السفير عبدالستار الراوي لـ"العرب": التفتيت هو سلاح إيران لاحتواء العرب

الاثنين 2015/02/16
عبدالستار الراوي: إيران تعمل على اصطناع الصراعات الداخلية لإضعاف الوطن العربي

يرى الدكتور عبدالستار الراوي، آخر سفير للعراق في إيران، قبل احتلاله، في حوار أجرته معه “العرب” أنّ الدور الذي تلعبه إيران في المنطقة بالاعتماد على أذرعها التي نشرتها في البلدان العربية، والتي تدين لها بالولاء أكثر من ولائها لأوطانها، لطالما اتخذ أبعادا متعددة وأساليب مختلفة، لكنها تتفق في مجملها حول أساس أوحد يتعلق بخدمة أجندة ولاية الفقيه التوسعية، على حساب أمن البلدان العربية ووحدة مجتمعاتها.

رأى الدكتور عبدالستار الراوي، أنّ تصدير الثورة الإيرانية ليس محض شعار رومانسي، وإنما هو عقيدة راسخة، الغاية منها تكريس المجال الإستراتيجي الإيراني وثبات منطلقاته التوسعية، والتي استعاد منهجها الرئيس محمود أحمدي نجاد.

وقال الراوي، وهو آخر سفير عراقي في طهران قبل احتلال العراق، في حواره مع “العرب” ، الذي أجري معه في العاصمة البحرينية المنامة، حيث يقيم، إنّ منهج الولي الفقيه في تصدير الثورة يعمل باتجاهات عدة، منها المثابرة على تفتيت الجبهة العربية من خلال سياسات “الاحتواء” و”الاختراق” لبعض النظم المتخاذلة، وتشجيع المحاور وتغذية الخلافات بين الأقطار العربية الأخرى، ودعم الاتجاهات التجزيئية سواء الإقليمية أو الطائفية أو العنصرية، وتبني حركات الغلاة والمتطرفين وتغذيتها وجعلها نقيضا للاتجاهات المعتدلة الإسلامية والوطنية والوحدوية.


سياسة توسعية فجة


الراوي أوضح أنّ إيران تسعى دوما، شأنها شأن الكيان الصهيوني، إلى نقل الحرب إلى خارج أراضيها وتصدير أزماتها الداخلية، وخلق النزاعات والفتن في الوطن العربي، وتجديد فعالية الهياكل التنظيمية لإستراتيجية (تصدير الثورة) في لبنان والعراق والخليج العربي عبر الأحزاب الموالية لها، إلى جانب التدخل في الشأن الوطني للأقطار العربية، من المغرب الأقصى إلى الخليج العربي، مذكرا بأنّ الأحداث بين عامي (2001 - 2011) أفصحت عن ماهية التدخلات الإيرانية، عبر أحزاب إيران وخلاياها في لبنان والمغرب والكويت، وكيف أن المرشد الأعلى شخصيا ومعه مراجع (قم) لم يترددوا عن إعلان نواياهم التوسعية، في تبني مشروع الحركة الفوضوية في مملكة البحرين ودعمها، للنيل من النظام السياسي والانقضاض عليه.

وأضاف أن إيران ما انفكت تعمل لترسيخ نفوذها في العراق، عبر مشروع التجزئة المذهبية، بإقامة إقليم الجنوب، وابتداع فكرة (دولة النجف) الدينية لتكون على غرار (الفاتيكان) في روما.

تجربة ولاية الفقيه تريد فرض نموذجها الأيديولوجي على العرب وتوجه سخطها العسكري ضد شعوبها في الداخل

وقال إنه، بصرف النظر عن الرؤية الوطنية ولو بحدها الأدنى التي قد تحملها الحركات الدينية التابعة لإيران، فإن الإستراتيجية الأميركية والإسرائيلية قد تقترب كثيرا من الإستراتيجية الإيرانية في ما يتعلق بتفكيك الدول والمجتمعات العربية وجعلها منطقة رخوة ضعيفة تحكمها دول هشة ومجتمعات مفككة وغير قادرة على تجميع قوتها للحفاظ على مصالحها الوطنية والقومية، بهدف السيطرة على المنطقة وتحقيق مصالحها الوطنية بصرف النظر عن مصالح العرب، بل الهدف استغلال إمكانياتهم كلّها.

وأفاد السفير الراوي بأنّ إسرائيل ترى أن أمنها القومي مرهون بدول عربية مشتتة ضعيفة ومجتمعات متصارعة مع بعضها لكي تتمكن من اختراقها وتصبح لاعباً رئيسا في صراعاتها الداخلية، وفي سلوكها الخارجي، كما أنّ الولايات المتحدة ترى بدورها أنّ بروز قوة عربية في المنطقة يتناقض مع مصالحها وهيمنتها العالمية، لذلك فإنّ تشتيت قوة العرب وجعل الدول العربية ضعيفة وملحقة بإستراتيجيتها يُعدّ من الأمور الّتي لا جدال فيها.

وأشار إلى أنّ إيران، من جانب آخر، ترى أنّ مجالها الحيوي هو المنطقة العربية المشرقية وأنّ أمنها القومي مرتبط بقدرتها على إضعاف دولها، والطريق الوحيد أمامها والأكثر جدوى في ظل وجود قوى عظمى تتصارع على المنطقة، هو خلق قوى مؤيدة لها في تلك الدول لمحاصرة ومقاومة أي تحالفات مع القوى الدولية ضدّها، والعمل على تهديد مصالح الدول العربية والقوى الأجنبية في حالة عدم تفهمها للمصالح الإيرانية في المنطقة، ولكي تكون قادرة في حالة تهديد نظامها على تحريك حلفائها في المجتمعات والدول العربية لتدمير مصالح الجميع بهدف الوصول إلى اتفاق للتقاسم.


صراع على المصالح


حدّد الراوي أنّ الاختلاف بين إيران وقوى الهيمنة الدولية ينبع من تناقض المصالح، فهما يتصارعان على الكعكة نفسها (الدول العربية) وكلاهما يستخدم الوسائل والطرق المتاحة والممكنة كلها لفرض هيمنته وإرادته على الآخر لكي يكون قادرا على تحقيق مصالحه الوطنية، منوها إلى أنّ إيران ترى في الولايات المتحدة وإسرائيل تهديدا لوجودها وعائقا أمام فرض هيمنتها على العرب.

العراق لن يستقر ما لم تضمن الدول المتصارعة على أرضه مصالحها

بالمقابل ترى واشنطن وتل أبيب في إيران تهديدا حقيقيا لمصالحهما، ولذلك تكون النتيجة؛ إمّا أن يتصارعوا ويخسر طرف فيكسب الآخر أو أن يتفقوا ويتقاسموا الغنيمة والخاسر الوحيد هم العرب في الحالات كلها، أمّا الحل الثالث، وهو المستبعد فيتمثّل في أن يتحرر العرب من مشكلاتهم ويصبحوا قادرين على حماية مصالحهم الوطنية وأمنهم القومي وعلى إقامة علاقات متوازنة مع الجميع بما يخدم مصالح جميع الأطراف، وهذه هي الطريقة الوحيدة لاستقرار المنطقة ومن دون ذلك فإن الصراع هو النتيجة الحتمية، وعلى القوى المتصارعة أن تدرك أن الدول العربية يمكنها أن تفهم مصالح الآخرين بطريقة عقلانية كلّما كانت أكثر قوة وقادرة على حماية مصالحها وحفظها.

وضرب مثلا على ذلك من خلال حديثه عن العراق، قائلا إنه منذ أن تمّ تفكيكه كدولة، أضحى مجتمعه يعيش صراعا طائفيا مقيتا، وأصبح دولة ضعيفة هشة رخوة يتقاتل فيها الأميركيون والإيرانيون (وحلفاؤهما) وكل طرف منهما يريد تحويله إلى نموذج يعبر عن الأيديولوجيا التي يدافع عنها، وقاعدة لتصدير مشاريعه إلى الجوار، وبملاحظة سريعة سنجد أن العراق لن يستقر ما لم تتفق الدول المتصارعة على أرضه، بما يعني ضمان مصالحهم على حساب العراق والعرب.

ولاحظ السفير الراوي أنه استمرارا للذرائعية اللا أخلاقية التي ينتهجها الصهاينة وأصحاب ولاية الفقيه فإنهم وللأسباب والأهداف نفسها اعتمدوا المنطق ذاته في برنامجهم العملي الذي يكاد أن يكون متطابقا في التصور والتطبيق، إذ بدأ كل منهما يحث الخطى وراء أسطورة “أرض الوعد”، فتحولت الفكرية الميثولوجية عن طريق الإيقاع السياسي المنظم إلى “حركة سياسية” لها مضامينها الفكرية ولها أيضا خطواتها التكتيكية وتدبيراتها البعيدة، فانتهيا إلى إقامة “الدولة”، قمة الحلم الرومانسي التي سرعان ما عبرت عنها الحدود “المحلية” (أرضك يا إسرائيل تمتد من الفرات إلى النيل) كما لدى الصهيونية، وإلى هدف كوني “مقدس”، وهو ما تتطلع إليه وتعمل من أجله “الجمهورية الإسلامية” لتوسيع رقعة ولاية الفقيه لتشمل الأقطار العربية والعالم الإسلامي صوب تشييد “دولة العدل العالمية”.

السنوات الـ34 من عمر التجربة الثيوقراطية برهنت أن "ولاية الفقيه" حالها كحال زهرة الخروع تنمو وتذبل وتسقط أوراقها

وقال السفير الراوي إن الوسائل التي يتم بها ومن خلالها تنفيذ التمدد الجغرافي، تأخذ أشكالا مختلفة الأساليب تتراوح بين التسلل الناعم، والغزو الثقافي، يعقبه تفكيك المجتمع عن طريق الإثارة “الطائفية” و“العشائرية” و“الإقليمية” و”المذهبية”، واصطناع الصراعات الداخلية لإضعاف الوطن العربي، وتحويل أقطاره إلى كيانات متناحرة طبقا لخارطة المحاصصات الدينية والإثنية.

كذلك تعمل ايران على تكريس عوامل التجزئة ودعم الاتجاهات التقسيمية وإيجاد منابر ثقافية ومراكز إعلامية لترويج مشاريع تفكيك الوحدة الوطنية، وتشجيع المنظمات والأصوات الانفصالية ودعمها، مرجحاً أن يلجأ الطرفان عند الاقتضاء إلى استخدام القوة المسلحة لتحقيق أهدافهما.

وتابع السفير الراوي أنّ السنوات الأربع والثلاثين الفائتة من عمر التجربة الثيوقراطية، برهنت على أنّ “ولاية الفقيه” وخلافًا لما روجت له وسائل الإعلام الإيرانية، أو لما اعتقده مريدوها، أو أملوا فيه في أيامها الأولى، حالها لا تختلف عن حال زهرة نبات الخروع، التي تنمو وتذبل وتسقط أوراقها واحدة إثر أخرى، فهي كلّ في الأحوال، مجرد ثورة من المراسيم والطقوس والنداءات التعبوية الصاخبة.

تلك التجربة التي حاولت فرض نموذجها الأيديولوجي على الوطن العربي، عن طريق تصدير الثورة المسلحة؛ دشنت أيامها الأولى بالحرب مع العراق، وعادت في العام 2003 مرة أخرى بنفس المقاصد والغايات لتجعل من بعض الأقطار العربية قواعد لتصدير ثورتها كما في حصل في كلّ من لبنان والعراق وسوريا، لتنطلق منها إلى تنفيذ مشروعها السياسي ضدّ أمن الخليج العربي وسلامته، بحثًا عن “مجال حيوي” لتوسيع رقعة “ولايتها السياسية”. وفي الوقت نفسه الذي تُوجّهُ سخطها العسكري المحموم ضد الشعوب الإيرانية وقواها الوطنية والقومية وتستمر في قتل الثوار والشعراء والأطفال.

آخر سفير للعراق في إيران قبل الاحتلال الأميركي خلال حواره مع مراسل "العرب"


الولاء لإيران على حساب الولاء للأوطان


نقل الراوي عن أحد أصدقائه الإيرانيين قوله “إنّ الثورة الإسلامية أقدمت فعلا على هدم أحياء الصفيح والخرائب العشوائية جنوبي طهران، لكنّها اكتشفت أنّها لم تهيّئ مساكن بديلة إلاّ بعد حين، فلو خصصت 50 بالمئة من ميزانية الأنشطة الخارجية المتعلقة بتصدير الثورة، لما بقي فقير واحد في إيران”، على حدّ قول ذلك الصديق.

وأضاف قائلا “إذا بات الإيمان بولاية الفقيه شرطا من شروط الدين الحنيف، وركنا من أركان الإسلام، فإن المسلمين مطالبون بالعمل تحت راية الفقيه الإيراني، ومستعدون أتم الاستعداد لتلبية ندائه في الحرب والسلم، فالولاء الكلي لـ(إيران) يسبق الولاء (الجزئي) للأوطان، بل يتفوق على كل ولاء وانتماء سواء كان عائليّا أو قبليّا أو وطنيّا”.

وأشار السفير الراوي إلى أنّ نشوء ظاهرة “حزب ولاية الفقيه” في بعض البلدان العربية والإسلامية، نبع من إدارة الظهور للأوطان والولاء لإيران؛ حيث يصبح الحزب الولائي بمنزلة عين إيران في هذا البلد أو ذاك، ويدها التي تضرب بها، والصوت الناطق باسمها والمعبّر عن مصالحها. حيث يقدم “حزب الله” في لبنان، على سبيل المثال، نفسه كنموذج إيرانيّ خالص في الولاء المصيري والانتماء العقائدي، بإقرار أمينه العام، حسن نصرالله، الذي قال “مشروعنا الذي لا خيار لنا في غيره، كوننا عقائديين، هو الدولة الإسلامية، وسيكون لبنان جزءا من الجمهورية الإسلامية الكبرى في إيران، يحكمها صاحب الزمان ونائبه في الحق الإمام الخميني”.

وكان نصرالله قد أكد مزهوًّا ومتفاخرًا في خطاب مباشر ألقاه سنة 2010 أنّه وحزبه “متمسكان بولاية الفقيه، بقيادة نائب الإمام ولي أمر الإسلام والمسلمين السيد علي الخامنئي”. وصار “حزب الله” كما أحزاب الولاية الأخرى (منظمة العمل الإسلامية وحزب الدعوة ومجلس الحكيم)، إحدى أدوات إيران في حربها ضدّ العراق، وقد تولّى الحزب تنفيذ العديد من العمليات الإرهابية من بينها تفجير السّفارة العراقية في بيروت سنة 1985على يد عماد مغنية.

الإيمان بولاية الفقيه بات ركنا من أركان الإسلام وعلى المسلمين إدارة ظهورهم لأوطانهم والولاء لإيران

كما قامت عناصر الحزب بخطف طائرة مدنية عراقية وإسقاطها العام 1986، وفي أعقاب الاحتلال الأميركي للعراق واصل “حزب الله” لعب دوره التخريبي لحساب الجمهورية الإسلامية، فأعلن عن تأييده لحكومات الاحتلال الخمس المتعاقبة، وبارك نظام المحاصصة الطائفية في العراق، وأسهم في إعداد مليشيات الأحزاب الولائية وتدريبها في مقابل موقفه السلبي من المقاومة العراقية، كما سارعت قيادته، إلى تأييد تدخل الولاية الإيرانية المشين في الشأن العربي الداخلي منذ بداية الحراك السياسي الذي سمي "الربيع العربي" في العام 2011، فتبنّى الحزب موقف طهران على الرغم من تناقضاته الفاضحة.

كما انتدب حزب الله اللبناني نفسه للدفاع عن حكومة نوري المالكي الناقصة، وسار على خط المرشد الإيراني ومنهجه وهو الذي قضى بتحريم التظاهرات والاحتجاجات على النظام الذي يوالي توجهاته ويحفظ له مصالحه في بغداد، في مقابل ذلك كرّس برامج قناته الفضائية “المنار” للنّيل من مملكة البحرين، التي شهدت بعض الاحتجاجات المدعومة من إيران، تنفيذًا وامتثالا لخطاب “السيد خامنئي” الذي كانت أحاديثه حول أحداث البحرين تصبّ في إطار التّحريض والتعبئة ضدّ الوحدة الوطنية، وضدّ السلام الاجتماعي للشعب العربي في البحرين، وسرعان ما انكشف ذلك للجميع.

7