السفر بين الأجناس

السبت 2017/10/28

خلال قرون طويلة، ظلت أنواعُ الكتابة مشرعة على بعضها، لا حدود بينها، بشكل كان معه مفهومُ الأدب يشمل، ليس فقط الكتابات الأدبية الإبداعية، ولكن أيضا مختلفَ الإنتاجات في عدد من المجالات المعرفية، بما فيها التاريخ على سبيل المثال. ولذلك ذهب المستشرق الفرنسي ليفي بروفنصال إلى حد تأكيد حقيقة كون العرب، والمغاربة بشكل خاص، كانوا يعتبرون القانون المدني كعمل أدبي، بينما يحتفظ القاضي المسلم والأرصادي، حسب بروفنصال دائما، بمكانة خاصة على مستوى هذا الأدب.

أما الكاتب فكان يمنح لنفسه حرية السفر بين الأجناس الأدبية والمجالات المعرفية، انسجاما مع صورة “العالم المشارك”، الذي يُمكن أن يجد القوة للكتابة الشعرية. إنه نفسه الذي يكتب في مجالات الطب والفلك والبلاغة والتاريخ، من دون أن ينتصر لنوع أو لمجال ما. ذلك لكونه يملك القدرة على جعل كل أنواع الكتابة، سواء تعلق الأمر بالقصيدة أو بعلم الفلك، أو بغيرهما، في خدمة الدين.

ومع تطور مسارات الكتابة، ستنبثق الحدود بين الأجناس الأدبية، لتتبلور مفاهيم الأديب والكاتب والمفكر والباحث، خصوصا بفضل إسهام الجامعة وتطور مجال البحث الأكاديمي.

وبالرغم من التوجه العام نحو الاختصاص في مجال أدبي أو معرفي معين، لن تتوقف متعةُ السفر بين أنواع الكتابة عن إغراء الكثيرين. منهم من يمتلك القدرة على الانتقال من نوع أدبي إلى آخر، مع التمكن من العودة الآمنة إلى نوعه الأصلي، ومنهم من يفقد بوصلته في خضم النط بين الأنواع.

ويبدو لي من باب الانطباع أن الانتقال من الشعر إلى الرواية أكثر يسرا. وأستحضر هنا حالات شعراء استطاعوا أن يتألقوا في السرد كما في القصيدة، ومنهم، على الأقل على مستوى المغرب، محمد الأشعري وعبداللطيف اللعبي وحسن نجمي وعدنان ياسين. بينما أجد، من باب انطباعي كقارئ دائما، أنه يندر أن يُوفق روائي في إقناع قارئه بكتاباته الشعرية. كما لو أن اليسر الذي يحصل في الانتقال من صيغة الكثافة في الجملة الشعرية، إلى صيغة التمدد في الجملة السردية، لا يتحقق إذا انعكس الاتجاه.

ثم إن هناك فئة أخيرة، تتمثل في جوقة الكُتاب الذين يستطيعون الكتابة في كل المجالات. والسير في سائر الاتجاهات، يطوّعون جملتهم حسبما يقتضيه التلفيق لا التوفيق، وبين الصيغتين بون كبير، وشقة شاسعة، يمكن ملؤها بالكلام العام، والعبارات المرسلة، دون أن يتحقق منهما معنى أصيل أو آخر مبتكر، وهو ما لا يخفى على القارئ المتمرس. والحقيقة أنني أجد نفسي مذهولا أمام قدرة هؤلاء على الكتابة في الأدب وفي نقده، وفي التاريخ وفلسفته، وفي الاجتماع ومدارسه، والقائمة تطول. ولعل ضالتهم من ذلك هي تصيد الجوائز، أينما وجدوها استشعروا أن لهم فيها نصيبا. وتلك حكاية أخرى.

كاتب مغربي

17