث يقضي معظمهم سنوات طويلة في تغذية هذه (الطموحات) التي لا تشبع، فينسون في خضم سعيهم، أن يعيشوا حياتهم التي قدرت لهم كما ينبغي.

تفسر الأعراض من وجهة نظر علماء النفس باعتبارها “إدماناً”، يسعى من خلاله المرء إلى إنجاز أقصى ما يمكن إنجازه في وقت واحد وعلى أكثر من صعيد، حتى إذا كان الثمن التضحية بأوقات الراحة والفراغ والاستجمام مع الأهل والأحباب.

ويعد هذا النوع من “الإدمان” كما يراه متخصصون أكثر خطورة من إدمان المخدرات والكحول، إذ أنه قد يكون مصدر سعادة وفخر صاحبه ومحط إعجاب وحسد الناس أيضاً. ومثل مساوئ الإدمان المعروفة، فإن الطموح إلى الكمال قد يدمر سعادة الناس وربما يكون، عكس ما هو متوقع، عدواً للإنتاجية؛ فالكفاءة في العمل تستدعي التوقف بعض الأحيان لاستنشاق بعض من الهواء النقي أو الاستمتاع في رحلة استجمام لإنعاش الروح والجسد معاً، استعداداً لجولة “إدمان” أخرى.

كان للفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر رأي محدد في هذا الأمر، حين وجد رابطاً معنوياً بين حرية العيش والطموحات الزائفة، فقال: “عرفنا كل شيء في الحياة إلا كيف نعيشها”، فهو يرى بأن الإنسان قبل أن يعي حريته ويستثمر هذه الحرية فإنه سيبقى أقرب إلى الأشـياء منه إلى الكائن الحي، وحالما يعي حريته سيصبح مشـروعاً له قيمته المميزة. وتأتي هذه الحرية في المقام الأول من خلال التحرر من القيود التي يضعها الناس في أعناقهم بمحض إرادتهم؛ وهي سعيهم (المسعور) لتحقيق طموحات قد لا تأتي على مقاسهم أو لا تتناسب والمحيط الزمني، الذي قدر لهم أن يعيشوا ضمن أبعاده المرسومة سلفاً وهي مدة تواجدهم في هذه الحياة. لذلك، يخسر هؤلاء الكثير حين ينساقون خلف سراب طموحاتهم طمعاً في الوصول إلى الكمال.

الحرية تأتي في المقام الأول من خلال التحرر من القيود التي يضعها الناس في أعناقهم بمحض إرادتهم؛ وهي سعيهم (المسعور) لتحقيق طموحات قد لا تأتي على مقاسهم

أما المفارقة فتوضح بأن الناس الأكثر سعادة ونجاحا في الحياة، هم أبعد ما يكونون عن فئة المدمنين الذين يضعون الطموح اللامتناهي على رأس أولوياتهم؛ فالدوران في حلقة مستمرة من العمل بدون توقف لا يجدي نفعا فيما يتعلق بالإنجازات مهما كانت بسيطة، والمهم هنا هو النوعية وليست الكمية. ويرى غريغ ماكيون في مقاله الأخير في مجلة علم النفس الأميركية؛ وهو محاضر ومؤلف ومدون متخصص في الكتابة عن أساسيات الحياة الناجحة، بأن تحديد ماهية هذه النوعية أمر غير يسير؛ حيث يعتمد على تقييم مجموعة واسعة من الخيارات، فالقرار هنا يتعلق بكيفية تحديد الوقت والجهد اللازمين لإنجاز الأولويات في العمل مع تخصيص وقت كاف للراحة بين أشواطه ولا يحتسب كونه وقتاً ضائعاً، بل يمثل خياراً مهماً لالتقاط الأنفاس ولتحديد مزيد من الخيارات.

انتبه متخصصون إلى الجانب المظلم من هوس البحث عن الكمال، فأثبتت أبحاثهم بأنه منبع للمعاناة والضغوط النفسية، فضلاً عن تسببه في سلسلة غير حميدة من علل الجسد منها أمراض القولون العصبي والقلب وربما الموت المبكر. ويؤكد الدكتور دانيال مولنار وهو طبيب نفسي في جامعة بروك الكندية، على أن السعي إلى الكمال يمثل إحدى أهم المسببات التي تؤدي إلى الإصابة بالأمراض الخطيرة، شأنه في ذلك شأن التدخين والسمنة. ويرى بأن المفاهيم العامة، خاصة ما يتعلق منها بالإنجاز المهني والأكاديمي، تشجع على السعي نحو الكمال إلا أن واقع الأبحاث الطبية يحذر من مغبة اتخاذها كأسلوب حياة خاطئ. كما ينبغي على الأطباء أن يعاملوا هذا الطموح باعتباره مرضا مزمنا.

من جانبه، يرى الدكتور غوردن فليك أستاذ علم النفس الإكلينيكي في جامعة يورك في كندا، بأن من بين خمسة أشخاص هنالك اثنين عرضة لهوس الكمال والفضل في هذا يعود إلى مواقع التواصل الاجتماعي مثل؛ (فيسبوك) و (تويتر) وغيرها، التي يسعى فيها الأفراد إلى محاولة عكس مشاهد الكمال في حياتهم أمام الآخرين.

الطموح إلى الكمال قد يدمر سعادة الناس وربما يكون عكس ما هو متوقع عدواً للإنتاجية

ويرى فليك، الذي أمضى قرابة عشرين عاماً في دراسة علاقة السعي إلى الكمال بالصحة النفسية والجسدية، أن الطموح إلى الكمال في مجال محدد في الحياة كالعمل أو الدراسة قد يمثل سلوكاً طبيعياً ومشروعاً، إلا أن بلوغ هذا الكمال على جميع المستويات في آن واحد يعد طموحاً مرضياً؛ إذ لا يمكن أن نسعى إلى الكمال في العمل والزواج والمنزل والعلاقات، فهذا ضرب من الجنون، وإذا كان هذا مقصداً للبعض فسيكون بالتأكيد مدخلاً لقائمة تطول من الأمراض النفسية والجسدية، إضافة إلى تأثيره السلبي في العلاقات في المحيط العائلي والاجتماعي.

وحدد الدكتور فليك أنواعا من السعي إلى الكمال؛ أحدهما يدور في محور ذات الفرد وهو ما تعبر عنه طموحاته الشخصية، أما الآخر فيمثل توقع الكمال من الآخرين أو مطالبتهم به، كالأب الذي يفرض على أبنائه أهدافاً طموحة تفوق إمكاناتهم وتعاكس رغباتهم، وبالتالي قد تعوق تقدمهم بصورة فعلية. أو الرئيس في العمل الذي يطالب الموظفين بإنجازات مثالية قد تجعل جو العمل جحيما مطلقا.

ومع ذلك، فإن الإفراط في طلب الكمال قلما يعامل كحالة مرضية من قبل الناس سواء أكانوا ضحايا له أم متفرجين. من ناحية أخرى، يقيم مثل هؤلاء الأشخاص أهمية ذواتهم بمقياس تحقيقهم أهدافهم بالكمال المطلوب، والإخفاق في ذلك يساوي عندهم الفشل، ولهذا السبب هم عرضة دائمة للضغوط النفسية وجلد الذات. أما في حالة تحقيق النجاح، فإن مشاعر البهجة قلما تتمكن منهم، لأنهم سيكونون حتماً في مزاج أكثر عنفاً للبحث عن مزيد من النجاح أو لتعزيز النجاح في الحاضر.

21