السفر عبر الزمن يسقط الدراما الجزائرية في التقليد الفج

المشهد الدرامي الجزائري خلال هذا الموسم الرمضاني سقط في مطب الارتجال والعشوائية، حيث غابت اللمسة الإبداعية والرسالة الفنية الهادفة.
السبت 2018/06/09
"عاشور العاشر" لم يجد من يخلفه
 

فشل الفاعلون في القطاع الدرامي في إنقاذ الموسم الرمضاني في الجزائر، فالحملات التي شنتها مختلف القنوات التلفزيونية للترويج لبرامجها وشبكاتها الرمضانية، انتهت إلى نكسة أصابت الجمهور المحلي، الذي وجد نفسه مضطرا إلى تغيير وجهته إلى القنوات العربية، أو حتى إلى تغيير النمط الحياتي إلى أنشطة أخرى، خاصة وأن بعضها صار محل سخط وقرف للمشاهد الجزائري.

الجزائر- تحوّلت موضة السفر عبر الزمن، التي استنسختها تلفزيونات جزائرية في أعمالها المعروضة خلال الموسم الرمضاني الحالي، إلى مصدر للملل والقرف لدى الجمهور المحلي، بعد سقوطها في مطب التقليد والاستنساخ عن مسلسل “عاشور العاشر” الذي عرض الموسم الماضي على قناة “الشروق” الخاصة، وأخرجه جعفر قاسم، حيث أثبتت الحلقات أن منتجي الأعمال الحالية انطلقوا من فكرة واحدة ولم يغيروا إلاّ الأسماء فقط.

تطابق واستنساخ

جاءت مسلسلات “أسطورة المماليك-بوقرون” للمنتجة والمخرجة ريم غزالي، و”بيبان دزاير” للمخرج السوري ياسر الكردي والكاتب نورالدين وغليسي، و”عنتر ولد شداد” لنسيم بومعيزة وبطولة مصطفى قروابي، متطابقة ومستنسخة عن بعضها البعض، وكأن منتجها ومخرجها وكاتبها شركة وشخص واحد، ما غيب التميز والإبداع عن أبرز الأعمال الدرامية المعروضة في هذا الموسم على التلفزيونات الحكومية والخاصة.

ولم يستطع هؤلاء بعث أنقاض السفر عبر الزمن الذي أطلقته تلفزيونات العالم في خمسينات القرن الماضي، ولا تقديم الإضافة التي حققها خلال الموسم الماضي مسلسل “عاشور العاشر”، حيث غلبت الارتجالية والتقليد وسطحية الأفكار والمعاني على الأعمال المعروضة، رغم الهالة التي أحيطت بها في الحملات الدعائية، وظلت بعيدة عن اهتمامات الجمهور وأذواقه، وكأنها أنجزت لجمهور آخر غير الجمهور الجزائري.

وإذا كان “عاشور العاشر” قد قدم قراءة وإسقاطات للأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تعيشها الجزائر والمنطقة العربية، فإن “أسطورة المماليك-بوقرون” و”بيبان دزاير” و”عنتر ولد شداد”، جاءت باهتة المحتوى والرسائل الفنية ولم ترق إلى مستوى طموحات وأذواق الجمهور المالك للحرية والخيارات في متابعة الأعمال التي تروق له بكبسة زر.

ورغم اعتماد المخرجين على الإمكانيات الفنية الحديثة والمؤثرات البصرية والتكنولوجيا المتطورة بشكل لافت، بالاعتماد على الخبرات العربية، إلاّ أن ذلك لم يغط على هزال المحتوى الفني، حيث تكررت الآلات التقنية وأخطاء الكبس ليجد الأبطال أنفسهم في الماضي البعيد بدل السفر إلى المستقبل، وإذا كان الموروث التاريخي كافيا لمحاولة دمج الوقائع مع التراث، فإن المرور إلى المستقبل يتطلب خيالا علميا وتقنيا واستشرافا، استعصى خيال العاملين على مواكبته.

وأجمع متابعون ومختصون في الشؤون الفنية على أن المشهد الدرامي الجزائري خلال هذا الموسم سقط في مطب الارتجال والعشوائية، حيث غابت اللمسة الإبداعية والرسالة الفنية الهادفة، فالمشاهد تصعب عليه ملامسة الفكرة والرسالة التي يحملها أي عمل من الأعمال المذكورة، بسبب غرابة وفوضى الطرح وافتقاده للتسلسل والسلاسة التقنية والفنية، حيث غلب الديكور التاريخي والمؤثرات الخارجية المستعملة عادة في الأعمال الحركية والسينمائية، على حساب النص الذي يشكل صلب العمل الدرامي.

نسخة مشوهة

قصور الخيال الفني
قصور الخيال الفني

كتب الإعلامي والمنتج التلفزيوني سليمان بخليلي على صفحته الرسمية في شبكة الفيسبوك، أن “أسطورة المماليك” أو “بوقرون” جدير به أن يتوج بـ”وسام أسوأ عمل تلفزيوني في رمضان دون تردد”، وهو العمل الذي أثار الكثير من الجدل والتجاذب في الأوساط الفنية والإعلامية، بسبب الصراع الذي دار بين مختلف التلفزيونات لعرضه على شاشاتها عشية انطلاق الموسم الرمضاني.

وذكر مصدر من مجمع الشروق للإعلام رفض الكشف عن هويته لـ”العرب”، بأن “الجبل تمخض ولم يلد إلاّ فأرا لا غير، فالهالة الدعائية التي أحيطت بالمسلسل انتهت إلى خيبة أمل كبيرة لدى الجمهور وحتى لدى مسؤولي المجمع، وكان جدير بهؤلاء الحصول بالمبلغ المرصود للعمل على حقوق بث عملين راقيين”.

وتكون فوضى الإعلان والدعاية التي ترافق الوقت الحقيقي للحلقة الواحدة، أبرز العوامل التي نفّرت الجمهور الجزائري من متابعة الأعمال المقترحة عليه، لأنه صار من الصعب التفريق بين المضمون الدرامي والمضمون الإعلاني، وحتى الاعتقاد بأن الأول هو جزء من الثاني وليس العكس كما جرت عليه العادة، وكما تقرّه أدبيات وأخلاقيات العمل الإعلامي.

ويقول سليمان بخليلي المعروف بسلسلة “خاتم سليمان”، بأن “اسم صاحبة العمل، ريم غزالي، يتكرر مرات عديدة في التتر بشكل مبتذل، فهي السيناريست وهي البطلة وهي المنتجة وهي المخرجة وهي هي.. ممّا يدل على عدم احترافية المنتجة وعدم اكتسابها قواعد العمل التلفزيوني”.

ويضيف مخاطبا زميلا له في المجمع “لا تلمني وأنا أشاهد هذا العمل الرديء أن أنتصر لمهنتي كمنتج، ولذوقي كمشاهد، بعيدا عن أي اعتبارات أخرى، ولا تنزعج مني حين أقترح عليك تنظيم مهرجان للتشهير بالأعمال الرديئة وتتويج ‘بوقرون’ بوسام أسوأ عمل تلفزيوني لهذا العام”.

وتابع “كرست كاتبة السيناريو والمنتجة أسماء لشخوص المسلسل تسيء للعمل فنيا وللمجتمع أدبيا وللذوق الفني جماليا”، في إشارة إلى أسماء أجزاء الأضحية التي أطلقتها على أبطال العمل كـ”هيدورة” (جلد الغنم الصوفي) و”دوارة” (الجهاز الهضمي) و”بوزلوف” (رأس الأضحية) و”بوقرون” (الكبش ذو القرنين)، وهو ما اعتبره المختصون أول سقوط للعمل.

وشدّد المنتج التلفزيوني على أن “التقليد جاء واضحا في ‘أسطورة المماليك’ أو ‘بوقرون’ لمسلسل ‘عاشور العاشر’، وهو نسخة مشوّهة رديئة من حيث الشخوص، الديكور والحبكة.. في العمل المذكور”، وهو ما يعزّز موجة الانتقادات لغياب اللمسة الإبداعية لدى العاملين على إنتاج الأعمال الدرامية المعروضة خلال هذا الموسم، ويثير الاستفهام حول سر وخلفيات التوظيف الرديء للسفر عبر الزمن، وحتى الفشل في تقليد جعفر قاسم والكوميدي صالح أوقروت.

13