السفر من أجل العمل ضرورة تخلف أمراضا

خبراء علم النفس يقترحون على أرباب العمل تمويل سفر الزوجة مع زوجها، أو تحمل جزء من التكاليف من أجل حمايتها من التأثير النفسي لبقائها بمفردها في المنزل.
الثلاثاء 2015/10/06
البعد الجسدي بين الزوجين يصيب علاقتهما بالفتور

دعا خبراء في علم النفس الشركات وأرباب العمل إلى التحلي بالمرونة في التعاطي مع وضعيات الموظفين الذين لديهم أسر، وإعادة النظر في مهمات السفر من أجل العمل التي تسند في الغالب للرجال، فيما تبقى الزوجات بمفردهن في المنزل.

وطالبوا بضرورة تمويل سفر الزوجة مع زوجها في بعض المهام التي تستوجب سفر الزوج، وخصوصا الرحلات الطويلة، أو على الأقل تحمّل جزء من تكاليف السفر المتكرر الذي يمكن أن يؤثر تأثيرا سلبيا على الحالة النفسية للمرأة أكثر من الرجل.

وأكدوا أن النتائج التي توصلوا إليها من خلال أبحاثهم في هذا المجال، تكشف الحالة الحرجة التي بلغتها المعادلة الصعبة بين الأسرة والوظيفة، إذ أصبح السفر المتكرر يؤثر على حياة المسافر ومن يبقى في المنزل على حد السواء.

وكشفت دراسة قام بها البنك الدولي عن ارتفاع معدلات الإصابة بالأمراض النفسية بين الشركاء الذين يسافرون باستمرار بالمقارنة مع غير المسافرين. وأوضح الباحثون المشرفون عليها أن مستوى التعرض للضغوط النفسية يزداد بين هؤلاء بنسبة ثلاثة أضعاف بالمقارنة مع غيرهم.

وبينت مطالب التأمين الصحي التي قدمها شركاء الموظفين في البنك الدولي خلال فترة 12 عاما، أن 16 بالمئة ممن طالبوا بتعويض من التأمين الصحي للعلاج، كانوا ممن يسافر شركاؤهم إلى الخارج باستمرار. كما أظهرت الدراسة أن عدد المصابين من النساء أكثر بكثير من الرجال، والسبب وراء ذلك هو أن المسافرين هم في الغالب من الرجال.

وحذر الباحثون من الأثر السلبي للرحلات المتكررة والقصيرة ودورها في إفساد نسق الحياة الأسرية، والقضاء على فرص ممارسة النشاطات الترفيهية والاجتماعية المشتركة بالنسبة إلى جميع أفراد الأسرة. وقال الباحث لينارت ديمبيرج إن “الحدود بين العمل والمنزل بدأت تتداخل”، مشيرا إلى أن الأبحاث السابقة أظهرت أن المسافرين بسبب العمل قد عانوا من تزايد مشاكلهم الصحية والنفسية بشكل خاص.

وقالت الطبيبة النفسية إلين دوغلاس “إن الضغط النفسي على الأزواج يعود إلى خروج الوضع عن السيطرة لدى الزوجين، فلا يستطيع المسافر أن يرفض السفر لأن عمله يتطلب ذلك ولا تستطيع الزوجة أن ترفض سفر زوجها لنفس السبب”. وأضافت “في الوقت الذي يستمتع فيه المسافر بالسفر في أكثر الأحيان، فإنه ليس هناك أي متعة في الأعمال المنزلية”.

وعلى الرغم من أن أبحاثا سابقة أشادت بدور مواقع التواصل الاجتماعي والتقنيات الرقمية في تسهيل عملية التواصل بين الشركاء الذين يفصلهم بعد المسافات بسبب ظروف العمل، إلا أن الدراسات الحديثة تؤكد أن قدرة الشركاء على التواصل، سواء من خلال الهاتف أو شبكة الإنترنت، لا يعوض الحضور الشخصي للزوج في غالب الأحيان، مشيرة إلى أن الشريك الذي يبقى بمفرده في المنزل مضطر للقيام بجميع الأعمال المنزلية، بالإضافة إلى مهمة رعاية الأطفال.

56 دقيقة في اليوم حصيلة ما يمضيه الأطفال من وقت مع آبائهم بسبب كثرة أعباء العمل

وحذرت من فشل العلاقات الزوجية التي يكثر فيها السفر بسبب العمل، منوّهة بأهمية القرب الجسدي بين الشريكين والاجتماع المتكرر بينهما ودورهما في تمتين أواصر العلاقة بينهما.

ومن جانبها أكدت جامعتي لوند السويدية وسَري البريطانية في أحدث دراسة لهما، أن كثيري السفر معرضون ‫للإصابة بما يعرف باضطراب الرحلات الجوية ‫الطويلة، والذي يؤثر سلبا على الإيقاع الحيوي لأجسامهم، ويسبب لهم الأرق.

‫كما يرتفع لديهم خطر الإصابة بجلطة الساق أو جلطة ‫الرئة، بالإضافة إلى أنهم يقعون فريسة سهلة للتوتر العصبي الذي تسببه لهم تحضيرات السفر والرحلة ذاتها، ‫فضلا عن صعوبة تكوين دائرة أصدقاء كبيرة وصعوبة التواصل الجيد مع شريك ‫الحياة والأبناء.

ولم يستبعد خبراء الأسرة الأطفال من دائرة الضرر الذي يمكن أن يخلفه سفر الآباء المتكرر، منوهين بأهمية وجود الأب إلى جانب أبنائه وقضائه أكثر وقت ممكن معهم، ودور ذلك في تنمية النشاطات الذهنية والاجتماعية لديهم، وتعزيز شعورهم بالثقة والأمان.

وأظهرت دراسة حديثة أن الفترة التي يمضيها الآباء المعاصرون مع أبنائهم لا تزيد في المتوسط عن 56 دقيقة يوميا. وبسبب ذلك فإن الأواصر التي تربط هؤلاء الآباء بأبنائهم تضعف شيئا فشيئا بسبب ضيق الوقت والتوتر الذي يخضع له الآباء في العمل.

ويرى علماء النفس، تعقيبا على نتائج بعض الدراسات المتواترة في هذا المجال، أن الأطفال الذين يتربون في كنف عائلات ثنائية الأبوين يتمتعون بقدرات أفضل فيما يتعلق بالقراءة والكتابة وفي القيام بالعمليات الحسابية مقارنة بأقرانهم الذين ترعرعوا في كنف عائلات أحادية العائل.

وأكدوا أنه على الرغم من اختلاف نتائج الدراسات حول التحصيل العلمي للأطفال، إلا أن غياب الأب وما ينجم عنه من عدم استقرار نفسي لأفراد الأسرة، يؤدي في الغالب إلى ضعف قدرة الطفل على التفكير وتشتيت تركيزه الذهني، مما ينعكس سلبا على التحصيل العلمي لديه.
21