السفر في التاريخ القديم يشبه السفر إلى الفضاء

"حكايات الشرق القديم" قصص توثق لأبرز الحضارات البشرية.
الثلاثاء 2019/09/24
حكايات جديدة حول حضارات قديمة

استحضار التاريخ وإعادة كتابته في قصص أدبية تعتمد على البحوث والحفريات والمرويات والتأريخ، ليسا بالأمر الهين، بل أشبه بكتابة الخيال العلمي، حيث يرتكز الكاتب على معطيات وأدلة علمية ومن خلالها يعيد بناء العالم كما كان، في شكل من المحاكاة، لكن بتخييل كلي. وهذا ما يجعل من الأدب المكتوب بهذه الطريقة رحلة ممتعة من خلال اللغة والخيال.

القاهرة – “حكايات الشرق القديم” قصص قصيرة بمثابة دعوة إلى الترحال نحو الماضي البعيد في الشرق، حيث أقدم الحضارات بدءا من الحضارة المصرية القديمة، في رحلة ممتعة ومثيرة للخيال، يأخذنا إليها مؤلف هذه الحكايات الكاتب ألكسندر نميروفسكي.

في قصص نميروفسكي نتعرف على أبطال من الناس العاديين، ممن عاشوا في فترات تاريخية ضاربة في القدم، حيث يصورهم الكاتب بأسلوب بسيط وسلس يتماشى مع طبيعة الحياة غير المعقدة في ذلك الحين، ليقدم لنا شخصيات تحيا مع صراعاتها وتطلعاتها ومعتقداتها، وتتأمل في وضع اللبنات الأولى في الفكر الإنساني وتكون مفاهيم الحرية وحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية.

السفر في التاريخ

يؤكد مصطفى محمود مترجم كتاب “حكايات الشرق القديم” أن الإبداع من هذا النوع يُصنف على أنه من أدب الخيال العلمي، حيث إنه رحلة إلى الماضي البعيد مثلما هو الحال في الرحلات إلى المستقبل. ويقوم العمل التخيلي على حقائق علمية صدرها لنا التاريخ عن الماضي على هيئة نقوش محفورة على جدران المعابد أو أطلالها، وفي أوراق البردي والألواح الأثرية والمخطوطات القديمة وغيرها.

ويقوم المبدع بالبناء الفعلي لأحداث القصة أو الرواية بعد التأسيس للهيكل المجتمعي القائم وتراتبية السلطة والعلاقات الاجتماعية والعقائد السائدة. يأخذ هذه الشذرات المادية ويركب عليها الأحداث التي تدور في إطار حدود المكان والمجتمع والمناخ والعلاقات الاقتصادية والاجتماعية وهيكل السلطة القائم.

قصص تشبه أدب الخيال العلمي، ترحل بنا إلى الماضي البعيد مثلما هو الحال في الرحلات إلى المستقبل

ووفق محمود نستطيع القول إن القيود العلمية تحكم حدود الخيال والتصورات، ومن ثم يكون تصوير صراعات الإنسان ‏مع البشر الآخرين ومع الملوك والطغاة وضد الآلهة وفقا للقوانين المختلفة السائدة آنذاك، ويرصد المبدع العوامل المادية التي أدت إلى بدايات تكوين المنظومة الفكرية والقيمية للإنسان، والتي أسست لمفاهيم حقوق الإنسان وقيمه الحديثة، وينتمي هذا النوع من الأدب إلى ما يمكن أن نسميه أيضا الواقعية التخيلية أو الأدب الوثائقي.

يذكر ألكسندر نميروفسكي مؤلف الحكايات أن السفر في التاريخ القديم يشبه كثيرا السفر إلى الفضاء الخارجي. فحينما تسافر إلى الماضي السحيق تكتشف التصادمات وتستوعب الصراعات، ويتيح لك منظور التاريخ أن تقرر أوجه التشابه في الأحداث المختلفة، ويكون زادك في هذه الرحلة المثيرة هو التصور والخيال، وأجمل ما في رحلة الحكايات هذه أنها تجعلنا نعيش التفصيلات الحياتية والاجتماعية للأحداث التاريخية التي وقعت في العصور البعيدة من منظور إنساني، وهي ليست قصصا عن تمجيد الملوك والشخصيات البارزة والوقائع والأحداث الشهيرة، بل عن الإنسان العادي وحياته في ظل كل ما سبق.

معايشة كاملة

تتأسس تلك الحكايات على مصادر ثابتة من نقوش المعابد وأوراق البردي والمخطوطات والنصوص الأدبية والنبوئية، وكذلك الأساطير في الحضارة المصرية والبابلية والهندية والصينية.

ويقوم القارئ برحلة ساحرة إلى المدن التالدة الغريبة ويرى أشياء عجيبة ويتعرف على المفاهيم التي أسست للفكر الإنساني.

تأخذنا حكايات الشرق القديم إلى حيث نعيش حيوات أخرى وأعمارا فوق حياتنا، ما كان يتيسر لنا أن نحياها بهذه التفصيلات التي تشبه المعايشة التامة. فنعيش مع سنوحي وماعت وحتشبسوت وفراعنة مصر وجلجامش العظيم، ونطّلع على قانون حمورابي، ونتعرف على صبغة الملوك الفينيقيين وشراب الخلود وروحانية بوذا وأباطرة الصين وأساطيرهم. وسوف نتعرف على الكيفية التي يؤلهون بها الإنسان.

ونذكر أن كتاب “حكايات الشرق القديم” صدر مؤخرا عن الهيئة العامة لقصور الثقافة بالقاهرة.

14