السلام التائه في جنوب السودان

الاثنين 2015/08/24

عندما حصل جنوب السودان على تقرير مصيره ونجح في انتزاع استقلاله، بدعم ومساندة قوى إقليمية ودولية، توقعت دوائر كثيرة أن تكون الدولة الوليدة، رمانة ميزان في محيطها الجغرافي، لأن هذا الإقليم نال حريته السياسية بعد معاناة طويلة مع الحرب الأهلية، كادت تقضي على الأخضر واليابس في السودان برمته. كما كانت هناك قوى كبيرة تعول على نهضته الاقتصادية ومكانته الاستراتيجية، وحاولت تمهيد الطريق أمام تحقيق المزيد من الأمن والاستقرار، ليكون عبرة لدول كثيرة في المنطقة، وأن الأسباب التي دفعت للوقوف خلف الجنوب للانفصال عن الشمال بدأت تؤتي ثمارها، ومن وقفوا ضد الخرطوم، وساندوا جوبا، ثبت صواب خيارهم.

بعد أربع سنوات من الاستقلال رسميا، أصبحت دولة جنوب السودان أسيرة حرب أهلية ضارية جعلت فكرة الدولة النموذج تنهار، حيث تواصل قوات الرئيس سلفاكير القتال ضد غريمه ونائبه الأول السابق رياك مشار، في تحد لكل جهود التسوية السياسية التي تقودها هيئة وساطة أفريقية مدعومة بجهات دولية، فقد مضى موعد توقيع اتفاق سلام نهائي بينهما في 17 أغسطس، ولا أحد يستطيع أن يقطع وفاء سلفاكير بالتوقيع في الأول من سبتمبر المقبل.

صعوبة الوصول إلى السلام بين الفريقين المتصارعيْن، لها أسبابها المحلية والإقليمية والدولية، التي ضاعفت من المأزق الذي عانت ولا تزال تعاني منه المفاوضات، على مدار ثماني جولات، خلال عشرين شهرا، في أديس أبابا، فضلا عن مناقشات ومحادثات، مباشرة وغير مباشرة، جرت في دول مجاورة.

فقد دخل كل من سلفاكير ورياك مشار التسوية، وهما يدركان أن مسألة التعايش بينهما مستحيلة، فكلاهما يرى في نفسه أنه أحق بحكم البلاد، بالتالي كل حوارات تقاسم السلطة التي قامت عليها المفاوضات لم تكن مجدية وتم الالتفاف عليها، بحيث يبعد كل طرف عن نفسه شبهة المتسبب في انهيار المحادثات حيث تنتظره عقوبات دولية.

لكن في الجولة الأخيرة التي عقدت الأسبوع الماضي في أديس أبابا، تيقن الجميع أن كير يتحمل مسؤولية الفشل الذي لازمها، لأنه رفض التوقيع على الاتفاق النهائي وطلب مهلة لمدة أسبوعين، بينما وقع مشار، لذلك أصبحت الكرة في ملعب الرئيس، الذي يراهن على حدوث مكروه لغريمه، أو تزايد الخلافات في صفوف المتمردين، أو ظهور قيادة جديدة تزيح مشار عن صدارة مشهد المعارض القوي.

استمرار صيغة التوازن النسبي في معادلات القوة بين الفريقين، جعل التسوية غاية في الصعوبة، خاصة أن الدور القبلي في الصراع يلعب دورا مهما في تغذيته، بالتالي فعملية التفاهم والتوافق حول السلطة ومصادر الثورة، التي قامت عليها مسودة الاتفاق، قد تكون مقبولة عند مشار، لكن هناك تحفظات عليها من قبل فريق سلفاكير، ليس باعتباره رئيس البلاد، بل لأنه يمثل قبيلة “الدينكا” الأقوى والأكبر والأكثر عددا وانتشارا في جنوب السودان. في ظل هذا المحدد، تواصل الكر والفر، وجرت لعبة السيطرة بالتبادل على مناطق كثيرة، حيث تضع قوات سلفا يدها على مدينة، وفي اليوم التالي تنتقل إلى مربع قوات مشار أو العكس، لذلك كان التوازن الهش واحدا من العوامل التي جعلت السلام تائها في جنوب السودان.

إذا كانت الموازين الداخلية متقاربة، فإنها على المستوى الخارجي لم تكن أفضل حالا، ففي الوقت الذي حصل فيه سلفا على دعم من أوغندا، تمكن مشار من الحصول على دعم من السودان. وعلى هذا المنوال يمكن قياس قناعات الكثير من القوى الإقليمية والدولية، والتي كادت مواقفها أن تكون متساوية، وفي أفضل الأحيان محايدة، ما ساهم في إضفاء قدر آخر من الموازين الرئيسية التي تتحكم في الصراع، وجعلته حائرا بين حسابات محلية مترهلة، وتقديرات خارجية معقدة.

من الطبيعي أن تكون التسوية السياسية بعيدة المنال، وأن تتحول من الرغبة في إنجازها بصورة حقيقية، لحسم نزاع يمكن أن يرخي بتداعيات سلبية على عدد من دول الإقليم، إلى الاكتفاء بالتعامل معها كعملية مطلوبة بحد ذاتها، يمكن أن تجنب هيئة الوساطة الأفريقية حرجا وتوفر لبعض القوى المهتمة أو المنخرطة في الصراع (سياسيا) مخرجا، حتى يتم تجنب الوقوع في فخ الاختيار بين رؤى وعرة ومحددة، ربما تصل لدرجة المطالبة بالإعلان عن سياسة واضحة من المتصارعين، وهنا قد تتساقط بعض الأوراق، حيث تصبح المواقف عارية من المناورات. هذه النوعية من التوجهات نجحت في شق طريقها طوال الفترة الماضية، غير أن الفترة المقبلة سوف تكون لها ترتيبات مغايرة، لأن توقيع سلفاكير على الاتفاق في الأول من سبتمبر لن يكون نهاية المطاف.

فالتطبيق على الأرض له طقوس ونواميس، يصعب التفاؤل بها، كما أن آليات العقاب التي جرى التلويح بها ضد الطرف المتسبب في الفشل، لا أحد يضمن سريانها عمليا، ولا توجد جهة أو أكثر تملك ذراعا طويلة، يمكن من خلالها ردع أنصار الفريق الذي لا يلتزم بالنزاهة والشفافية على الأرض.

يبدو أن جنوب السودان سوف يظل أسير التيه، الذي جعله يقضي من قبل نحو نصف قرن للخروج منه، وما لم تنتفض الجهات الراعية للسلام لإنقاذ ملايين اللاجئين والمشردين، فسوف يتحول البلد إلى نقمة على كل من سعى إلى سلخه عن جسد السودان.

كاتب مصري

9