السكيتبورد رياضة القفز على الحصار في غزة

شبان فلسطينيون أقاما بمساعدة مدربين أوروبيين، متنزها إسمنتيا ليمارسوا فيه رياضة التزحلق بواسطة المزاليج، على بعد بضع مئات الأمتار من رصيف ميناء غزة.
الأربعاء 2019/05/15
رياضة الأدرينالين متنفس الشباب

الرياضة متنفس الشباب الفلسطينيين في قطاع غزة الذين يعانون من البطالة وانعدام المراكز الترفيهية، وقد استطاع الشباب المولعون برياضة التزلج الخطرة الحصول علىملعب إسمنتي، وهم اليوم يمارسون لعبتهم المفضلة تحت إشراف مدربين أوروبيين بعد أن كانوا يعتمدون على اليوتيوب للإلمام بأصولها.

غزة (الأراضي الفلسطينية)- تضج مدينة غزة بأصوات الباعة المتجولين التي تمتزج بأبواق السيارات، لكن صوتا غير مألوف بات يأتي من ناحية ميناء المدينة تصدره ألواح السكيتبورد المنتشرة بكثافة بين شبان القطاع المحاصر.

فقد أقام شبان فلسطينيون بمساعدة مجموعة من المدربين الأوروبيين المنتدبين من مركز ثقافي أجنبي، متنزها إسمنتيا ليمارسوا فيه رياضة التزحلق بواسطة المزاليج، على بعد بضع مئات الأمتار من رصيف ميناء غزة.

واكتمل بناء المتنزه الذي تزين أرضيته والجدران المجاورة له رسوم غرافيتي زاهية الألوان بعبارات إنكليزية، في يناير. ويقول الشبان الذين يرتادون المكان يوميا تقريبا، إنه يوفر لهم فسحة نادرة للمرح.

وفي المتنزه الممتد على ستة كيلومترات طولا و12 كيلومترا عرضا، يتأرجح العشرات من الشبان ذهابا وإيابا، ساعين إلى إتقان حيل جديدة في هذا النشاط. يبدو الشاب رجب الريفي (23 عاما) وهو عامل بناء في القطاع الذي يشهد ركودا اقتصاديا، قائدا للفريق.

ويقول رجب وهو يعتمر قبعة ملونة “لا نريد اللعب هنا فقط، نريد أن نشارك في مسابقات عالمية وأن يرى العالم أن حياة الفلسطيني عموما ونحن في قطاع غزة خاصة لا تقتصر على الحرب والدمار”.

وعلى الطرف الآخر من الأراضي الفلسطينية وتحديدا في الضفة الغربية، تبدو هذه الرياضة أكثر تطورا مما هي عليه في غزة، بعدما تم تأهيل متنزهات عدة خاصة بها بدعم من منظمة “سكايت بال” وهي منظمة غير حكومية مقرها المملكة المتحدة.

العشرات من الشبان يتأرجحون ذهابا وإيابا ساعين إلى إتقان حيل جديدة في هذا النشاط
العشرات من الشبان يتأرجحون ذهابا وإيابا ساعين إلى إتقان حيل جديدة في هذا النشاط

ويتحدث الشاب إبراهيم (21 سنة) من بيرزيت عن تجربته قائلا “وجدت نفسي في رياضة التزلج منذ عشر سنوات، حيث تعلمتها منذ أن كنت مقيما مع عائلتي في الولايات المتحدة الأميركية”.

وعلى الرغم من ضعف إمكانيات رياضة التزلج سكيتبورد في فلسطين مقارنة بدول أخرى، كونها تحتاج مثلا لساحات خاصة تعرف بـ”سكيتبورد بارك” تتوفر فيها شروط السلامة للاعبين، تشجع إبراهيم على الاستمرار في ممارسة هذه الرياضة عندما عاد للوطن والتقى بثلاثة فتيان آخرين من بلدته كانوا قد عرفوا التزلج منه وأصبحوا من ممارسيها أيضا.

ويقول إبراهيم ”أكثر صعوبة واجهتنا هي تقبل المجتمع لهذه الرياضة الجديدة، لم نلق تشجيعا يذكر سوى من الأهل”، ويضيف “على الرغم من أننا في البداية لم نكن نملك سوى سكيتبورد واحد، إلا أننا استطعنا أن نتقن معظم الحركات والوضعيات رغم خطورتها“. ويقول رجب الريفي “إن إدخال ألواح التزلج إلى قطاع غزة يُعدّ أمرا صعبا، لذلك تجد شخصين أو ثلاثة يتناوبون على استخدام اللوح ذاته”.

واعتمد ممارسو هذه الرياضة في غزة على مقاطع فيديو يشاهدونها عبر “يوتيوب” لتعلم الرياضة والحيل المتعلقة بها، خصوصا مع صعوبة تواجد مدربين أجانب باستمرار. واستطاع المركز الثقافي الإيطالي في غزة جلب بضع عشرات من ممارسي هذه الرياضة سنويا.

وكان الإيطالي أندريه لوكات ضمن مجموعة المدربين الذين أتوا في يناير الماضي. ويوضح أنهم كانوا يعملون لساعات طويلة لبناء المتنزه. ويشير لوكات إلى أنهم صدموا بالظروف المعيشية في القطاع، ما حداهم أكثر إلى إدخال السرور إلى قلوب الشبان، موضحا “تسمح لهم هذه الرياضة بعيش حياة الطفولة، حتى لو لوقت قصير، وهذا أهم درس تعلمته هنا”.

إيطاليون يشرفون على تدريب الشباب على اللعبة الخطرة
إيطاليون يشرفون على تدريب الشباب على اللعبة الخطرة

ويقول مؤمن البنا (19عاما) إنه كان سعيدا لأنه واحد من هؤلاء المتزلجين الذي تمكن بعد انتظار طويل من الحصول على زلاجة سكيتبورد. ويضيف “أعشق مشاهدة لعبة سكيتبورد. رغبت كثيرا في تعلم اللعبة وممارستها وأخيرا وجدت الحذاء في سوق قديم للخردة”.

الشاب عبدالقادر وهو عامل بناء يفصح عن إعجابه باللعبة قائلا “أحب اللعبة كثيرا وبدأت أتعلمها وأمارسها، أصبح لنا جمهور من المشجعين في غزة”، لكنه لا يخفي عدم رضاه لعدم وجود أندية أو اهتمام من وزارة الشباب والرياضة في حكومة غزة التي تديرها حماس.

ويضيف “نشتري الأحذية والزلاجات من سوق الخردة ونبحث عنها في حاويات الزبالة التي تأتي من إسرائيل، أحيانا نجد قطعا ونجمع منها حذاء السكيتبورد”، موضحا أن “الأسعار غالية جدا إذا أردنا أن نشتريها من خارج غزة”.

ويبيع ياسر مسعود (13 عاما) الشاي والقهوة على طول الواجهة البحرية لمدينة غزة في مقابل بضعة دولارات يوميا. وفي أحد الأيام، سمع ياسر بمحض الصدفة أصوات ألواح التزلج بالقرب منه، نزل إلى المتنزه وانضم إلى المجموعة، ومن ذلك الحين لم يتوقف عن ممارستها لكنه بعد عام تقريبا توقف عن العمل للتفرغ لدراسته وقضاء وقت أطول في التزلج.

ويقول ياسر “كنت أنزل يوميا للعب لوقت قصير، وزادت مدة اللعب مع الأيام، لكنني أحلم بمغادرة غزة”. لكن في غزة حيث المجتمع محافظ، تقتصر هذه الرياضة على الذكور. أما إيمان (طالبة) فتبدي إعجابها وهي تتابع المتزلجين، تقول “كنت دائما أبث مقاطع فيديو سجلتها بهاتفي الجوال على يوتيوب وفيسبوك للشباب وهم يمارسون السكيتبورد لأساعدهم في إيجاد حلول”.

الجميع مسرورا باللعبة الجديدة
الجميع مسرورا باللعبة الجديدة

وتضيف قائلة إنها قد تأتي الفرصة لتعلم هذه اللعبة، مؤكدة أنه رغم المجتمع المحافظ فستجد الفتيات طريقا لتعلم هذه اللعبة وممارستها. ويشير الشاب رجب الريفي إلى وجود محاولة لإشراك الإناث في اللعب حتى يمضين وقتا ممتعا كما الرجال، “لكن في حال سمح لهن بذلك، فسيكون الأمر بما لا يتعارض مع أسس التنشئة في غزة”. ويشير رجب إلى الازدحام الشديد في المتنزه بعد ظهر الجمعة من كل أسبوع.

أما عزالدين مشهراوي (24 عاما) وهو عضو آخر في الفريق وعاطل عن العمل، فيقول “إن التزلج هو الشيء الوحيد الذي يحررني”. ويفخر هذا الشاب بأنه بات يتقن اللعبة، قائلا “تعبت كثيرا في تعلم قوانينها عبر مشاهدة مقاطع فيديو على يوتيوب، وكنت أشجع أصدقائي لمشاركتي اللعب”.

ويضيف بشيء من السرور “اللعبة أصبحت ظاهرة في غزة والناس تحبها وتقبل على تشجيعها، لكن الأصعب بالنسبة لنا أن نوفر أحذية سكيتبورد، إلا أننا دائما نجد الحل”. ويتابع “نحن محاصرون في غزة، وهناك نقص في فرص العمل وضغوط نفسية على الشباب، التزلج هو ملاذنا الوحيد للتخلص من كل هذه الطاقة السلبية”.

وتستوقف حركات الشبان البهلوانية سائق الأجرة محمد بربخ عندما استأذن ركاب سيارته من نوع مرسيدس ليتفرج على اللعبة لدقائق بينما بدا الجميع مسرورا باللعبة الجديدة. وعلق الرجل “الرياضة تريح البال أحسن من السياسة ومشكلات الانقسام”.

20