السقوط العربي… والإيراني والتركي والإسرائيلي

الجمعة 2014/11/07

ليس مطلوبا أكثر من تحمّل ما بقي من العرب مسؤولياتهم. وهذا يعني في طبيعة الحال الاعتراف بأن ما يحصل في المنطقة هو نتيجة مسلسل من الأخطاء، التي لا يمكن تحميلها للآخرين. إنّها أخطاء ناجمة عن التدمير المنهجي لدول عربية عدة تولته أنظمة معيّنة مثل مصر الناصرية، والبعثين العراقي والسوري، ونظام معمّر القذّافي، على سبيل المثال وليس الحصر.

الأهمّ من ذلك كلّه، يأتي الاعتراف بأنّ الشرق الأوسط الذي عرفناه صار جزءا من الماضي. لا يمكن للعراق أن يبقى موحدا. كذلك الأمر بالنسبة إلى سوريا. ستكون للأحداث التي تمرّ بها سوريا حاليا، وتلك التي تبدو مقبلة عليها، انعكاسات على لبنان أيضا.

وفي حال انتقلنا إلى منطقة بعيدة عن منطقة الهلال الخصيب، أي إلى اليمن، نجد أن هناك بلدا يتفتت ويعاد تكوينه من جديد على أسس لا علاقة لها بالوضع الذي قام منذ العام 1962، تاريخ إعلان الجمهورية في الشمال، والعام 1967، تاريخ استقلال الجنوب وبداية انسحاب بريطانيا من منطقة الخليج. الأكيد أن إعادة تكوين اليمن لن تكون لها علاقة من أي نوع بالوحدة الاندماجية التي قامت بين الشمال والجنوب في 1990 والتي تبدو حاليا بمثابة حلم لم يعمّر سوى أقلّ من ربع قرن من الزمن.

حتى مصر، كبرى الدول العربية، تواجه تحدّيات من نوع جديد، بعدما اضطرت المؤسسة العسكرية إلى اتخاذ تدابير ذات طابع جذري في سيناء. إذا كانت هذه التدابير تؤكد شيئا، فهي تؤكّد أن مصر، حيث كانت حملة تشنها إحدى إذاعاتها كافية لتهديد هذا النظام العربي أو ذاك، باتت عاجزة عن التعاطي مع الخطر الآتي من قطاع غزّة…

بعد انفصال جنوب السودان قبل ثلاث سنوات وقيام دولة مستقلّة فيه، لم يعد هناك شيء مستحيل. من كان يصدّق أن الدولة السودانية التي عرفناها ستصبح دولتين في أقلّ تقدير؟ الآتي في السودان أعظم، خصوصا في غياب الحاكم القادر على التعاطي مع تعقيدات تتجاوز المشاكل المتعلقة بالدول التي يعبر نهر النيل أراضيها، لتصل إلى أمن البحر الأحمر.

تتمثّل السمّة المميزة لكل الأحداث التي شهدتها المنطقة بسقوط فكرة الدولة وبروز رابط جديد يتفوّق على رابط المواطنة. ما حلّ بالعراق مسؤولية النظام العائلي-البعثي الذي جاء بالأميركيين في العام 2003 بعدما أخذ العراق والعراقيين من مغامرة إلى أخرى. توّجت هذه المغامرات بعمل مجنون هو احتلال الكويت. تلخّصت الوصفة الأميركية للعراق باللجوء إلى كلّ ما من شأنه إثارة الغرائز المذهبية بما يخدم المشروع الإيراني في المنطقة.

لم يكن ما يزيد على نصف قرن من حكم البعث، ثم الطائفة، ثمّ العائلة في سوريا، بمباركة إسرائيلية، سوى الطريق الأقصر للوصول إلى ما وصل إليه هذا البلد الذي كان في استطاعته أن يكون من أفضل دول المنطقة بفضل ثروة الإنسان وثرواته الطبيعية.

تبيّن أن الدولة في سوريا كانت في أزمة مستمرّة. كانت هناك أزمة نظام وأزمة كيان في الوقت ذاته. تصاعدت الأزمة مع وصول البعث إلى السلطة تمهيدا لتسليم مقاليد البلد إلى الطائفة والعائلة. لم تكن هناك من خدمة أكبر من هذه الخدمة تقدّم إلى إسرائيل وتركيا في آن، في وقت تعتبر إيران أن بقاءها ممسكة بدمشق، حلقة مركزية في مشروعها التوسّعي المرتكز على المذهبية.

الثابت، أقلّه إلى الآن، أن ليس لدى إسرائيل أو تركيا ما تعترضان عليه في سوريا، بما في ذلك تورّط الميليشيات المذهبية العراقية واللبنانية وقوات إيرانية في الحرب التي يتعرّض لها الشعب السوري.

هناك ثلاث قوى تنتظر ما سيؤول إليه العالم العربي. هذه القوى هي إيران وتركيا وإسرائيل. لعلّ أكثر ما ترقبه هذه القوى السقوط النهائي للدولة ومفهوم الانتماء الوطني في العراق وسوريا ولبنان واليمن، وحتى في فلسطين حيث الرابط العضوي القائم بين الإخوان المسلمين في غزّة، ممثلين بـ”حماس″، مع إخوان مصر، أقوى بكثير من ذلك الذي يربط “الإمارة الإسلامية” في غزّة بالضفة الغربية. هذا على الأقل، ما كشفته العمليات الإرهابية التي يتعرّض لها الجيش المصري في سيناء.

من مفهوم الدول والكيانات التي أسّس لها اتفاق سايكس-بيكو في العام 1916، إلى زوال الحدود بين قسم من شيعة لبنان الذين يمثّلهم “حزب الله” من جهة، وعلويي سوريا من جهة أخرى، وبين سنّة العراق من جهة وسنّة سوريا من جهة أخرى، لا يمكن الاستهانة بالتحولات التاريخية التي تشهدها المنطقة. كان آخر تعبير عن هذه التحوّلات نجدة أكراد العراق لأكراد سوريا في كوباني، أي عين العرب.

في الوقت ذاته، لا يمكن تجاهل أنّ العصبية الأقوى في اليمن التي ترافق صعود نجم الحوثيين (أنصار الله) هي العصبية المذهبية التي تغذّيها إيران بطريقة مباشرة أوغير مباشرة.

سقطت أكثر من دولة عربية واحدة حتّى الآن. سقط العراق وسقطت سوريا، وقد يسقط لبنان الذي لا يزال دون رئيس للجمهورية منذ أكثر من خمسة أشهر. سقط اليمن وسقط السودان. مصر تواجه تحديات من بينها العجز عن السيطرة على الوضع في ليبيا. الجزائر مهدّدة بدورها بعدما شاخ النظام فيها وبات مضطرا إلى اللجوء إلى إعادة انتخاب رجل مريض اسمه عبدالعزيز بوتفليقة رئيسا للجمهورية… لولاية رابعة!

يحصل كلّ ما يحصل في ظلّ إدارة أميركية لا تمتلك أيّ استراتيجية من أي نوع كان للمنطقة. ولكن هل وضع إيران وتركيا وإسرائيل أفضل من وضع الدول العربية الساقطة؟

ظاهرا، وضع الدول الثلاث يبدو أفضل. في العمق، ليس ما يشير إلى أن الدول الثلاث ستكون قادرة على وراثة العالم العربي، خصوصا بعد انتقال الكثير من العلل العربية إليها.

فإيران، ذات الاقتصاد الضعيف المرتبط بسعر النفط، تمارس اللعبة المذهبية وتستثمر فيها. هذه اللعبة لا يمكن إلا أن ترتد عليها عاجلا أم آجلا.

تركيا غارقة في لعبة الإخوان القائمة على وهم كبير ليس إلا، وذلك برغم ما حققته من إنجازات اقتصادية. لعلّ السياسة السورية والمصرية والفلسطينية لتركيا أفضل دليل على مدى ضعفها وجهلها بما يدور في المنطقة…

أمّا إسرائيل، فهي تعاني من عقدة الشعب الفلسطيني الموجود على الخريطة السياسية للمنطقة، ومن عدم القدرة لا على الحرب ولا على السلام. يحكمها مريض اسمه بنيامين نتانياهو يتصرّف كأي حاكم عربي متمسّك بكرسيه. إسرائيل صارت، بالفعل، جزءا من المنطقة. من عاشر القوم أربعين يوما صار مثلهم أو رحل عنهم. هذا ما يقوله مثل عربي. يبدو أنّها صارت مثلهم لا أكثر!

ما نشهده اليوم ليس سقوطا عربيا فقط. إنّه سقوط إيراني وتركي وإسرائيلي أيضا. سقوط لمن لم يدركوا أنّ وراثة العرب في المنطقة التي تشغلها دولهم ليست بالسهولة التي يتصورونها.


إعلامي لبناني

9