السعي وراء الأدرينالين: كيف تطور الخوف ولماذا نستمتع به؟

في أدق تفاصيل الحياة اليومية لا يكاد الخوف يغادرنا للحظة واحدة، فمن القلق والتحسب لأسوأ الاحتمالات في الحياة، إلى الرهاب وتجنب القيام بالأفعال الخطرة واختيار أكثر الخيارات أمنا. كل هذه تجليات لشعور أساسي بتركيبتنا كبشر اسمه الخوف.
الاثنين 2016/11/14
خوف يشتت الانتباه

بالنظر إلى ماضينا التطوري كنوع يصارع من أجل البقاء في بيئة قاسية كبيئة السفانا في أفريقيا قبل مئتي ألف عام، يمكننا أن نرى كم هو مفصليّ وضروري ذلك الشعور غير المريح الذي يشغل أجهزة الاستشعار في أجسامنا ويحفّزها للأخطار المُحدقة بها. فلا يقتصر الشعور بالخوف على البشر وحدهم بل تكاد ردود الأفعال المرتبطة به تتشابه عند الكثير من الكائنات الحية.

تُقسم أبيكيل مارش، وهي أستاذة علم النفس في جامعة جورج تاون، في مُقابلة مصورة لها مع بزنس إنسايدر، ردود الفعل تجاه الشعور بالخوف إلى ثلاثة مستويات.

المستوى الأول هو التجمد وعدم الحركة عند الشعور بالتهديد، وهي آلية تطوّرية كنوع من الاختباء من الخطر المُحدق. ثم مرحلة الهروب عندما يشعر الدماغ بأن الخطر بات داهما ولا جدوى من محاولة الاختباء.

وأخيرا مرحلة الدخول في صراع دفاعا عن النفس، ويلجأ الدماغ لهذا الخيار عندما يشعر بأن الفرار من الخطر أمر مستحيل. غير أن للدماغ آلية مُعاكسة تساعد الجسم على الهدوء والعودة لحالة الاسترخاء عند زوال الخطر، بحسب مارش.

ويكاد تصرف البشر في هذه المراحل أن يكون نسخة طبق الأصل من تصرف أبناء عمومته في مملكة الحيوان مما يؤكد المكانة المهمة لهذه الآلية الدفاعية لدينا.

الخوف أشبه بالعدوى، فليس من الضروري أن تتعرض لمواقف مخيفة لتشعر به، بل يكفي أن ترى أناسا خائفين حتى ينتابك نفس الشعور

ما الذي يسبب الخوف

يتحكم الجسيم اللوزي في الدماغ في التصرفات المرتبطة بالشعور بالخوف من خلال إطلاق نواقل عصبية عند الشعور بالتهديد، مما يؤدي لإرسال إيعاز للغدد الكظرية لتطلق الأدرينالين الذي يساعد في زيادة سرعة دقات القلب ورفع ضغط الدم وتقليص الأوعية الدموية بمحاولة لتهيئة الجسم للقيام برد الفعل الضروري لتفادي الخطر المُحدق.

وفي الوقت الذي يأتي الشعور بالخوف كردّ فعل على ظروف يعتبرها الدماغ البشري تهديدا لسلامتنا، تشير بعض الأبحاث إلى أن الشعور بالخوف قد ينتج عن مصادر أخرى كاستشعار مخاوف الآخرين.

وقد كشفت دراسة باستخدام التصوير بالرنين المغناطيسي، عن أن البعض من المتطوعين ظهرت عليهم إشارات الشعور بالخوف عندما عُرضت عليهم صورة لملامح شخص خائف.

وقد قام الفريق العلمي بإشراف جوي هيرستش، وهي أستاذة في علم النفس والأعصاب في جامعة كولومبيا في مدينة نيويورك الأميركية، بتصوير أنشطة الدماغ للمتطوعين باستخدام جهاز الرنين المغناطيسي أثناء عرض صور لأشخاص تشير ملامحهم إلى أنهم يشعرون بالخوف.

وقد سجل الفريق تدفقا للدم في منطقة الجسيم اللوزي في أدمغة المتطوعين وهي المنطقة التي أشرنا سابقا إلى أنها مكان استشعار الخوف في أدمغتنا، وهذا ما يجعل الخوف أشبه بالعدوى.

مشاهدة أفلام الرعب نوع من الاستشفاء السلوكي

هل الخوف متعة

لا يبدو أن أدمغتنا تتعامل بأسلوب السبب والنتيجة مع الشعور بالخوف، حيث أنها تتأثر بالشعور والإدراك الجمعي في هذا المجال.

في المقابل، تتجلى الغرابة في مجال آخر هو الاستمتاع بالخوف، فالمُتابع لموسم الاحتفال بالخوف "الهالوين" لا يكاد يلحظ التناقض الناتج عن الاحتفال، والحال أن الشعور الذي من المُفترض أن ينتابه غير مُريح ومؤذ.

ليس هذا فقط بل إن شبابيك تذاكر أفلام الرعب تشهد إقبالا منقطع النظير مع أن الحديث من هذه الأفلام يحتوي على مشاهد مقززة من دم وتناثر بقايا أشلاء بشرية وغيرها.

هنا نتساءل عن سبب إقدام الناس على مثل هذه السلوكيات غير المنطقية؟

وقد تناول دين بورنيت طبيب الأعصاب والمُحاضر في جامعة كاردف، في مقال له في الغارديان، هذا السؤال وحاول أن يُقدم بعض التفسيرات التي تتماشى مع علم الأعصاب والطبيعة التطورية لنا كبشر.

وأشار بورنيت إلى أن واحدا من التفسيرات المُحتملة لهذه الظاهرة هو أنها قد تكون مُتنفسا لبعض الدوافع العدوانية المكبوتة.

وأوضح بورنيت أن هناك البعض من الرغبات الإجرامية التي تكمن في لاوعينا تظهر في بعض الأحيان من خلال التفكير بسيناريوهات خيالية مثل سقوط شخص ما من علوّ شاهق أو تخيل حادث سير مأساوي وغيرهما من السيناريوهات. وكون هذه الدوافع بشعة وإجرامية فإنها تدفع وعينا إلى كبتها لذلك لا يكاد يُصدق المرء بأنه يمتلك مثل هذه الدوافع.

ويعتقد بورنيت أن مشاهدة الأفلام والعيش في تجارب رعب مُصطنعة يعتبران نوعين من الاستشفاء السلوكي، وذلك من خلال تحقيق البعض من هذه الرغبات الدفينة في اللاوعي بصورة آمنة ومقبولة اجتماعيا.

وقدم بورنيت في مقالته تفسيرا آخر يتمثل في فكرة المكافأة على الفعل الحَسن، حيث يعتمد دماغنا على شيء شبيه بفكرة العقاب والثواب في محاولة لدفعنا للقيام بالأمور اللازمة لبقائنا وسلامتنا.

وعلى سبيل المثال، يفرز الدماغ نواقل عصبية تساعدك على الشعور بالسعادة عندما تتناول طعاما عالي السعرات أو عندما تلتقي بشخص تشعر تجاهه بالودّ. والسبب بالفعل كما أسلفنا هو محاولة من الدماغ لدفعك لمعاودة فعل هذه الأمور التي يعتبرها ضرورية للبقاء، ولأن دماغنا هو في نهاية الأمر نتاج من عملية تطور غير واعية فهو يمكن أن يقع في الخطأ بسهولة فيكافئنا بهرمونات السعادة على سلوكيات تضرّ بنا في بعض الأحيان أو غير مقبولة اجتماعيا أحيانا أخرى.

وعند التعرض لمشهد مخيف في فيلم مرعب فإن الدماغ يعتبر الجسم في حالة خطر حقيقي لذلك يقوم بتحفيز إفراز الأدرينالين في الجسم كما بينّا سابقا. ويشعر المرء بأنه يعيش حالة حقيقية من الخطر.

وبمجرد أن ينتهي المشهد المرعب يزول تحفيز الخوف ويشعر المرء بالارتخاء، وبغض النظر عن ردة الفعل الحقيقية التي يقوم بها الشخص لتجنب الخطر الوهمي فإن الدماغ يعتبر هذا الأمر خطأً وسلوكا يساعد على تجنب الأخطار، وعلى أساسه يعطي الجسم جرعة من هرمونات السعادة كمكافأة وهذا يولّد المُتعة في العيش في تجارب الرعب تلك.

الخوف وغيره من السلوكيات التي تنطوي على نوع من اللامنطقية، تخبرنا الكثير عن عمليات التطور بالانتخاب الطبيعي، التي قادت لوجودنا كبشر وكيف أنها عملية غير موجهة وغير مثالية. وفي نفس الوقت زوّدتنا هذه العملية بكل المستلزمات الضرورية للبقاء. فحتى لحظات السعادة والاسترخاء التي نختبرها في نهاية أفلام الرعب أو التجارب المخيفة وراءها قصة تمتد للملايين من السنين كما يخبرنا العلم.

كاتب من العراق

12