السكرتيرة جانية أم مجني عليها

الجمعة 2014/03/14
مهنة السكرتيرة كغيرها من المهن تحمل في طياتها جانبا إيجابيا وآخر سلبيا

القاهرة- عندما يصل صاحب العمل إلى مكتبه، فيجد سكرتيرته فتاة حسناء، ترتدي ثيابا وفق الموضة، وتضع الماكياج على وجهها، وتعتني بتسريحة شعرها حرصا على مظهرها اللائق، هل يعني ذلك أنها تثير الشكوك في علاقتها به، أم أن الحالات تختلف بين شخص وآخر؟

كثيرا ما نقرأ: ”مطلوب سكرتيرة شابة، حسنة المظهر، تجيد التعامل بلباقة مع العملاء، لا يشترط وجود خبرات، وفي حال توفر الشروط يرجى الاتصال على الرقم (…)”.

إعلان متكرر على صفحات الجرائد والمواقع الإلكترونية يرسخ صورة نمطية وسلبية عن هذه المهنة، رغم أهميتها الكبيرة حاليا. فقد بات ينظر إلى السكرتيرة على أنها أول مقياس في نجاح أي مسؤول، لكن هناك علامات استفهام عديدة حول وظيفتها، خاصة وأن هذه المهنة ارتبطت دائما بالمرأة المنحرفة أخلاقيا، التي تحاول دائما أن توقع المدير في شِباكها أو العكس.

فهل أن السكرتيرة جانية أم مجني عليها؟

وأوضحت الدكتورة نجية إسحاق أستاذة علم النفس بكلية الآداب جامعة عين شمس أن التبرج المبالغ فيه، واللباس الذي لا يتناسب مع سياسة المؤسسة، إضافة إلى ممارسات أخرى، كلها عوامل ساهمت في تشويه صورة السكرتيرة في المجتمع، أو على الأقل لدى شرائح اجتماعية معينة.

وقالت أنه توجد قيم ومعايير تحكم المجتمع، والخروج عنها يؤدي إلى نظرة سلبية ومتدنية للذين لا يلتزمون بها، وتوجد أفكار راسخة في الأذهان تحتاج إلى تغيير قوي لإقناع من يفكرون بهذه الطريقة، وقد تكون النظرة السلبية من جانب المجتمع عن بعض المهن أو المواقف موضوعية بقدر كبير، ويتم اختزانها عبر فترات تاريخية طويلة، ولكننا لا نستطيع تعميمها، ففي مهنة السكرتيرة هناك السيء والحسن، وكذلك مهنة التمريض وما شابه ذلك.

لابد أن تساهم وسائل الإعلام في تغيير الصورة السيئة عن بعض المهن كالسكرتيرة والمضيفة والممرضة وغيرها وهذا يتطلب زيادة درجة الوعي

لاشك في أن الإعلام أساء تجسيد مهنة السكرتيرة، فالجميع يتفق أن في كل مهنة هناك السيء والجيد وعن السبب في هذه الصورة السلبية، يقول الناقد السينمائي طارق الشناوي: من الملاحظ أن الدراما السينمائية والتليفزيونية بالغت في تقديم تصرفات وسلوكيات بعض أصحاب المهن المختلفة، مثل رجال الأعمال والفساد الذي يحدث في مجال أنشطتهم.

وهناك نماذج سيئة في كل المهن، لكن هناك قدرا من المبالغة في نقل ملامح صورة السكرتيرة، فالكتاب أصبحوا يركزون على الجوانب السيئة كصورة رجل الأعمال والسكرتيرة الخاصة، وهي تلك الفتاة الجميلة التي يكون هدفها الأساسي الاستيلاء على صاحب العمل، وإقامة علاقة معه، حتى لو كانت غير شرعية، مما خلق صورة سيئة عن تلك المهنة وغيرها في ذهن المشاهد. ولكي نحسّن هذه الصورة الراسخة في أذهان العديد من الناس، لابد أن تحمل الصورة في طياتها اللون الأبيض كما تحمل الأسود.

ويعلّق الدكتور شعبان عبد الصمد أستاذ علم النفس بكلية الآداب جامعة عين شمس أن هناك نظرة نمطية تصنف الناس إلى مجموعات دنيا ومجموعات عليا، وهذه التصنيفات موجودة في كل المجتمعات والطبقات، فهي غير مرتبطة بطبقة أو ثقافة أو مجتمع معين، ولكن بشخصية لها طابع خاص، فهذه الشخصية تكون صورة ذهنية ونظرة دونية عن بعض المهن مثل السكرتيرة والممرضة والمضيفة وما شابه ذلك.

وعادة ما تكون هذه الشخصية غير متسامحة تفرق وتميز الناس عن بعضهم البعض، فلو كان هذا الشخص اجتماعيا لتعاطف معه الناس وأحس بظروفهم وأحوالهم وأهتم بمشاكلهم، ولكي نحسّن هذه الصورة، فلابد أن ننظر إلى عملية التصنيف التي يقوم بها بعض الناس للنماذج الاجتماعية التي قد يرونها، ولابد من زيادة العامل الاجتماعي والثقافي، فكلما زاد التمدن تقل عملية اللجوء إلى التصنيف، فقد نرى أن عامل العادات والتقاليد يغلّب بعض النظرات الدونية؛ مثل صورة السكرتيرة الخاصة في أذهان العديد من الناس والتي ترى أنها فتاة لابد أن تتمتع بمواصفات جمالية خاصة وملازمة دائما لصاحب العمل، وكأن هناك علاقة غير سوية بينهما.
قد يكون ارتباط مهنة السكرتيرة بنظرة اجتماعية دونية أو منفرة أحيانا بسبب تطفل البعض على هذه الوظيفة المهمة والضرورية في أية مؤسسة

وتقول الدكتورة عزة كريم أستاذ علم الاجتماع: عندما تتحدث عن نظرة المجتمع لأية مهنة، فإن ذلك يعتمد على عدة معايير اجتماعية واقتصادية، فالنظرة تختلف من مهنة إلى أخرى تبعًا للخبرة المجتمعية لهذه المهنة، فعلى سبيل المثال مهنة التمريض التي تظل صاحبتها لوقت طويل خارج المنزل، واختلاطها في عملها ببعض الأطباء، أدت إلى ظهور بعض الحكايات والقصص بين الأطباء والممرضات، مما أعطى انطباعًا سلبيًا عن جميع المنتسبات لهذه المهنة، ونفس الشيء ينطبق على مهنة السكرتيرة.

وأكدت على مسؤولية أصحاب تلك المهن في ترسيخ الصورة السلبية عنهم من خلال بعض السلوكيات السيئة، وقالت مثلما نرى نظرة متعاطفة من جانب المجتمع تجاه بعض المواقف أو المهن، هناك أيضا نظرة دونية إلى بعض المواقف والمهن، ومنها مهنة السكرتيرة لأنها تظل لفترة طويلة خارج المنزل، ولأنها دائمًا ملازمة لصاحب العمل.

أما الدكتور ثروت إسحاق رئيس قسم علم الاجتماع بكلية الآداب جامعة عين شمس فيقول، إن اتجاهات وآراء الناس تتغير مع القيم ولكن بمعدل بطيء جدا. فالاجتماعيون عندما قسموا التغيير الاجتماعي إلى تغيير مادي مثل التطور التكنولوجي ووسائل وأساليب الحياة، أكدوا أنها تتغير بصفة مستمرة.

ولكن القيم والاتجاهات والعادات والتقاليد والأعراف والأخلاق تتغير ببطء شديد. وعن سبل تغيير أو تحسين تلك الرؤية، أشار إلى ضرورة أن تساهم وسائل الإعلام في تغيير الصورة السيئة عن بعض المهن، كالسكرتيرة والمضيفة والممرضة وغيرها، وهذا يتطلب زيادة درجة الوعي من خلال علماء الدين.

21