السلاح وحده ليس كفيلا بالتصدي للفكر الظلامي

الاثنين 2014/09/01
ممارسات الأجانب الذين يقاتلون تحت لواء "داعش" أقرب إلى الارتزاق منها إلى الجهاد

يواصل الباحث والحقوقي السوري هيثم منّاع تناوله لمسألة نشأة التنظيمات المتطرفة وما تمثله من أخطار على منطقة الشرق الأوسط والعالم ككل من خلال تناوله لأنموذج “داعش”، ويتطرّق في هذا القسم الأخير من دراسته الصادرة عن المعهد الإسكندنافي لحقوق الإنسان، التي نشرت “العرب” جزأيها الرابع والخامس تباعا في الأعداد السابقة، إلى تبيان الحلول اللازمة لمواجهة تهديدات هذه التنظيمات وأخطارها المحدقة.

في وضع مضطرب كالذي تشهده منطقة الشرق الأوسط الآن، وبوجود حواضن اجتماعية لمشاريع تدمر الوطن والمواطن، تشكل الحركات المتطرّفة مرضا عضالا يشبه نقص المناعة الذاتية المكتسب (الإيدز) عند الأفراد.

ولكن وبخلاف وسائل العلاج لهذا المرض القائمة على تحجيم الأعراض والاستمرار الباثولوجي على قيد الحياة، مازال أمام مجتمعاتنا وسائل عديدة تعتمد معالجة الأسباب وتفسح المجال لشعوب أرادت من حراكها العودة إلى التاريخ المعاصر فأسقطها ظلم الاستبداد واستبداد الظلامية في وحل الماضي بالمعنى الأسوأ للكلمة.

وفي هذا السياق، لا يمكن مواجهة أية حركة تكفيرية دون تجفيف مصادر قوتها المالية والبشرية. وكم حذّر أكثر من باحث خليجي منذ عقود ثلاثة من “الجراد الأسود”، كما أسماه الدكتور أنور عبدالله، أي تحويل الثروة المنجمية العربية من نعمة إلى نقمة.

فسوء استخدام الثروة غير الإنتاجية من قبل حكومات وجماعات متشددة في خدمة مشروع أيديولوجي هدّام يشكل عنصر القوة الأكبر في نمو الظواهر التكفيرية. وحتى اليوم، لا يشكل الاعتماد على المصادر الذاتية موردا كافيا لأية حركة سلفية جهادية. فأيّ قرار سياسي إقليمي ودولي صارم يقضي بمحاسبة من يتعامل مع المنظمات الإرهابية سيعطي نتائج مؤثرة على قوة هذه الجماعات وحركتها.

لقد أصبح من الضروري التوقف عن الاكتفاء بالتلميح والتنويه في ما يتعلّق بتوظيف مصادر الطاقة في خدمة الجماعات الّتي صنفتها الأمم المتحدة إرهابية، كما فعل قرار مجلس الأمن رقم 1270، والانتقال إلى التجريم والمحاسبة.

وهنا تبرز مسؤولية حكومات متواطئة حققت عبر رجال أعمال الأحزاب الحاكمة أو السماسرة المقربين منها مكاسب طائلة وسريعة من تجارة النفط مع “داعش”، على حساب دماء الشعوب.

إغلاق الحدود ووضع الأطراف المسهلة للعبور موضوع محاسبة، يشكل وسيلة ضرورية لوقف الدعم البشري لـ"داعش"


تجفيف منابع التمويل


ونود في هذا المجال، التركيز على مصدر هام من مصادر الثروة الإرهابية الذي اكتسب نوعا من القبول والمشروعية في السنوات الأخيرة، وهو دفع فدية الرهائن (من الدول الغربية بشكل خاص). فأية مأساة وملهاة في أن تقوم دولة خليجية (المقصود هنا قطر) بدفع الفديات ولعب دور “إنساني” مع الدول الغربية للإفراج عن مواطني هذه الدول. ما هي الترجمة العملية لدفع فدية بعشرين مليون دولار من أجدل الإفراج عن مواطن أوروبي؟

إنها وبكل وضوح عملية تمويل للحركات التكفيرية في وضح النهار مع “وسام شرف”. إنّ حرصنا على حياة أي إنسان لا يمكن أن يجعلنا نقبل بمقايضة حياة مواطن أوروبي بإعطاء وسائل قتل لأكثر من ألف مواطن من أبناء المنطقة.

وإن كانت هذه الدول بالفعل حريصة على مواطنيها، فمن واجبها منع توجههم إلى مناطق تعرضهم لخطر الخطف والقتل.

وفي هذا الإطار، فقد بيّنا في دراسة شملت آراء عدد من الباحثين الحقوقيين قمنا بها في مطلع هذا العام 2014، أنّ دولة قطر تحتل الموقع الأول في دعم الجماعات المصنفة ضمن قائمات “الإرهاب” الأوروبية.

وقد احتج أكثر من صديق من قطر أو من المقربين منها على الإحصاء الذي قدمناه لأنه شمل دفع الفديات المالية، معتبرا ذلك “مهمة إنسانية نبيلة” قامت بها الإمارة. لكن مجموع الباحثين أكد على أن هذه الفديات كانت بالفعل موردا أساسيا لعدد من التنظيمات الإرهابية، ولعبت دورا كبيرا في تسليحها وتجنيدها لأعداد كبيرة من المقاتلين.

وبخلاف الفدرالية الروسية والولايات المتحدة اللتين رفضتا في معظم المناسبات دفع فديات مالية، مع لجوء الأخيرة أحيانا إلى حماية مواطنيها من خلال مبدأ تبادل الأسرى، وقعت معظم الدول الأوروبية في هذا الفخ الخبيث.


وقف الدعم البشري


لا يمكن وقف المد التكفيري دون العودة إلى مبدأ خروج كل المقاتلين غير السوريين من سوريا وكل المقاتلين غير العراقيين من العراق، لأية جبهة انضموا وفي أي موقع كانوا. فالمقاتل الغريب، بكل معاني الكلمة، عن النسيج المجتمعي والنفسية الجماعية المحلية، والذي يحمل معه كل فيروسات الشحن المذهبي والطائفي، ثبت أنّه كان الأكثر استرخاصا لأرواح المدنيين، وفي معظم الأحوال، كان أقرب إلى مواصفات المرتزقة منه إلى الالتزام العقائدي والأيديولوجي.

فهذه الجموع القادمة من أكثر من سبعين بلدا والحاملة لأكثر من سبعين عقدة نفسية مشبعة بروح الانتقام، هي التي قامت بأكثر من ثمانين بالمئة من العمليات الانتحارية في سوريا.

وبعد إجراءات الملاحقة للعائدين من سوريا في بعض البلدان الأوروبية، أصبحت هذه الفئات أكثر شراسة وتطرفا. ويلاحظ ذلك بوضوح في حركة انضمامها إلى المنظمات الأكثر وحشية، والتي تقدم لها إغراءات شخصية أكبر.

وفي هذا الإطار، فإنّ إغلاق الحدود ووضع الأطراف المسهلة للعبور موضوع محاسبة، يشكل وسيلة ضرورية لوقف الدعم البشري الخارجي لـ”داعش” وأخواتها. وقد طالبنا منذ شهر آذار 2013، بإصدار قرار من مجلس الأمن حول موضوع المقاتلين غير السوريين، وللأسف لم يؤخذ المشروع الذي قدمته وقتها هيئة التنسيق الوطنية لقوى التغيير الديمقراطي في سوريا مع عدد من المنظمات الحقوقية غير الحكومية على محمل الجد.

قطر تحتل الموقع الأول في دعم الجماعات المصنفة ضمن قائمات «الإرهاب» الأوروبية


إعادة بناء الجيوش الوطنية


النجاح في مواجهة الجماعات المسلحة بجماعات مسلحة أخرى خيار فاشل وقد أثبت فشله على الأرض، ولذلك فلا بدّ من العودة إلى مبدأ الجيش الوطني ودولة القانون من أجل مواجهة ناجعة وطويلة الأمد. فقد أثبتت السنوات الأخيرة أن الجيش العقائدي غير قادر على تحقيق الوحدة الوطنية في مبدأي الدولة والسيادة.

كما أنّ مشروع الدولة الدينية سيكون مدمرا بكل معاني الكلمة. ولذلك فإنّ إعادة بناء الجيوش على قاعدة الوطن والمواطنة، هي التي تسمح بالقبول الجماعي لمبدأ احتكار الدولة للعنف. وبوسع عملية الإصلاح هذه، تحرم الجماعات المسلحة من حاضنة اجتماعية جنحت لاعتبار “المظلومية”، مبررا لمواجهة مفتوحة مع الدولة أوّلا، وعامل تعبئة وشحن في التفكيك المؤدلج لتماسك المكونات الأساسية للمجتمع ثانيا.

من جهة أخرى، فإن وقف عمليات الاستئصال والتهميش في مؤسسات الدولة الأساسية من جهة، والحياد الإيجابي لمؤسسات ضبط العنف في المجتمع (الجيش والشرطة)، يشكلان عنصر القوة الأهم في تكوين جبهة مجتمعية واسعة لمواجهة التطرف. ولذلك يعد قيام الحكومات المعنية بإصلاحات جذرية تحقق فصلا فعليا بين الدولة والأيديولوجيا وتفتح أفق بناء دولة مؤسسات وكفاءات ومواطنة هو الطريق الأسلم لمواجهة جدية مع النكوص إلى أسوأ ما في الماضي لإقامة أبغض ما في الحاضر، الأمر الذي يتطلب إعادة الاعتبار بقوة للحلول السياسية التي تكفل وحدها محاصرة العنف ووضع حد لاستبداد وفساد المزرعة الخصبة لإنتاج التكفير والتخوين والاستئصال في العلاقات الاجتماعية والسياسية، وكذلك وضع حد لجريمة توظيف الجماعات الإرهابية في الصراع السياسي الداخلي والإقليمي والدولي.


الصد الفكري والإعلامي والسياسي


من بين الوسائل الأخرى الناجعة أيضا لمواجهة التطرّف والحد من أفكاره الهدّامة، وقوف كل المخلصين والمتنورين من رجال الدين والإصلاح موقفا واضحا لا لبس فيه من هذه الجماعات. وكم قلت للأستاذ عصام العطار، إن موقفا صارما من مفكر إسلامي أهم بكثير من عشرات المواقف من ديمقراطي علماني في هذه المرحلة.

80 بالمئة من العمليات الانتحارية في سوريا قام بها مقاتلون أجانب

فالمشروع الظلامي لا يُزوّر معنى الدولة المدنية أو يشوف فكرة الديمقراطية، بل يوجه خنجرا ساما إلى صدر الدين الإسلامي بقيمه الروحية والأخلاقية السامية. ومن هنا تبرز أهمية دور رموز الإصلاح الإسلامي في مواجهة المد التكفيري.

هذا على المستوى الفكري، أمّا إعلاميا فلا بد من وقف الجرائم الإعلامية ووضع قوانين تجرّم التكفير والتمييز العنصري والمذهبي. فقد لعب الإعلام المذهبي سنيا كان أم شيعيا دورا كبيرا في نشر أفكار ظلامية تبرر القتل والإرهاب وتجمّلهما، وتجند الشباب المراهق للانخراط في صفوف التنظيمات التكفيرية وتعزّز الشحن المذهبي والفرقة بين أبناء المجتمع الواحد.

أمّا على المستوى السياسي، فيجب أن يتمّ وقف الانحطاط السياسي وعمليات تدنيس الوعي والتواطؤ المباشر مع الظلامية. ومن منا كان يتصور أن تهجير المسيحيين من الموصل يمكن أن يتم بهذا الشكل، وفي ظلّ صمت الجميع.

نذكر أنه في انتفاضة العامية الفلاحية في جبل العرب (1888) طلب الجيش العثماني وضع إشارات على بيوت المشاركين في الانتفاضة من أجل تهجير أصحابها وقتلهم فوضع المشايخ إشارات على كل البيوت للحؤول دون تطبيق هكذا قرار.

فهل فكّر فصيل سياسي أو عسكري واحد في مدينة الموصل بوضع حرف “النون” على منزل كل مواطن في المدينة لمنع تهجير المواطنين المسيحيين أو واجه القرار ولو ببيان، وذلك أضعف الإيمان؟

أخيرا وليس آخرا، لا بد من بناء أوسع تحالف وطني ضد الظلامية والتوحش، ففي الحرب العالمية الثانية تحالفت الدول الغربية الديمقراطية مع ستالين لوضع حد للمد النازي والفاشي في أوروبا، ولذلك فإن الأوضاع المصيرية التي تعيشها المنطقة تتطلب تحالفات مع كل من يحترم الحد الأدنى من حقوق البشر وحرياتهم من أجل مواجهة واسعة وشاملة لهذا الطاعون.

خلاصة القول، لم يعد التوحش مجرد ظاهرة يمكن لطرف أو فئة مواجهتها ووضع حد لتقدمها، فنحن أمام قضية وجودية تواجهها دول وشعوب تتطلب مواقف جريئة وعمليات جراحية ضرورية في البنيات القائمة وتحالفات واسعة تجمع كل من يرفض الظلام منهجا للحياة والقتل وسيلة للحكم والسيطرة، فـ”داعش” اليوم هنا، لأنّ معظم أعدائها الطبيعيين لم يكونوا في مستوى المسؤولية والتحدي. فهل يكفي هول جماجم الأبرياء لكي ننهض؟

6