السقوط اللغوي

الاثنين 2014/04/28

إذا كانت السياسة هي فن الممكن فإن اللغة هي فن الكائن والمحال. فأغلب التحليلات السياسية تخفق في استشرافاتها، بخلاف التشخيصات اللغوية التي على ضوئها يمكن التنبؤ بالوقائع قبل حدوثها. من هذا المنطلق قال المسيح -عليه السلام- “في البدء كانت الكلمة”. والكلمة وحدها قد تغير عوالم كثيرة ومصائر. فبها يتمّ الزواج والطلاق والقسم والوعد والوعيد والتحليل والتحريم والتحذير، وهكذا أمور خطيرة. واستنادا إلى هذا الفهم المتواضع يمكن، مثلا، تفسير الثورة المصرية وسقوط نظام مبارك لغويا، فقد ابتدأت الشرارة باللغة وجاء الانهيار لغويا.

لن ندخل في تفاصيلَ قد يكون هناك من هم أجرأ منا -وأكفأ- للخوض فيها. ولن نزايد مع المزايدين على حدث استعصى على الأذهان. وإن كان يعنينا التذكير بسلاسل الانهيار اللغوي في ما جرى بأرض الكنانة، مستحضرين تلك الحكمة الصينية التي تضع قواعد ذهبية لسقوط الأمم والحضارات، فالمسألة تبدأ بسيطة، كأثر الفراشة، ثم تتعقد. وهكذا يؤدّي سقوط مسمار صغير إلى سقوط الحدوة، وبسقوط الحدوة يسقط الحصان، وبسقوط الحصان يسقط الفارس، وبسقوط الفارس يسقط الجيش، وبسقوط الجيش يسقط القائد، وبسقوط القائد تسقط الإمبراطورية. ولعل العطب في خطاب الرئيس المصري ما قبل السابق (أي مبارك) كان لغويا بالأساس، ولا سيما في اللحظات الحرجة من تاريخه الذي لم يعد يتماشى وتاريخ مصر المتسارع.

فحينما ادلهمّت الأمور ولم يعد للرئيس من يكتب له خطاباته، فيما بدا، راح يكتبها بنفسه أو يكتبها إليه أشخاص غير مؤهلين فانخلع المسمار لتتلوه الحدوة فالفرس والفارس ثم الجيش (الرئاسي) ثم الإمبراطورية الحاكمة. لقد كان الرئيس ونائبه في وضع (لغوي) ركيك، والحال أن خطاباتهما كانت مكتوبة، أي كانت تسمح بالتمحيص في التعابير والتدقيقات النحوية، لكنهما كانا عاجزين عن التحكم في اللغة. فحين بدأنا نسمع منهما تعابير من قبيل “أيها المواطنين” -بجرّ جمع المذكر السالم- و”عودوا إلى ديارُكم” -برفع المجرور- كنا ننتظر سقوط المسمار.

يبدو أننا نبالغ؛ فليكن.. لكن أن يعجز رجل ظل يتحكم في برّ مصر وبحرها وجوها لحوالي ثلاثين سنة، عن حل مسألة لغوية بسيطة، فطبيعي أنه لن ينجح في حل معادلة كبرى أضحت ترتهن إلى أكثر من مجهول. فرجاء لا تستهينوا باللغة فهي ليست مجرّد خضرة فوق الطعام، كما يقول أهالينا، وإنما هي الطعام نفسه بسبع خضاري. مع استدراك لا بدّ منه هو أن اللغة وحدها لا تكفي لحماية الأشخاص والأمم وإلا لكان الحكام المفوهون، بدورهم، قد استطاعوا حماية مسامير ممالكهم من السقوط. ذلك أن بعض الخطب العصماء قد تجرّ الوبال على ذويها أضعاف ما تجرّه خطب مكسورة الأوزان والدلالات.


كاتب من المغرب

15