السكن المشترك يصنع الفارق في تكوين الشباب

مشاركة المسكن مع غرباء تجربة بناءة للشباب الواثقين بأنفسهم وهدامة للشخصيات المضطربة.
الأحد 2020/01/19
تقاسم للأعباء المالية

تجبر الظروف الاقتصادية الكثير من الشباب على خوض تجربة السكن المشترك مع أشخاص لا يعرفونهم في الغالب، ليخوضوا تجارب مليئة بالمخاطر والمنافع في الوقت ذاته، قد تتوقف عليها السنوات القادمة من حياتهم.

القاهرة - تعتبر تجربة السكن المشترك سلاحا ذا حدين بالنسبة للكثير من الشباب؛ فمنهم من يستفيد منها في اكتساب مهارات التعامل مع الغرباء وزيادة الاعتماد على النفس، وفئة أخرى تخرج منها متورطة في أزمات نفسية وصحية قد تصاحبها طوال حياتها.

وتظل الأحياء الشعبية المحيطة بالجامعات، الموطن الأساسي للسكن المشترك بالنسبة للطلاب المغتربين القادمين من الريف وجنوب مصر أو من الخريجين الجدد، فغالبية المنازل مصممة للقيام بهذا الدور وتضييق مساحات الغرف وحشرها بالأفراد لتقليل الأعباء المالية.

يقول خالد السيد (19 عاما)، الطالب بكلية التجارة جامعة القاهرة، إن السكن المشترك السبيل الوحيد له للإقامة قرب كليته، بعد استبعاده من المدينة الجامعية المخصصة للطلبة لحصوله على تقدير عام متدن في العام السابق، فأولوية السكن الجامعي لأصحاب التقدير الأعلى.

ويوفر السكن المشترك الكثير من الأعباء المالية على طلاب الأسر الفقيرة، فاستئجار شقة مؤثثة بالكامل يحتاج لمبالغ باهظة لا تستطيع الأسرة توفيرها، لكنه في الوقت ذاته يمثل مشكلة في إجبار الطالب على الانضمام إلى مجموعة لا يعرفها متباينة الأعمار والاهتمامات.

وأضاف لـ”العرب” أنه يواجه مشكلة مستمرة في المذاكرة داخل غرفة تضم 4 أشخاص حينما يتجمعون معا ويتبادلون النكات والضحك لفترات طويلة، ويصبح الأمر شبيها بالحفلات الصاخبة دون اعتبار للمتضرر، فالأمر محسوم برأي الأغلبية والأقلية عليها تدبير شؤونها أو أن تعود لمسقط رأسها في فترات الامتحانات.

وتتضمن المشاركة في السكن للشباب العديد من المزايا؛ مثل فرصة الخروج مبكرا من عباءة الاعتماد على الأسرة في كل شؤون حياتهم، ما يمنحهم المزيد من الثقة بالنفس وقوة الشخصية، وعليهم تدبير أمورهم بما يملكونه من أموال في ما يتعلق بالنفقات اليومية.

ويقول محمد عبدالمنعم، (25 عاما)، إن السكن المشترك بمثابة تجربة ثرية بالنسبة له تعرض خلالها لأصناف مختلفة من البشر، فمزاملة شباب جاؤوا من أماكن مختلفة تصبح شبيهة بالتعرف على لهجات وثقافات وعادات غذائية لأماكن قد لا يزورنها طوال حياتهم.

ويضيف لـ”العرب”، أن النقاش المستمر بين أصدقاء السكن وتفكيرهم في المستقبل ربما يعطيان دفعة إيجابية أو سلبية، لكنه كان محظوظا بمجموعة من الزملاء تشبعوا بالطاقة والتفاؤل وساعدوا بعضهم البعض لتوفير فرص العمل بعد التخرج، فوظيفته الحالية كمهندس يقف خلفها زميل سكن سابق.

ولا تخلو تجربة السكن المشترك من المواقف التي تغرس في الشباب كيفية التعامل مع الغرباء وإذابة الجليد في التعامل معهم والحفاظ على المتعلقات الشخصية والاعتماد على النفس في غسيل الملابس وإعداد الطعام والعيش أياما كثيرة بموارد مالية تكاد لا تذكر.

وأكد مصطفى عيد، (35 عاما)، أن السكن المشترك ساعده كثيرا في إنهاء حياته الجامعية بصورة تتماشى مع قدراته المالية، فعبر زملاء السكن تعلم كيفية العيش بميزانية شهرية محددة، ما ساعده في سوق العمل، وحتى الآن لا يزال يحافظ على ذلك النمط من الحياة بالعمل في القاهرة والعودة إلى أسرته في المنيا خلال الإجازات الأسبوعية.

كان عيد شديد العصبية والانفعال والخجل ولديه ميول عدوانية للاشتباك بمجرد شعوره بسخرية من لهجته الصعيدية أو ذكر نكات تتعلق بمجتمع جنوب مصر، لكنه بات حاليا أكثر انفتاحا، ويعتبر الأمر مجرد دعابة لا تفسد للود قضية، ووسيلة للتغلب على شقاء الحياة وانتزاع ضحكات تحلي مراراتها.

وتحكم طريقة تعامل الشباب مع السكن المشترك البيئة التي جاؤوا منها ومدى انفتاحها، فتكون معاناة الوافدين من الريف كبيرة لارتباطهم الوثيق بالأسرة ومجتمع القرية الذي يعرف بعضه، وتصبح مشكلة نفسية بالنسبة لهم أن يعيشوا غرباء وسط أناس لا يعرفونهم أو يثقون بهم.

إشكالية الفتيات المغتربات نفسية في المقام الأول
إشكالية الفتيات المغتربات نفسية في المقام الأول

وربما يكون “جلال.م”، (27 عاما)، الذي يعيش بإحدى قرى محافظات شمال القاهرة، من الأمثلة الحية على تلك الإشكالية، فمع سفره للقاهرة للعمل في إحدى شركات الاتصالات وجد ضالته في السكن المشترك مع مجموعة من الشباب بينهم محام يدمن المخدرات، وعبر إغراءات الأخير وقع في المحظور وجرب تناول الحشيشة للمرة الأولى في حياته.

عانى الشاب من تربية خشنة قائمة على القهر وسيطرة رأي الأب ومنعه من خوض أي تجربة حياتية إلا بإشرافه، ومع تخرجه من الجامعة وحصوله على فرصة عمل أحس باستقلاليته المالية وبدأ في التمرد والرغبة في تجربة كل شيء.

أوضح جلال، لـ”العرب”، أنه وافق في البداية على سبيل التجربة ولمعرفة الإحساس الذي يشعر به الإنسان حينما يدخن أنواعا معينة من المخدرات ومع توفير زميله كميات مستمرة من المخدر، تجاوز مرحلة التجربة إلى الإدمان.

ويفقد بعض الشباب بوصلتهم بتحررهم المفاجئ من قيود الأسرة، فالرغبة في استكشاف كل شيء والشعور بغياب الرقيب قد يدفعانهم إلى تجارب حياتية خطيرة كفكرة التسابق بالسيارات بالأماكن المعزولة أو الدخول لعالم الجريمة، سعيا وراء الكسب المالي السريع للتحرر من عباءة الفقر والعوز.

ولا يخلو الأمر من تجارب مضحكة أحيانا مثل بلال عبدالسلام، (31 عاما)، الذي قاده حظه للسكن في منزل تملكه سيدة سيئة السمعة دون أن يعرف، وظل وزملاؤه يواجهون نظرات استهجان من أصحاب المحال التجارية المجاورة بمجرد معرفتهم بمحل سكنهم لكن لم يخبرهم أحد عن السبب.

ويتذكر الشاب التجربة التي حدثت قبل 10 أعوام، حينما داهمت المنزل وحدة قوات من الشرطة في وقت متأخر من الليل، وفتشت جميع الوحدات السكنية واطلعت على بطاقات الهوية الخاصة بقاطنيها، ويقول مازحا إنه عرف وزملاؤه لأول مرة الإجابة على سؤال حيرهم حول أسباب تغير وجوه الداخلين والخارجين للعقار باستمرار.

ولا تمر الفتيات المغتربات بالإشكاليات ذاتها مع توفير نمط مختلف من المنازل لإسكانهن تتبع جمعيات خيرية أو مؤسسات اجتماعية تضع شروطا شديدة الانضباط في ما يتعلق بمواعيد الدخول والخروج، وتستدعي أولياء الأمور فورا حال حدوث مخالفة.

وتقول هناء محمد، (30 عاما)، إن إشكالية الفتيات المغتربات نفسية في المقام الأول، ففكرة مشاركتهن في الأعمال المنزلية من سن مبكرة في ما يتعلق بالطهي والتنظيف تجعلهن قادرات على إدارة شؤونهن الخاصة باحترافية.

ولا تزال هناء تقطن في بيت طالبات مغتربات رغم حصولها على دخل جيد من العمل لكنها استطاعت الحصول على غرفة مستقلة فقط للنوم مع حمام ومطبخ مشترك مع بقية المقيمات الأقل سنا.

وتابعت لـ”العرب”، أنها خاضت تجربة مريرة للإقامة بمفردها في شقة خاصة وكانت على مشارف التعرض لاعتداء جنسي من نجل صاحب العقار، وتأكدت أن المرأة إذا أرادت السكن بمفردها فإنها تتحول إلى مطمع من مجتمع الذكور، ولذا قررت العودة مجددا إلى دور الطالبات لأنه يوفر الأمان الذي هو أهم ما تحتاجه المرأة.

19