السقوط الأخير

الاثنين 2013/08/26

ليس سقوطاً آمناً هذا السقوط، لكنه سقوط أخلاقي في الأخير. هو انتحار باعث على الحسرة والحيرة وتبلّد المشاعر أحياناً، لكنه انتحار سياسي في الأخير. هو موت غير رحيم يُهدد الأمن والسّلام ويقلب الطاولة ويخلط بعض الأوراق، لكنه موت إيديولوجي في الأخير. صدقاً، لم أكن أظنّ أنّ من يُقرر الموت بغباء سيزعج الأحياء إلى هذا الحد.

هنيئاً لك أيّها المُعربد فينا بالسّبحة والسكين والسجّاد والكفن، لقد أزعجتنا بما يكفي حتى أنّنا أوشكنا أن نجثو لك ونتوسل إليك بالقول: خسرتَ كل شيء، أوهام الخلافة السّادسة وخمسمئة عام من الحكم القادم، لكن أمامك في الأخير فرصة للبقاء على قيد الحياة السياسية، أمامك أكثر من منفذ واحد، يكفي بعض الزّهد وقليل من الخيال، فقط لا تمزق أحشاءك بالسكين لتثير غيضنا وتستجدي شفقة العابرين. هل نأمل في صباح يوم قريب أن تنتصر نفسك العاقلة على نفسك الغضبيّة، ولو بالضربات التّرجيحية؟

مستغربٌ أنّ جماعة الإخوان في مصر لم تستوعب درس الجبهة الإسلامية للإنقاذ في الجزائر: قبل عقدين من الزّمن كانت خُطب عباسي مدني وعلي بلحاج تجيش الآلاف وتهيج الملايين. فعلاً، وقتها حُرم الإسلاميون من السلطة. وسواء كان ذلك بدعوى الوعيد الذي أطلقه بلحاج في خطاب أمام أنصاره بأنّ الجزائر إزاء آخر انتخابات قبل إقامة الدولة الإسلامية، أو كان ذلك لمجرد الخوف من الإسلاميين كما يردد البعض، فقد كان ما كان. لكن ماذا فعل الإسلاميون؟ دعوا مباشرة إلى الإضراب العام، ثم العصيان المدني، ثم الثورة الإسلامية. وماذا كانت النتيجة؟ الشّعب الذي صوّت للإسلاميين أثناء الانتخابات وصلّى خلفهم أثناء الصلوات هو من «خذلهم» على حد قولهم، فتركهم مكشوفي الظهر في مواجهة الأمن الجزائري بلا عمق مجتمعي ولا حاضنة شعبية. ثم ماذا فعلت جبهة الإنقاذ؟ تحولت إلى وحش يسمّى بالجماعة الإسلامية المسلحة (الجيا)، وبدأ الوحش الجهادي ينتقم من الشعب عبر مجازر جماعية أنكر بعضها وبرّر بعضها واعترف ببعضها. وبعد حين من الدّهر تخلّى الكثيرون عن القتال العبثي، فحلّ المشهد الأخير: تحوّلت بقايا (الجيا) إلى ما يُعرف بتنظيم القاعدة في بلاد المغرب. إنّها قصة التدرّج من الوقوف بلا أفق إلى السقوط بلا قعر، قصة الإسلام السياسي.

ملأوا الدنيا صراخاً: الإسلام هو الحل!

سألناهم بكل هدوء: لكن، أين المسألة؟ بدون تحديد للمسألة يصبح الكلام عن الحل مجرّد ضرب من الغوغائية.

وإلاّ فكيف نفسر إصرار الإخوان بعد فقد السلطة على اعتصام عبثي استغرق نحو ستّة أسابيع، ولم يستقطب الملايين التي توازي أو تجابه طوفان ثلاثين مليون متمرد يوم 30 يونيو، ولم يستطع أن يفرض شروطاً جديدة على الجيش والحكومة والأحزاب والشعب؟ كيف نفسر الإصرار الأخرق على حرق مصر؟ كيف نفسر هذه العربدة التكفيرية غير المسبوقة في تاريخ مصر؟

في كل الأحوال، هي محاولة ما بعد فوات الأوان للبَقاء على قيد الحياة السياسية، ولو من باب «الشّوكة في الحلق». هي معركة من خسر كل شيء ولم يعد لديه ما يخشى عليه، حتى ماء الوجه خسره في سبيل التمكين، ولم يعد أمامه من هدف آخر غير إشعال النار في كل شيء، على طريقة «وبعدي الطوفان». أليس يُقال إنّ في سبيل الله يجوز كل شيء، تلك آفتنا الأخلاقية منذ وفاة الرسول الأكرم مروراً بمئات الفتن إلى غاية اليوم. فُضّ اعتصاما النهضة ورابعة في أقل من 12 ساعة عن بدء التدخل الأمني، تمّ إخلاء إمارة رابعة بكلفة ليست صفر قتيل كما كان يحلم البعض، لكن القتلى ليسوا بالآلاف أيضاً كما خشي الكثيرون. نعم، هناك عنف عبثي سيستغرق عدة أيّام أخرى، وربما أسابيع، وقد ينزلق البعض نحو خيارات أشدّ عنفاً كما حدث في التجربة الجزائرية، لكن الأصل أنّ الزّمن لا يعود إلى الوراء. ذلك هو قدر الصيرورة وفق تنبيه الفيلسوف الألماني هيدجر.

أكد الأب المؤسس للفلسفة السياسية، أفلاطون، أنّ الإنسان الذي يمارس السياسة يجب أن لا ينحاز إلى النفس الغضبية، بل عليه أن ينحاز دوما إلى النفس العاقلة. لهذا السبب كان رأيه أن الحكماء هم أصلح النّاس للحكم. وقد جاء في الخطاب القرآني: «ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا».

الآن، وأيا تكن المآلات الممكنة، فإنّ صوت الحكمة كان ولا يزال الغائب الأكبر عن خطاب عقائدي ظل يحرض الناس على الغضب لله بدل أن يعلمهم الفرح لله، خطاب يحرض الناس على الموت في سبيل الله بدل أن يعلمهم العيش في سبيل الله، خطاب يحرض الناس على كراهة الدنيا بدل تحسين شروط الحياة، ويحرّض الناس على غضّ البصر بدل تنمية الحواس، ويردد أمام مسامعهم أن «كل بدعة ضلالة» بدل أن ينمي في الناس روح الإبداع والطموح والابتكار.

أخيراً، سيأتي يوم تزول فيه الغمّة عن الأمّة، ويطلع صباح يوم جميل، يظهر فيه «إخوانيون» جدد، بل مسلمون جدد، أكثر تحرّراً من عقيدة الولاء والبراء، ومنطق الفرقة الناجية، وقيم السمع الطاعة، وجاهلية القرن العشرين. وهذا أعزّ ما يُرجى وأحقّ ما يُطلب.

8