السقوط الأخلاقي والجشع والبحث عن النجاة

"حدود ثلاثية" المغامرة المهلكة تفتح عيون الأبطال الخمسة على الحقيقة، الفيلم يحفل بالكثير من الإثارة بفضل التنفيذ الجيد لمشاهد الحركة والتصوير المذهل.
الجمعة 2019/05/10
بوب يطوع يوفانا الجميلة عميلة له

بثت شبكة “نتفليكس” مؤخرا الفيلم الأميركي “حدود ثلاثية” للمخرج ج. س. شاندور، هذا المخرج الموهوب الذي أدهشنا بمستواه الفني المرموق في اثنين من أفلامه هما “كل شيء ضاع” الذي قام ببطولته وحده روبرت ريدفورد في دور رجل يواجه الموت وحيدا في قارب يصارع الأمواج في عرض البحر، و”العام الأكثر خطورة” الذي برع فيه أوسكار أيزاك في دور صاحب شركة بترول صغيرة يتعرض لاختطاف شاحناته ويبحث عن وسيلة لرد التحدي.

 يطمح المخرج ج. س. شاندور في فيلمه الجديد “حدود ثلاثية” Triple Fronteir إلى تقديم عمل يقوم على الإثارة والمغامرة، يستند إلى فكرة السقوط الأخلاقي، كيف تبدأ مغامرة تبشر بآمال كبيرة لتنتهي نهاية مأساوية لم تكن متوقعة بعد أن يجد أبطالها أنفسهم داخل سلسلة من الكوابيس الحقيقية المروعة.

لكن الفيلم لا يرقى إلى مستوى أفلامه السابقة، فالاهتمام بالجو الخارجي المثير يطغى على الفكرة، والرغبة في سرد كل شيء ومعالجة الكثير من الشخصيات والغمز دون التصريح، تجعل الفيلم يعاني من غياب الرؤية وكذلك من الترهل وهبوط الإيقاع في فيلم من أفلام الإثارة والتشويق يفترض أن يكون سريعا.

 مشروع طموح، ولكن

عنوان الفيلم الغامض مقصود، لكنه يشير إلى المنطقة الواقعة على الحدود بين ثلاث دول في أميركا اللاتينية غالبا هي كولومبيا وبيرو والبرازيل، والمشروع الأصلي للفيلم كان أكثر طموحا، فقد كان مقررا أن يضم الفيلم أسماء نجوم لامعين مثل توم هانكس وجوني ديب وتوم هاردي ومارشالا علي، كما كان مقررا أن تخرجه كاثرين بيغلو (التي أخرجت “خزانة الألم” و”نصف ساعة بعد منتصف الليل”).

لكن استقر الأمر على أن يخرجه شاندور، وأن تشارك بيغلو في إنتاجه، وبدلا من تصوير المشاهد الخارجية في المواقع الطبيعية في أميركا اللاتينية، تم تصويرها في هاواي، وقام ببطولة الفيلم بن أفليك وأوسكار إيزاك وشارلي هونام وغاريد هيدلوند وبيدرو باسكال، في أدوار خمسة من جنود القوات الأميركية الخاصة المتقاعدين، الذين سبق أن أبلوا بلاء حسنا في خدمة الجيش الأميركي في الخارج، واكتسبوا مهارات وقدرات كبيرة في التعامل مع المواقف الصعبة، وقد تفرقت بهم السبل الآن، وهم في أوائل الأربعينات من عمرهم، وتقوم الممثلة البورتوريكية أدريا أرجونا بدور المرأة الوحيدة في الفيلم، الحسناء اللاتينية “يوفانا”.

شاندور يريد من خلال فيلمه أن يرينا كيف تتدهور الأخلاق، وتنمحي القيم التي نشأ عليها رجال القوات الخاصة أمام الرغبة في النجاة بالمال

أوسكار أيزاك أو “بوب” نراه في المشهد الأول من الفيلم، يساعد الحكومة المحلية في بلد غير محدد من بلدان أميركا اللاتينية، في عملية مباغتة تهدف للقبض على “لوريا” وهو أحد أباطرة المخدرات، لكن لوريا يفلت في اللحظة الأخيرة.

ويعتمد بوب على يوفانا الجميلة كعميلة له، فهي تعمل في خدمة لوريا، لكنها تنقل المعلومات إلى بوب الذي يبدو أنها واقعة أيضا في غرامه، كما تريده أن يساعدها في إطلاق سراح شقيقها من السجن باستخدام نفوذه لدى السلطات المحلية.

في النصف الأول من الفيلم يدور بوب على زملائه الأربعة من رجال القوات الخاصة السابقين لإقناعهم بالاشتراك معه في عملية خاصة لقتل لوريا والحصول على ثروته التي يقال إنها تبلغ عشرات الملايين من الدولارات، تخبره يوفانا أنه يخفيها داخل قصره الواقع وسط الأدغال. وعلى طريقة بطل “الساموراي السبعة” يبحث بوب لإقناع زملائه من المقاتلين السابقين بالاشتراك في العملية.

زملاء السلاح تفرقوا وانشغلوا في أمور حياتية مضنية، فهناك من يلقي محاضرات على الشباب الجدد الملتحقين بالقوات الخاصة، وهناك من يبيع العقارات، وآخر يحترف الملاكمة مقابل مبالغ زهيدة، ورابع (طيار) سحبت رخصته للطيران بعد أن ثبت أنه كان ينقل المخدرات.

إنها مجموعة من “البائسين” الذين يشعرون بالمرارة بسبب ما يعبر عنه أحدهم عندما يقول إنهم “قدموا أفضل ما عندهم لبلادهم، لكنها خذلتهم وتخلت عنهم”. وتصبح هذه الفكرة الأساس الذي سيؤدي إلى اقتناعهم بعد ذلك بأن من حقهم الحصول على “مكافأة” مناسبة بعد أن ضحوا بأحلى سنوات شبابهم دون مقابل، بعد أن لاقوا الإهمال والنسيان.

شخصيات مأزومة

ليس بالإثارة وحدها تنجو الأفلام وتعيش في الذاكرة
ليس بالإثارة وحدها تنجو الأفلام وتعيش في الذاكرة

هناك بعض الإضافات الإنسانية على شخصية أو اثنتين من شخصيات “الساموراي الخمسة” وكان يجب أن يمتد اهتمام السيناريو إلى باقي الشخصيات، لكن التركيز يمتد إلى الجانب الآخر الأكثر إثارة في النصف الثاني من الفيلم.

فهناك مثلا شخصية دافيز التي يقوم بأدائها بن أفليك، الذي سيصبح “البطل” الحقيقي في ما تبقى من الفيلم رغم أن “بوب” هو القائد، فدافيز معروف بشجاعته وإقدامه في الميدان، ولكنه أصبح غارقا في الديون، بعد أن انفصل عن زوجته بالطلاق، يعاني من عجزه عن إقامة علاقة سوية مع ابنته المراهقة، كما يشكو من مشكلات نفسية كثيرة، لذلك يكون أكثر الجميع ترددا في القبول بالمهمة في البداية، ولكن مع بدء العملية وتداعياتها، تعود إليه الرغبة في القتال، ويعبر عن ذلك بقوله إنه لا يشعر بالثقة سوى عندما يقبض على السلاح.

يتم اقتحام قصر لوريا وقتله بعد قتل عدد من حراسه الشخصيين، ليكتشف أفراد المجموعة وجود عشرات الملايين من الدولارات مدفونة داخل جدران المنزل. لا تكفي مئة حقيبة للاستيلاء على ذلك الكنز.

المشهد مصنوع بمهارة ومن خلال زوايا تصوير متنوعة وحركة سريعة في المونتاج، وانتقالات بين الردهات والغرف تحت إضاءة خافتة توحي بالقتامة والشر والغموض الكامن في أرجاء المكان، لكن إيقاع الفيلم سيصبح أكثر سرعة وتأتي المغامرة الحقيقية لأبطال الفيلم خلال عملية الهروب.

هذه المغامرة المذهلة المصوّرة هي أفضل ما في الفيلم كما أنها أيضا الهدف الفني من الفيلم، إنه التحدي التقني والقدرة على السيطرة على الإخراج في مشاهد بالغة الصعوبة وفي مواقع التصوير الخارجية.

عنوان الفيلم الغامض يشير إلى المنطقة الواقعة على الحدود بين ثلاث دول في أميركا اللاتينية هي غالبا كولومبيا وبيرو والبرازيل

تدريجيا وخلال السعي المحموم من أجل النجاة بالمال الوفير المنهوب، سيواجه الأبطال الخمسة الكثير من العقبات والمشكلات، وسيكتسي الفيلم بطابع أفلام الطريق.. ويضطرون للاستغناء عن كميات كبيرة من أكوام المال تارة يدفعونها تعويضا لقبيلة من القبائل التي تم الاشتباك معها، نتيجة رعونة دافيز الذي سارع بإطلاق النار فقتل بعض الأفراد، ممّا يوغر صدر ابن أحد القتلى الذي لا يرضى بالتعويض المالي، فيتبع المجموعة في ما بعد خلال اجتيازها منطقة جبلية وعرة من أجل الوصول إلى حيث ستهبط إليهم الطائرة المروحية المنتظرة، وتارة أخرى بسبب عجز المجموعة عن جر الحقائب المليئة بالمال خلفهم خاصة بعد مقتل دافيز، ثم يتم ربط حمولة حزم المال الوفير بالطائرة تتدلى من أسفلها في مشاهد طريفة.

لكن الطائرة ستعجز عن التحليق فوق قمم جبال الأنديز للوصول إلى المحيط، ويتم بالتالي التخلص من 75 مليونا من الدولارات بإلقائها من الجو، وكلها مشاهد أغرب من الخيال، شبه سريالية.

شاندور يريد أن يرينا كيف تتدهور الأخلاق، وتنمحي القيم التي نشأ عليها رجال القوات الخاصة أمام الرغبة في النجاة بالمال، وكيف سيتحولون إلى حيوانات شرهة لا تقيم وزنا للمبادئ التي كانوا يتشدقون بها، الموت فقط هو الذي سيدفعهم في النهاية إلى إدراك في أي منحدر ينحدرون.

هناك الكثير من الاستطرادات التي كان يمكن الاستغناء عنها ليصبح الفيلم أكثر إتقانا ودقة من حيث مسار السرد والإيقاع، ومشكلات أخرى تتعلق بالعلاقة الملتبسة بين بوب ويوفانا التي تنجو مع شقيقها بمليوني دولار في حوزتها، وتذهب إلى أستراليا دون أن نعرف كيف ستتمكن من دخول البلاد بكل هذا المبلغ، لكن مثل هذه التفاصيل في عمل يرمي أولا وأخيرا إلى تحقيق الإثارة، لا تصبح لها أي أهمية.

ومن جهة الإثارة، يحفل الفيلم بالكثير منها بفضل التنفيذ الجيد لمشاهد الحركة والتصوير المذهل فوق قمم الجبال التي تغطيها الثلوج، وبراعة الإخراج في مشهد سقوط الطائرة وتحطمها، ولكن ليس بالإثارة وحدها تنجو الأفلام وتعيش في الذاكرة!

16