السكايب كائن أزرق وأبيض يربط العالم ويمزقه

الأحد 2015/09/27
السكايب جعل الصوت والصورة في متناول الجميع

لا يعرف أحد، حجم وآثار الانقطاع المفاجئ الذي طرأ على عمل برنامج السكايب قبل أيام، والذي أدّى إلى تمزيق الاتصالات التي تقوم عليه عبر العالم، قبل أن تعلن شركة سكاي بي، عن عطل فني أصاب الموقع مما جعل مستخدمي سكايب في جميع أنحاء العالم يتأثّرون بتلك المشكلة ويعانون جرّاء ذلك العطل، وخاصة لمن تقوم أعمالهم على الاتصال بهذه الخدمة .

وقد بدأت هذه المشكلة بالظهور صباح أحد الأيام القليلة الماضية في معظم دول أوروبا، بدأت من إنكلتر ومن بعدها الولايات المتحدة الأميركية وبعدها باقي دول قارة أوروبا ودول الشرق الأوسط.

توقفت الخدمة في الكومبيوترات والهواتف الذكية، سواء عن طريق الاتصال بالفيديو أو عن طريق الاتصال بالصوت، لتسارع الشركة وعبر موقعها الرسمي على تويتر بالإعلان من خلال تغريدات متتالية، عن عطل فني أصاب الخدمة، وأن العمل جارٍ لحل هذه المشكلة فنيا في أسرع وقت من خلال طاقم الصيانة الخاص، وهو ما تم بالفعل فقد عادت الخدمة خلال ساعات قليلة، ليعود العالم مترابطاً من جديد، بفضل سكايب.

التطور الكبير والهائل الذي تشهدُهُ وسائل الاتصال حول العالم، جعلَ الكرةَ الأرضيةَ قريةً صغيرة بكلِّ ما للكلمةِ من معنى، فاليوم وبفضلِ التقنيات العديدة التي أنتجَها العقل البشري صارَ من الممكن متابعةُ أيّ حدَثٍ في العالَم بشكلٍ مباشر ولحظي، فبرامجُ الاتصال متنوعة وكثيرة وتأخُذُ أشكالاً وآليات عديدة تبعاً للخدمات التي تقدِّمها للإنسان الذي تفنَّنَ في استخدامها وتذليلِها لتسهيل حياتِه.

وبما أنَّ تلك البرامج تعتمدُ في مجملِها على الشبكةِ العنكبوتية فإنَّها عرضة للتوقُّف، وتوقُفُها يؤثِّرُ بشكلٍ سلبي على تفاصيل حياةِ الإنسان الذي عاش قروناً طويلةً بدونِها قبل ظهورها منذ أعوام، وكلُّنا نذكُر توقُّفُ تقنية الواتس آب عقب انتقالِها مباشرةً إلى ملكية مارك زوكربيرغ مؤسس الفيسبوك، كثيرون وصفوا تلك الليلة بالعصيبة، بسبب ما شابَها من إعلان إجراء تحسينات على الخدمة التي تنقلُ الأحاديث والأصوات والصور عبر العالم أجمع، فإن كان الواتس آب هو الأكثر شيوعاً اليوم فلا يُمكِن ذكرُ وسائل الاتصال الحديثة دون التوقُّف مليَّاً عند برنامج السكايب.

البدايات الأولى

ظهر السكايب في بداياتِهِ كتطوُّرٍ طبيعي لبرنامج تبادل الملفات الشهير كازا، ليكون في بداية ظهوره تحت اسم “سكاي بير تو بير” ثم ليحمِل اسماً آخر قبل أن يكون له الاسم الأخير الذي نعرِفهُ به، فالسكايب اليوم يحتلُّ الأرقام الأولى في التقنيات الموثوقة عبر العالم بعد أن أثبتَ قدرتهُ الهائلة على نقل المعلومات والملفات والصورة أيضاً. ورغم وجود منافسين لهُ في أشكالٍ مقاربةٍ لهُ إلَّا أنَّهُ ظلَّ متفرِّداً على الأقل في المحطات الإخبارية التي تستخدمهُ على نطاقٍ واسع، بل صارَ ضرورةً حقيقية فرضتها معادلةُ العمل الإخباري في السنوات القليلةِ الماضية فلا تخلُ نشرةُ أخبارٍ من ضيفٍ أو مراسلٍ عبر السكايب.

السكايب يظهر في بداياته كتطور طبيعي لبرنامج تبادل الملفات الشهير كازا، ليكون في بداية ولادته تحت اسم "سكاي بير تو بير" ثم ليحمل اسما آخر قبل أن يكون له الاسم الأخير الذي نعرفه به، وليحتل اليوم المرتبة الأولى في التقنيات الموثوقة عبر العالم بعد أن أثبت قدرته الهائلة

القصة في بداياتِها تعودُ إلى نهايةِ أغسطس وبداية سبتمبر من العام 2003 حيثُ تم إطلاق سكايب ليكون بين أيدي المستخدمين في أرجاء المعمورة بعد جهودٍ جبَّارةٍ من نيكولاس زينشتروم ويانوس فريس اللذَين عملا على برامجَ عديدة وصولاً إلى السكايب بصورتِهِ الحالية، فقد بدأ مشروعُهما المشترك منذ الخطوات الأولى لبرنامج كازا قبل أن يتوصَّلا بربط تقنيات عديدة اعتماداً على آلية نقل الملفات والصورة والصوت معاً إلى برنامج السكايب، فالعملية التقنية المعقَّدة تقومُ على إتاحةِ خيارات الاستخدام بلغاتٍ متعدِّدة لضمان الوصول إلى أكبر شريحةٍ ممكنةٍ في العالم الواسع عقبَ ظهور منافسين حقيقيين في ساحاتِ التواصل.

نيكلاس زينشتروم رجلُ أعمال ومُبرمج سويدي وُلِد في السويد في السادس عشر من فبراير لعام 1966 ودرس بدايةً في جامعة أوبسالا السويدية قبل أن ينتقل إلى ميتشغان الأميركية لمتابعةِ دراسته في إدارة الأعمال، ليعود إلى السويد موظَّفاً في شركة الاتصالات السويدية ولينتقلَ بعد ذلك إلى ميدانٍ جديد يعتمدُ على أسس تبادل الملفات حيثُ أطلق في عام 2001 برنامج كازا قبل أن يطوِّرَ برفقةِ صديقِهِ يانوس فريس برنامج سكايب.يانوس فريس رجلُ أعمالٍ دانماركي وُلِدَ عام 1976، ودرَسَ البرمجيات حيثُ كان لهُ دورٌ بارزٌ في تعزيز المحتوى التجاري للمستهلكين من خلال مشاريع عديدة أطلقها بتأمين العمل عبر الإنترنت قبل أن يتعرَّف على السويدي زينشتروم ويطوِّرا معاً بجهودٍ مشتركة برنامج كازا على شكل السكايب الذي تمَ بيعهُ عام 2005 لشركة مايكروسوفت بمبلغ قارب 2.6 مليار دولار.

ربما يبدو هذا الرقم فلكياً للوهلةِ الأولى، ولكن بالمقارنة مع الخدمات التي يُقدِّمها برنامج السكايب فإنَّهُ يغدو عادياً في ظلِّ تحويل العالم في مُطلَقِهِ إلى مُدُن قريبةٍ مُتراصَّةٍ مع بعضها البعض مُتّصلة دائماً، حيثُ ظهرَت أهميَّتهُ عقبَ فشل مئات الآلاف من مستخدميه خلال الأيام الماضية بتسجيل الدخول لحساباتِهِم كما أسلفنا، وتلك الحادثةُ التي انتقلت كالنار في الهشيم وتلقَّفتها شركاتٌ منافسة وإصداراتٌ تقدِّم خدماتٍ مشابهة للسكايب، تضعنا في صورة المشهد الحقيقي الذي يحتلُّهُ هذا البرنامج عبر العالم أجمع، حيثُ يتصدَّرُ التقنيات الموثوقة بنسبةٍ معقولة في التواصل بين البشر.

السكايب والسياسة

الأحداث العربية في السنوات الأخيرة، أحدَث اهتزازات عنيفة في كثيرٍ من مناحي الحياة سواء للمتصِّلين بها بشكلٍ مباشر أو أولئكَ البعيدين جغرافياً عنها، فمع انطلاق ثورات الربيع العربي ظهر السكايب كمراسلٍ حربي في أكثر النقاط الساخنةِ في البلدان التي شهدَت انعطافاتٍ خطيرةٍ في مسيرةِ الثورات العربية التي انطلقت عام 2011 في تونس وصولاً إلى الثورة السورية التي غرِقَت بالدم عقب مواجهةِ النظام للشعب بالأسلحةِ العسكرية.

وفي ظل قيام الحكومات الدكتاتورية بمنع دخول وسائل الإعلام لتغطية الأحداث في سوريا مثلاً، لم تجد المحطَّات الفضائية العربية في هذه المعادلة الصعبة وسيلةً للوصول إلى أكثر الأماكن اشتعالاً إلا عبر تقنية السكايب التي وفَّرَت ظهوراً دائماً لناشطين ومراسلين حربيين صحفيين من مناطق الحدث بتكلفةٍ مالية تقلُّ في جدواها الاقتصادية عن التكلفة الباهظة للعمل الإخباري، فضلاً أنَّ قدرة السكايب على نقل الملفات وترجمتها بصيَغٍ متعددة أتاحت فرصةً حقيقية للعاملين في عالم الإعلام العربي لتطوير مهاراتِهِم في التعامل مع الصحافةِ الإلكترونية والاشتغال بشكل معمَّق على آليات جديدة لصناعة الخبر، وبالتالي تطوير الخدمات الإخبارية التي تقدِّمها هذه المنابر على اختلافِها، وهذا الفضاء “السكايبي” إن صحَّت تسميتهُ ساهمَ بشكلٍ كبير في صناعةِ ناشطي ثورات الربيع العربي الذين مكّنتهُم هذه التقنية الفريدة من عدمِ ضرورةِ خضوعِهِم لبروتوكولات الظهور أمام الكاميرا، وضرورة امتثالِهِم للقواعِد الإعلامية المهنية في ذلك.

خدمة سكايب تتوقف فجأة قبل أيام، في الكومبيوترات والهواتف الذكية، سواء عن طريق الاتصال بالفيديو أو عن طريق الاتصال بالصوت، لتسارع الشركة وعبر موقعها الرسمى على تويتر بالإعلان من خلال تغريدات متتالية، عن عطل فنى أصاب الخدمة، وأن العمل جار لحل هذه المشكلة فنيا في أسرع وقت

المجتمع يحتاج السكايب

وكما أن برنامج السكايب أحدث زلزلةً هائلة في عالم الخدمات المُقدَّمة إنتاجياً للشركات العاملة في مجال الإعلام مثالاً لا حصراً، فقد تواصل أفراد الأسر عبر العالم، مع عائلاتهم في القارات المختلفة، من خلال السكايب.

ومن خلال كاميرا الكمبيوتر أو الهاتف المحمول يمكن الوصول إلى أيّ مكان و تقديم أيّ قريب أو ضيف وإشراكِهِ عبر الهواء مباشرةً دون الضرورة لانتقالِهِ مسافاتٍ طويلة وصولاً إلى بيت أو استديو مجهَّز بتقنيات عالية الجودة نظراً لربطِهِ مع الأقمار الاصطناعية، فالسكايب يهيِّئ هذه الظروف الموضوعية كاملاً مع الأخذ بعين الاعتبار اختلاف دقة الصورة وجودتها بين الأستوديو و كاميرا السكايب.

بصورةٍ أخرى لم تتوقَّف استخدامات السكايب عند الحقل الإخباري بل تعدَّتهُ لتكون ثيمةً وحاملاً موضوعياً لأعمالٍ درامية أو مسرحية فرضَتها ظروف المرحلة العربية العسيرة التي يُصادَرُ فيها حقُّ الحياة فضلاً عن رفاهيات التواصل مع الآخرين وجهاً لوجه فيلجأ الأبطال إلى تقنية السكايب لمتابعةِ التفاصيل اليومية كما في مسرحية “روميو وجولييت” في نسختِها السورية التي تمَّ تقديمُها في العاصمة الأردنية عمَّان، حيثُ يتناول هذا العمل قصَّةَ طفلٍ سوري جريح وصلَ إلى الأردن ولكنَّهُ ظلَّ مشدوداً بحبلٍ سريٍّ إلى حمص حيثُ يتبادل أطراف الحديث بصورةٍ شبه يومية مع حبيبتِهِ “جولييت” في حمص المحاصرة، ليتوقَّف الممثلون أكثر من مرَةٍ خلال العرض بسبب انقطاع الإنترنت في أحياء حمص، في إشارةٍ إلى ضرورةِ وجود الإنترنت لإتمام الاتصال المجاني، ليكونَ أوَّل عرضٍ مسرحي في العالم يتمُّ عن طريق السكايب وهنا لم يتمّ استخدام هذه التقنية كمحاولاتٍ إبداعية لخلقِ قوالب جديدة في العمل المسرحي لتحقيق ترف الإبداع وإنما هي معالةٌ فرضَتها الضرورة والحاجة في الواقع السوري العصيب كما قال القائمون على العمل حينها.

علوم الطب والاقتصاد

لا شك أن للسكايب دورا كبيرا في مناحي عديدة في عجلة الحياة لا تتوقف عند الجانب الإعلامي أو الثقافي بل تتعداه إلى الحقل الطبي الذي شهد نقل عمليات جراحية بين مدنٍ تقعُ في قارَّاتٍ مختلفة في هذا العالم، و كذلكَ الحقل الاقتصادي الذي مكَّنَ رجال الأعمال من تحقيق الاجتماعات دون الاضطرار إلى السفر ساعاتٍ طويلة ما انعكسَ على سرعةِ الإنجاز في العديد من اتجاهات التنمية في الكرة الأرضية، ولكن في المقابل فإن هذا الاكتشاف الكبير يحمل في وجهه الآخر سلاحاً عنيفاً يؤدِّي بصورةٍ أو بأخرى إلى تدمير القدرة الإنسانية البشرية وجعلها مرتبطةً بالجهاز التقني وبالتالي في حال فقدِهِ فإنَّ حالةً من الخمول ستسيطِرُ بالضرورة على قدرات الإنسان واتجاهات التفكير لديه.

فالإنسان الذي بدأ حياتَهُ على الأرض مُعتمِداً في تواصلِه بلغةِ الإشارة، احتاجَ قروناً طويلةً لينتقلَ في تفكيرِهِ من القتل لأجل الغذاء إلى الضفة الأخرى نحو اختراع الأبجدية، في صورةِ الحرفِ الذي نكتبُ ويكتُبُ بهِ غيرنا بلغاتٍ متعدِّدة، وهو ذات الإنسان الذي كتبَ بدايةً على الرمل، وثانياً على الألواح والرقمُ الطينية وأوراق البردي وأوراق النخيل والعظام، وصولاً إلى الورق الذي نعرفُهُ اليوم، وهو ذات الإنسان الذي اخترعَ الفاكس والتلكس والهاتف والطابعة ولوح المفاتيح في جهاز الحاسوب الذي نستعملهُ يومياً، وهو ذات الإنسان الذي اخترعَ الهاتف الذكيَّ الذي ضمَّ في باطنِهِ كلَّ ما سبَق، وهذه التحديات تضع الإنسان بكينونتِهِ أمام اختبارٍ حقيقي في ظلِّ عصر انتقال الصورة والصوت عبر السكايب، ليبقَ السؤال مفتوحاً على كلِّ الاحتمالات، ماذا بعد السكايب؟

9