السكوت عن الجاهل

السبت 2014/08/23

مجالسة أصدقاء السوء خيار حر للبعض قد يدفعون ثمنه عاجلا أم آجلا، ومجالسة العلماء والأبرار خيار لا يقل جاذبية للبعض الآخر وقد يحصدون ثماره عاجلا أم آجلا، أما مجالسة الحمقى والجهلاء، فهي قدر ثقيل الظل يبتلي به البعض من دون ذنب أو جريرة سوى تواجدهم في المكان والزمان الخطأ.

والحمقى الجهلاء أنواع؛ فمنهم الأحمق المتعصب لجهله ومنهم الأحمق العدواني ومنهم الأحمق المتعصب العدواني، وهذا الأخير هو المعتمد الحصري في أي حلقة حوار مهما بلغت بساطتها، خاصة ما يتعلق منها بالمعتقدات والمذاهب الدينية، حيث يتحمل مسؤولية التفريق بين الجماعات وزرع بذور الحقد والغل في نفوسهم ليقفل فيما بعد جميع خطوط الرجعة الممكنة، فيصبح من المستحيل إعادة سهام الحقد التي يطلقها في وجه محاوريه.

الأحمق المتعصب لجهله لا يعترف بالحجج ولا يؤمن بالمنطق، فتراه يخوض في مياه تعصبه الآسنة ويزكم أنوف محاوريه برائحتها المقيتة، معجبا بنفسه مؤمنا بعبقريته فهو لا يرى سوى ملامح وجهه ولا يسمع سوى صوته الداخلي، أما الآخرون فهم خيال أشباح يكاد لا يرى منهم سوى ظلهم. ولذلك فهو أبعد عن أن يكون محاورا حصيفا يعتد برأيه، عدا عن كونه عرضة مستمرة لتهكم الآخرين واحتقارهم له حتى وإن لم يصرّحوا بموقفهم هذا، وهم سرعان ما ينفرون من إصراره الغريب على تبني رأيه المتحيّز لجهة تعصبه متجاهلا آراء الآخرين ومعارفهم ومصادر معلوماتهم.

أما الأحمق العدواني فهو لا يتردد في تسديد سهام غضبه وحقده على كل من يحاول أن يعارضه في الرأي، فيلوح بمعارضته بكل ما أوتي من أسلحة الوقاحة ويحمل راية العداء للآخرين من دون أي شعور بالحرج أو الذنب أو الخجل، فهو يرى العالم من منظاره الشخصي وفي حدود الحلقة الضيّقة التي يشغلها حيز هذا المنظار على امتداد بصره، فلا يرى غير ما تراه عين المنظار الصغيرة ولا يتلفت حوله ليرى أبعد من ذلك؛ فالزاوية المحددة هي المنطلق الذي يبني وفقه تصوراته الشخصية.

لسوء الحظ، يتمتع بعض الناس بهذه الصفات مجتمعة، فتصبح مجالستهم ومحادثتهم أو النظر في وجوههم العابسة بمثابة عقوبات نفسية رادعة لكل من تسوّل له نفسه الدخول في سلة نقاشات بريئة معهم. لذلك، ينصح متخصصون في مجاهل وخفايا النفس البشرية بتجاهل هؤلاء مهما كان مستوى الاستفزاز الذي يقدمونه ومهما كان حجم الزوبعة التي يثيرونها عن قصد؛ فالتورط في خوض الأحاديث معهم والاستجابة لهم أو الرد عليهم يعدان اعترافا ضمنيا بوجودهم، ولهذا فإن السكوت في هذه الأحوال يكون من ذهب وألماس وياقوت.

وفي هذا الحديث، قال أبو العباس الناشئ : وإذا بُليت بجاهل متحامل… يجد المحال من الأمور صوابا أوليته منّى السّكوت وربّما… كان السّكوت على الجواب جوابا.

21