السفر بين التناقضات

الثلاثاء 2017/06/20

مرت بالتلفاز وصلة إعلانية لبرنامج من البرامج الخيرية التي تملأ القنوات خلال شهر رمضان، تضمنت تعبيرا غنائيا من امرأة من الأوساط الريفية عن شكرها.

ما لفت انتباهي تحديدا حوار دار بين جيلين عاشا في أوساط وظروف مختلفة، حيث تذمرت شقيقتي الصغرى مما اعتبرته أشبه بالعويل منه للغناء وشرحت لها أمي -حفظها الله- أسباب هذا اللون من الغناء

وقالت إن غياب أغلب ما نراه نحن اليوم من ضرورات العيش كالتلفاز وجهاز مسجل الكاسيت دفع بالنسوة قديما في الأرياف إلى ابتداع طرق تساعدهن على القيام بأعمالهن التي تبدو مقارنة بأدوات المطبخ الحالية، تتطلب جهدا ووقتا مضاعفين، لا سيما مع وجود مقاييس معمارية تفرض خلق مسافات فاصلة بين المنازل. وبالتركيز قليلا على ما ذكرته والدتي فإنه يمكن القول إن المجتمع العربي كان مكونا وما يزال من جملة من المتناقضات، وكل منها يفضي بالضرورة إلى الآخر، ففي الوقت الذي تشتهر فيه المرأة الريفية بالحشمة والالتزام بكل مواثيق وبنود خفض الصوت، يعلو صوتها بل صريخها بكلمات تناقلتها جيلا بعد جيل تروي قصص الغابرين والغائبين وتفصح عن العشق والحنين.

وما يبدو تناقضا وخروجا من المرأة عن ضوابط أن صوتها عورة وتحويله إلى ثورة غنائية تنح فيها وتزهو بها يشير حتما إلى طبيعة المجمعات السكانية التي تفصل بين الأجوار، ومع ذلك تقربهم قيم التعاون والتآزر والتآخي ونجدة المحتاج.

ويخلق هذان التناقضان مجتمعين معا فضاء آخر للتناقض يفضح غيابا للشاشة الصغيرة أو وجودا محتشما لها ببعض البيوت، وإن كان الراديو حاضرا بقوة تظل قصص المخيال الشعبي المعد الأساسي لحلقات السمر بين عائلة موسعة تضم بين جنباتها أهل الحي مجتمعين، رغم الفواصل الزمنية التي تقطع ذهابا وإيابا بين المنازل.

وتسفر كل هذه التناقضات أيضا عن الخروج بتناقض جديد بين عالمين مختلفين تماما وغير متباعدين في الزمن، الأمس واليوم، التصاق شديد بين الأبنية وأحيانا بنية ضخمة واحدة تحوي العشرات من الشقق وانفصال شبه تام عن العوالم التي تتجاوز الأبواب الموصدة في وجه الائتلاف والاختلاف السمر والمؤانسة الأفراح والأتراح وبات الإتيكات يقتضي ارتداء قفازات ورفع لافتات رموز الإيموجي المبتسمة دون روح.

وهذا لا يعني أن المجتمع العربي أحادي المنهج فالتناقضات تتوالد من رحم بعضها البعض، ففي مقابل الأحياء الراقية تستميت الأحياء الشعبية لإحياء وتحيين المجتمع الريفي القديم، ولكن الشد على حبل الروابط الاجتماعية التي تفرض على الجيران أن التآخي، سبب اهتراء ينذر بالقطيعة بسبب التقارب الكبير بين المنازل حتى أن النوافذ أحيانا تنفتح على بعضها البعض.

وبالعودة إلى المرأة صاحبة الصوت الرنان الذي يتصاعد نسقه مع عصاة الرحى أو اهتزاز الشكوة (وعاء صغير يصنع من جلد الأغنام للحصول على اللبن) نجد لونا ثقافيا آخر يميز المرأة قديما ويحدد أحيانا مصيرها ومستقبلها، حتى أن إحدى قريبات أمي زوجت بسبب الغناء، إذ كانت تردد كلمات أغنية “قالوا زيني عامل حاله” للفنانة التونسية الراحلة علية، حين باغتتها زوجة والدها عائدة من الخارج، فكان مصير الفتاة المسكينة الضرب المبرح والفضيحة بين الأهل بتهمة أن لها حبيبا تناجيه، وحلفت زوجة الأب يمينا أن تزوجها من حينها. وقد يبدو الأمر مضحكا لكنه يفتح بابا على عقلية متشددة زوجت أغلب القاصرات هربا من العار، ولكنها نجحت في تنشئة أجيال قادرة على تحمل المسؤوليات مقارنة بادعاء الانفتاح اليوم مع ممارسة نفس الضغوط الاجتماعية التي تدفع بأغلب أولياء الأمور إلى تزويج بناتهم صغيرات أو مباركة رغبات فحول مُرْد لا قبل لهم بالحياة الزوجية.

وعلى قصر الحوار بين أمي وشقيقتي طال بمخيلتي المشاغبة السفر بين التناقضات.

كاتبة تونسية

21